اثر عن جوزيف ستالين دكتاتور الاتحاد السوفييتي السابق انه عندما ذكر امامه «بابا روما» قال هازئا كم من الفرق العسكرية يملك البابا؟ لم يكن البابا يملك غير قوته الروحية التي تهيمن على ملايين المسيحيين، وهو الامر الذي بدا جليا في أواخر القرن العشرين، حين تبين مدى القوة الروحية التي تمتلكها شعوب الاتحاد السوفييتي السابق، والتي استطاعت ان تدفع الاحوال السياسية والاجتماعية باتجاه التغيير. واليوم ربما لا يملك عمرو موسى ولا الجامعة العربية جيشا يمكنها من تغيير الواقع العربي، ولكن الامين العام الجديد ينطلق حاليا في حملة علاقات عامة نشطة لوضع الجامعة العربية على الدرب الصحيح من اجل تحقيق مساحة واسعة من العمل العربي الذي يرغب فيه ويتوخاه كل عربي. يقول عمرو موسى ان عمل الجامعة العربية كما يراه الآن تراجع الى ما يقرب من الصفر، وان لم يصبح صفرا بالضبط بعد! وهو يرى ان الانتقال من الصفر الى درجات عالية من الاداء يحتاج الى الكثير من الجهد. والتشخيص الذي لا يبخل عمرو موسى على اي من زواره او اي من وسائل الاعلام المختلفة ينبع من رؤيته الحصيفة للواقع الحالي للجامعة العربية. فهو يقول ان الواقع العربي الراهن متناثر ويتسم بالازدواجية في التعامل والضعف في التنسيق، كما ان آليات العمل العربي المشترك ضعيفة بالاضافة الى شيوع الجهل بمنجزات العمل العربي المشترك، وانهيار الثقة في عمل الجامعة. هذا التشخيص للواقع العربي المشترك هو تشخيص واضح وصريح لا لبس فيه ولا مواربة والمطلوب لمعالجة هذا الوضع كثير، وتحقيقه ليس وقفا على عمرو موسى وحده، ولكن يتعين على كل من له قدرة على التفكير، ويهمه مستقبل هذه الامة، ان يساهم في وصف العلاج لهذه المعضلة التي تسمى «العمل العربي المشترك» وهي معضلة تراكمت آثارها عبر الزمن، وليست جديدة. فالجامعة العربية من اقدم المنظمات الاقليمية في العالم، وهي سابقة ـ كما نعرف ـ على الكثير من المنظمات بما فيها اتفاقية السوق الاوروبية المشتركة. ولكن ما عطل مسيرة الجامعة العربية عن اداء الدور المتوقع هو واقع عربي مؤلم، لعب دورا بارزا في تشكيله وترديه وجود اسرائيل، وتداعيات خلقها واستمرارها وحروبها والمواقف التي تبنتها الدول العربية من هذا الكيان سلمان او حربا. فقد اختلف العرب على امكان مواجهة اسرائيل والكيفية التي يجب ان تواجه بها، وعلاقة العرب بالغرب او الشرق في ضوء ذلك بين راغب مقبل، او رافض متراجع، كل ذلك تجمع في جو متوتر اججه التنافس بين المعسكرين الكبيرين الغرب والشرق ابان الحرب الباردة. زاد على ذلك تفاعل مجموعة عوامل اخرى صعدت من التنافر والمجابهة بين الاخوة الاعداء الامر الذي كان من افرازاته ظاهرة المزايدة بين الاطراف العربية في ممارسة الفعل السياسي، وقد بلغت هذه المزيدات حدا بات معه الجمهور العربي العام عاجزا عن رؤية الاهداف المرجوة للجامعة، كما تعطلت قدرة هذا الجمهور على الفعل ليس السياسي فحسب بل والاقتصادي والثقافي العام، مما قلل من اي تعاطف من النخب العربية تجاه الجامعة وعملها، حتى اصبح من الشائع في السنوات الاخيرة ان تطرح في بعض الاوساط اسئلة لم تكن تطرح في السابق: مثل هل تبقى جامعة الدول العربية او تلغى؟ مثل هذا التساؤل (حول وجود الجامعة ذاته) لم يكن مطروحا من قبل، حتى مع وجود النقد الحاد من البعض في مرحلة تاريخية او اخرى من عمل الجامعة العربية. وبين خطاب التشفي وخطاب الجفاء يبقى السؤال مطروحا حول الازمة التي تواجه الجامعة العربية: هل هي ازمة كفاءة أداء ام ازمة وجود؟ يرى البعض انها ازمة وجود، نظرا لأن الجامعة مرتبطة بفكرة القومية العربية، التي لم تعد مطروحة اليوم، كما انها لم تحقق اهدافها، بل انقلب العرب عليها بعد ان زاحمتها فكرة التعاون الاقتصادي «الشرق اوسطي» الذي تقام له المؤتمرات الدولية، وتعقد من اجله الندوات، وايضا مع توقيع معاهدات مختلفة بين بعض الدول العربية واسرائيل وعدم تحقيق الوحدة العربية ولكن هذا الرأي متطرف نوعا ما في تحليله وإن كان موجودا ومنشورا يتبناه البعض. فالجامعة العربية هي ضرورة عربية لا ترتبط مباشرة بفكرة «القومية العربية» بمعنى تحقيق الوحدة التي طالما تغنى بها الكثيرون واتخذوا منها وسيلة لدغدغة عواطف الجمهور العام، ولكنهم تخلوا عن ابسط متطلباتها عندما اقتضت الظروف ذلك. ففكرة الجامعة بنيت على اساس التمحور حول العام والمشترك والجوهري في النشاط السياسي والاقتصادي والثقافي العربي، كما تطلع العرب الى ان تكون موضعا للتشاور ومنطلقا للدفاع عن المصالح العربية المشتركة في صراعها مع الآخر، وكذلك تخفيف او ازالة التوتر بين الاطراف العربية ـ ان وجدت ـ بالطرق السلمية. فالأزمة التي تواجهها الجامعة العربية هي ـ بالتأكيد ـ ازمة اداء لا أزمة وجود، لأن اسباب وجودها لا تزال قائمة والاحتياج العربي الى دورها لا يزال باقيا. وهنا يأتي دور الرجل (عمرو موسى) ويأتي دور الافكار المعضدة لتحسين الاداء والداعمة لدور الجامعة. لقد كان الانتقاد السابق حول الجامعة العربية يعتمد على ناحيتين: أولا الميثاق الذي بات في الظروف الحالية في حاجة ماسة الى اعادة النظر فيه وتعديله، وقد بدأت الجامعة في تفعيل بعض مناحيه بدليل الاتفاق على ان يكون اجتماع القمة العربية اجتماعا دوريا وثانيا الهيكل التنظيمي الذي يعمل الامين العام الجديد على بعث الحيوية في اوصاله، بطرح عدد من المشروعات المعضدة لعمل الامين العام، وقد نفذ بعضها وبعضها الآخر في سبيله الى التنفيذ، وهي مشروعات تعيد الحيوية لعمل الجامعة العربية وتزيد من حولها جموع المؤيدين، كما تخلق رأيا عاما شعبيا مساندا لأعمالها. تواجه الجامعة العربية في عملها الحالي معضلتين هما الصراع ـ الاجنبي، وهو يتمثل في شكله الاكثر وضوحا في الصراع بين العرب واسرائيل والمعضلة الاخرى هي الصراع العربي ـ العربي وهو ربما كان الصراع الاكثر تعقيدا والاشد تراكما وتعطيلا لعمل الجامعة والحيلولة بينها وبين تحقيق الاهداف الكبيرة التي أنشئت من اجلها. كما تواجه الجامعة هاتين المعضلتين في بيئة دولية مختلفة كليا عما مضى، فالمجتمع الدولي ممثلا في سلطاته اصبح يمتلك آليات وصلاحيات تتيح له التدخل في الشئون الداخلية للدول اذا تقاعست هذه الدول عن النهوض بواجبها الحضاري في اعتاق شعوبها من ربقة الفقر والجهل والقمع، وتخلت عن اعطاء الفرصة للجماهير العريضة للمشاركة في تقرير سياسات دولها. هذه السلطة الدولية هي التي تفصح عن وجودها بين وقت وآخر، ولعل آخرها ما رأيناه منذ اسابيع من محاكمات دولية لقادة لم يقوموا بذلك الواجب او اهملوا