حينما تتحدث عن ثقافة الاستهلاك السائدة بين الناس، يحلو لأصحاب الأحكام الجاهزة أن يصنفوك بأنك شخص معقد أو بخيل أو منغلق، أو في أهون الحالات بأنك شخص تسير عكس التيار! دون أن يسألوا أنفسهم عن شدة هذا التيار ومدى خطورته عليهم وعلى مجتمعهم. إن ثقافة الاستهلاك ولدت أجيالا تتعامل مع منتجات الحضارة على انها (أشياء) اخترعت لتضييع الوقت والتسلية، كما ولدت أجيالا ما عادت تقتنع بضرورة الثوابت، والهوية، والثقافة، وقيم العمل، واثبات الذات أمام أمم الأرض، وتقنين الاستهلاك، وأهمية العلم من حيث هو أداة للتغيير وليس مجرد شهادة نحصل بها على مرتب آخر الشهر! إن ثقافة الاستهلاك عملت ـ وهذا هو المطلوب منها ـ على تفريغ الفرد من إنسانيته، وتحويله إلى كائن يأكل كل ما تقذفه به مطاعم الدنيا، ويلبس كل ما يقال له بأنه (موضة) وآخر موديل، ويشاهد كل ما تنتجه السينما الأوروبية والأمريكية من أفلام التدمير والتشويه والضياع، ويستمع إلى أي فن، وأي غناء وأي موسيقى، ويسير في الحياة معتقدا بأنه يسعى بنفسه نحو الأفضل والأكثر تمدنا ورقيا!! طوفان ثقافة الاستهلاك يكتسح العالم بأكمله، وهو يكون في أقوى حالاته وتجلياته ومظهرياته حيث الوفرة المادية والخواء الثقافي، وانعدام حرية تبادل الأفكار واختلاف وجهات النظر، حيث تسود ثقافة الاستهلاك بشكل كبير عندما تسود في الوقت نفسه وجهة نظر واحدة فقط، تسوق الجميع باتجاه واحد كالقطيع تماما، دون أن تسمح لهم بالالتفات يمينا أو شمالا!! وفي الوقت نفسه فان تهميش دور الثقافة، والتعليم المخطط له بعناية ووعي، والاعلام المدروس والموجه للعب دور حضاري خلاق في مواجهة هذه التحولات السريعة والخطيرة، ان تهميش هذا كله، وعدم الالتفات إليه وتداركه بكافة الوسائل، هو نوع من ترك المجال للطوفان كي يغرق المدينة بينما أهلها يتفرجون على ساعة نهايتهم لا أكثر!! إن الولايات المتحدة تصدر من الأفلام السينمائية والبرامج التلفزيونية ضعفي ما تصدره من الطائرات، وتبلغ عوائد مباريات كأس العالم والألعاب الأولمبية عدة مليارات من الدولارات، فماذا يعني ذلك بالنسبة لشعوب تستهلك أفلاما أمريكية أكثر مما تعتني بتعليمها. وبتغذيتها، وتتلهف على مباريات كأس العالم أكثر مما تتلهف على تغيير مناهج التعليم أو ارساء قواعد وآليات المؤسسات المدنية المتحضرة؟؟ إن ذلك يعني ان ثقافة الاستهلاك قد نجحت تماما في تحويلنا إلى كائنات تشتري (أشياء) الحضارات ولوثاتها وملوثاتها، دون أن تفكر كيف أنتجت هذه الحضارات أشياءها ونواتجها. إن الغرب يبيعنا السيارات، وأحمر الشفاه، وآخر موديلات الأزياء، والأسلحة، وأفلام الأكشن و..الخ لكنه لا يعلمنا ـ ولن يعلمنا ـ كيف نصنعها، وهو لا يصدر لنا قيمة العمل، واحترام الوقت، وحقوق المواطنة، وأهمية الفرد، وقداسة حرية التفكير والابداع و... الخ، في المقابل فنحن نعتقد بأن لدينا أموالا كثيرة وبامكاننا أن نشتري كل شيء وأي شيء، فلماذا نتعب أنفسنا في نقاشات وجدل مرهق حول ثقافة الاستهلاك مثلا!! مشكلتنا مزدوجة، بل ان مشكلتنا مشكلات لكنها تبدأ وتنتهي عند (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). Aisha@albayan.co.ae