«القارة الخفية» هو عنوان باب من كتاب صدر حديثا في اللغة الفرنسية للمؤلف الياباني كنيشي أهماي تحت عنوان «الجغرافيا السرية للاقتصاد الجديد» . والجدير بالذكر ان كنيشي هو من أول المؤلفين الذين تناولوا بالتحليل منذ سنين بعيدة ظاهرة العولمة الاقتصادية والمؤسسة بدون حدود. وقد ركز المؤلف في كتابه الجديد على ان الأمر لا يتمثل فقط في زوال الحدود السياسية وانما في ظهور قارة خفية نتجت عن انفجار ثورة المعلومات، وان كانت هذه الثورة لا تبرر بمفردها ظهور هذا الكيان الجديد، ويذكر المؤلف ان لهذه القارة مؤشراتها مثل القارات المعروفة كعدد السكان وحجم الناتج الخام وحركة الهجرة، ويستدل المؤلف في ذلك ببعض الأرقام مبرزا ان حجم التجارة الالكترونية في الولايات المتحدة الأمريكية احدى مناطق هذه القارة سيبلغ في سنة 2002 ما يناهز 255 مليار دولار أي حوالي 16% من شراءات التفصيل بالبطاقة الممغنطة وسيرتفع إلى 812 مليار دولار أمريكي أي حوالي 40% من هذه الشراءات في سنة 2005. ويوضح كنيشي ان الإنسان لم يكتشف حتى الآن مختلف حدود وخفايا هذه القارة غير انه يمكن وصف ملامحها من خلال أربعة أبعاد وهي: 1 ـ البعد الظاهر: يمثل هذا البعد كل النشاطات الاقتصادية المعروفة كالصناعات الغذائية والخدمات التقليدية من الخباز إلى الحلاق ويخضع هذا النشاط إلى الاعتبارات الاقتصادية الكلاسيكية والتقديرات الحسابية المعروفة. الجديد في الأمر ان هذا البعد لن يقدر بمفرده مستقبلا على تمثيل الحياة الواقعية أو التأثير فيها. 2 ـ البعد العابر للحدود: يذكر المؤلف بأن المستهلك الأمريكي كان يخشى في سنة 1980 من تحرير التبادل التجاري مع اليابان «الخطر الأصفر» وأصبح مقتنعا اليوم بأنه من صالحه استيراد أعز الخيرات العالمية كما أصبح المستهلك الياباني يشعر بأنه يوسع أرضه من خلال توريد القمح الأمريكي أو اللحوم الاسترالية. وأصبح الاقتناع كامنا في كل شخص بأن أهم شيء هو ان يكون لديه شغل مريح ودخل رفيع يؤمن له الرقي والرخاء الدائم والضمان الاجتماعي بمقاييس عالمية ومن خلال صناديق دولية والعمل من أجل ذلك في الداخل والخارج بدون اعتبار للحواجز الديوانية مع التمتع بحق التعامل النقدي بالعملة الأجنبية. 3 ـ البعد الافتراضي: إن تطور الخدمات عن بعد عبر الواب وخارجه من شأنه استكشاف مهن جديدة يمكن للإنسان أن يستفيد منها وهو بعيد عن عارضها كما يمكن لمقدمي هذه الخدمات تسوقيها خارج الحدود الوطنية دون تنقل . 4 ـ البعد المضطرب: ويقصد المؤلف بهذا البعد مختلف مظاهر الاهتزاز من حيث الارتفاع والانخفاض لمختلف التقديرات إذ لم يبق في الامكان اعتماد المقاييس والنسب والمراجع التي سار عليها الاقتصاديون في الماضي. لقد كان من الممكن تعيير أية مؤسسة في الاقتصاد التقليدي بالاستناد إلى قيمتها الصافية عند وضع التقديرات أما في الاقتصاد الافتراضي فان هذه القيمة تتفاوت بين الصفر وأعلى النسب. ويختم المؤلف تحليله مستنتجا ان فهم هذه الأبعاد الأربعة ومدى التفاعل بينها هو الذي سيساعد على التعايش مع هذا التناقض الملحوظ في الحقيقة الجغراسياسية. فالإنسان يمر بالأبعاد الأربعة في اليوم الواحد بحيث يتعامل مع البعد الظاهر عندما يشتري خبزا، وينتقل إلى البعد العابر للحدود عندما يشتري سيارة، ويتفاعل مع البعد الافتراضي عندما يستعمل بطاقة دفع ممغنطة ويلامس البعد المضطرب عندما يقف أمام لوحة البورصة. وهذه القارة ليس لها دستور ولا نظام قانوني لكنها تستند إلى اعلان عنوانه الاستقلال في كنف التكامل والتعاون .فلا بد من تقريب العالم الظاهر من العالم الخفي ذلك ان الحياة بأحدهما تتوقف على الحياة بالآخر وعلينا أن نقبل على هذه القارة الخفية كما نقبل على واحة صحراوية وأن نكون متهيئين لتحويل وجهتنا بسرعة. والسؤال بالنسبة لأي بلد عربي هو: ما هو مستوى حضورنا في هذه القارة؟ ما هي نسبة معاملاتنا معها؟ وما هو حجم الفكر والساعد العربي في اكتساحها؟ في أي اتجاه ستكون الهجرة العربية وما هو نسقها؟ هل يمكن اكتساحها بتعاون عربي أوروبي وفي اطار شراكة على المدى الطويل؟ هذه هي الاعتبارات الأساسية التي يتعين استحضارها من طرف المستشرفين والمخططين للنمو الاقتصادي والاجتماعي. ـ خبير اعلامي عربي