فيه. وبالنسبة لوجهي الصراع اللذين ذكرناهما اصبح الوضع اليوم اكثر تعقيدا من اي وقت مضى، ففي السابق، كان الخلاف حول الموضوع الاسرائيلي ـ على سبيل المثال ـ خلافا في التكتيك وليس في الاستراتيجية. اما اليوم فقد اصبح الامر اكثر صعوبة الى درجة التباعد، بل التناقض بين آراء ورؤى الاطراف العربية المختلفة، بعد ان عقدت بعض الدول العربية معاهدات ملزمة مع اسرائيل. وهو ما يملي على المعنيين وأصحاب القرار ان يتناولوا الامر بمنظور واقعي جديد لا يغفل الحقائق القائمة على الارض، ولا يبالغ في الانفصال عن خريطة الصراع، كما يتطلب السعي الى رسم خطوط جديدة تستند الى هذه الرؤية العقلانية يكون هدفها ان تحافظ على الحقوق ولا تفرط في السلام. وأما في مجال الخلافات العربية ـ العربية، فلعل السابقة التاريخية في احتلال دولة عربية لأخرى جارة لها وعضو في الجامعة العربية، كما حدث في احتلال العراق للكويت، تنقل الجامعة الى ضرورات اخرى ومستويات من العمل العربي المشترك اعلى بكثير من السابق. ففي اقصى الظروف، وعلى مدار السنوات الطويلة التي تشكل عمر الجامعة، لم تكن المشكلات البينية المطروحة على جدول اعمالها تزيد على مناوشات كلامية بين دولتين، او حتى مشاحنات حدودية تندلع سريعا لتعود فتخبو بعد وقت قصير، او ادعاءات متبادلة بين دولتين تتنازعان على ملكية اراض معينة، لكن هذا كله كان في اطار العمل الدبلوماسي والمواجهات الكلامية. اما الذي حدث في اغسطس 90، فقد كان سابقة تواجه الجامعة العربية للمرة الاولى وهو ما القى على كاهل الجامعة مسئولية مواجهة هذه الازمة بحنكة وسرعة معا، وهو ما تحقق بالفعل بإدانة العدوان والعمل الحثيث على اعادة الشرعية للكويت: وإلا فإن مستقبل الجامعة العربية كله كان مهددا بالضياع. لا تزال الجامعة العربية في المجال السياسي تعاني من مزايدات من نوع ما، وهي مزايدات تلجأ اليها اطراف عندما تعوزهم الحجة او الثقة او اليقين، ويتعين على ادارة الجامعة الوقوف امام هذه المزايدات والحيلولة دون تمريرها، لأنها ان مررت هذه المزايدات تكون قد وقعت في مصيدة المزايدة نفسها التي عانى منها العمل العربي المشترك طويلا كما تكون قد ابتعدت عن الواقعية التي يطالب بها الامين العام السيد عمرو موسى، وهي في نهاية المطاف مطالبة ضرورية وهادفة. فكرة الامين العام الاستعانة بعقول عربية على سوية من الفكر والممارسة والصدق هي فكرة حسنة ولا شك، تجمع حول اهداف الجامعة القادرين على المعاونة والراغبين فيها، كما ان تعيين ناطقة باسم الجامعة هي الدكتورة حنان عشراوي للحديث الاعلامي باسم العرب يضيف الى افكار عمرو موسى بعدا حضاريا من جهة وآخر اداريا يتمثل في انتقاء الافضل للعمل المناسب. لعل من نافلة القول ان يقدم اصدقاء الجامعة العربية للأمين العام الجديد النشط قولا مهما هو: ابدأ بتعزيز الايجابيات، وهي كثيرة وبعضها غير معروف على نطاق واسع، لأن هذه البداية تعزز ديناميكية الجامعة، وتدفعها الى النجاح في الامور الاخرى، كما ان هذه البداية ستكون بمنزلة «جيوش معنوية تؤتي ثمارها وتحقق النتائج المرجوة، ربما بصورة اكثر فاعلية وأكثر قدرة على تحقيق التغيير المطلوب من الجيوش العسكرية. ـ امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت