الأدب، بحكم ارتباطه بالحياة، يحمل هموم الأحياء وتطلعاتهم ويجسد قلقهم ويمثل ضميرهم، والكاتب الذي يريد لأدبه الحياة والفاعلية والانتشار والبقاء، يلتصق بواقع الناس، ويعبر عن هواجسهم، ويستنبت ادبه في معاناتهم ونضالهم ومشاعرهم، ويشرع ابواب الأمل امامهم ويدفع مسيرة الحرية والكرامة والمتعة في الحياة الى الامام، فلا حياة من دون كرامة ومتعة. ولا يستطيع الكاتب تحقيق ذلك ما لم يعش احداث عصره وشعبه بامتلاء ويستنبت غراسه في تربته الثقافية القومية، ويتجذر في ارضه وحضارة شعبه بكل ما يحمله التجذر من معاني الانتماء ودلالاته، ويبدع من بعد في انغراسه بعمق: افقياً ورأسياً في بيئته وتربته الثقافية، في اطار رؤية انسانية شاملة. وعندها يغدو في اعماق العصر وتفاصيل دقائقه، وفي وجدان الناس ودائرة التأثير فيهم، ولكنه في الوقت ذاته يحرض على التغيير والتثوير ويمارس دوراً ايجابياً في الحياة لكي يكون العالم افضل، والغد اسعد واكثر أمناً، انه يرسم مشروع عالم الغد ويقدمه في نصوصه وشخوصه وفي القيم التي يبثها والاحلام التي يغرسها، فيشكل بذلك مدخلاً مشروعاً لتغيير الواقع. وهو حين يحكم على واقع وسلوك وقيم ويدينها، ويؤسس لواقع اخر وسلوك وقيم اخرى ويدعو اليها والى ان تشاد علاقات وتكون اجيال تتمتع بقيم خلقية وغنى روحي ووعي معرفي وارادة صلبة تصنع عالم الغد الافضل، انما يرسم صورة المستقبل ويعمل من أجله. مسئولية الكاتب ان الكاتب بحكم موقعه وتعامله مع الكلمة، التي تحمل مسئولية انسانية وخلقية وتستمد شرفها من الانتماء للحياة والصدق والعدالة والحرية، بحكم ذلك، يتحمل مسئولية تاريخية حيال العصر الذي يعيش فيه وحيال صورة ذلك العصر الذي يساهم في صنعه حكماً بنظر الاجيال القادمة، لأنه يكتب ليتجسد ما يكتبه في صورة المستقبل وعلاقات الناس ونوع الحياة التي يحيون ومدى شعورهم بالأمن والحرية والسعادة في اثناء فسحة العيش التي منحت لهم. ومسئولية الكتاب في هذا العصر، عصر الظلم الاجتماعي والنهب الاقتصادي والتعسف السياسي، والجوع والمرض والتهديد النووي والتجارة بالدم والسلاح التي تكتسح المجتمعات البشرية، مسئوليته اتجاه ذلك كله كبيرة، ولكنها تبدو اكثر واكبر واخطر حيال العنصرية والهمجية والفساد الاخلاقي والسياسي والاعلامي، وحيال العنصرية الدموية المحمية بأقنعة ديمقراطية وبقوة عسكرية واقتصادية واعلامية هائلة.. قوة تزيف الوقائع /الحقائق وتشوه العدل وتقضي على اشكال العلاقات النظيفة والسليمة بين بني البشر، واعني بها العنصرية الصهيونية بالتحديد. ويتحمل الكاتب مسئولية خلقية، سلباً وايجاباً، عن الظلم الذي يحدث في العالم وعن الارهاب الدولي الذي يقتل شعوباً ويحرمها من حق العودة الى اوطانها والاستقرار فيها بامان، ومن تقرير المصير في تلك الاوطان بحرية واستقلال تأمين، ومن تلك الشعوب الشعب الفلسطيني الذي يحرم من حق العودة الى وطنه: فلسطين، ويلاحق من بقي منه في ذلك الوطن لكي يباد روحياً وجسدياً امام عالم يحني رأسه للقوة الغاشمة والعنصرية الشريرة وحقائق الاعلام، التي قد لا يكون لها صلة بجوهر الحقائق، وامام ادب وكتابات وكتاب: يخاف/ ويخافون من اتهامات صهيونية باللاسامية، فيهرولون بين يديها ويدي من يتبنى مفاهيمها ومصطلحاتها وقضاياها لكي يفوز ـ يفوزوا، بالرضا، ويبقى/ يبقوا في واجهات الاعلام، وينتظر/ ينتظرون جائزة ثمنها الاول دم شعب وروح الحقيقة والعدل وحياة الكلمة وشرف الانتماء الى مصداقيتها، وفضاء الحرية الذي تقيمه في الحاية، وقوة الابداع على انتشال الارادة بالوعي المعرفي من دوائر السقوط والاحباط والانحطاط والارتفاع بها في الفضاء الامثل، فعل جناح النشر يرتفع ويترفع في الاجواء. ولذلك ارى ان مسئوليتنا الخلقية ـ نحن المنتمين الى الكلمة المقاتلين بسلاحها ـ عن عالمنا وعن قيمه وعن الحقيقة والعدل فيه، تحتم علينا ان ندين الصهيونية العنصرية وممارساتها بوصفها شراً مطلقاً وخطراً على قيم الحياة السليمة ومقوماتها، وان نقاومها بكل الوسائل كما قاومنا النازية والفاشية، وان ندين حليفها الاكبر الولايات المتحدة الامريكية، التي تنصر اداراتها باستمرار هذا النوع من الشر الى درجة انها تشوه امام الشعب الامريكي كل الحقائق والممارسات الصهيونية الوحشية وتسوغها وتدافع عنها، وتمارس سياسة اقل ما يقال فيها انها خارج مجال الحق والعدل، وخارج حدود الرؤية السليمة للواقع والوقائع والقيم الانسانية والحقانية. واذا كانت ادانة سباق التسلح النووي وغير النووي والحروب الامريكية والاستعمارية الظالمة ضد الشعوب والبلدان في قارات كثيرة، مما شغل العالم في القرن الماضي فإن واجبنا الأول في هذا القرن ومسئولية كلماتنا، ان نضع حداً للعنصرية الصهيونية وممارساتها النازية وللوحش الامريكي الذي يتحكم بالمصائر ويزيف التاريخ ويريد ان يفرض تاريخه ورؤيته وسياساته ومصالحه على الشعوب بكل الوسائل الممكنة. علاقة جدلية وعلى رجال الكلمة الذين يحترمون انفسهم ودورهم ومكانة كلمتهم وشرفها ان يتوجهوا الى الرأي العام.. الى الشعوب في كل انحاء العالم لفضح هذا الوحش الصهيوني ـ الامريكي الذي يهدد امن العالم وشعوبه وسلامة قيمة وثقافاته ورؤاه. ان التوجه الى الشعوب التي لا تحب الحروب عادة وليس لها مصلحة فيها ودعوتها الى ممارسة دور فعال يضع حداً للظلم والقتل وابادة مقومات الحياة وتدمير البيئة، الذي تقوم به الصهيونية في فلسطين، فضلاً عن تدمير البيوت والمزارع ـ كما حدث في رفح وفي خان يونس وفي اماكن فلسطينية كثيرة خلال الاسابيع الماضية ـ والتربة الصالحة للزراعة التي يعيش فيها وعليها من تبقى في فلسطين من الفلسطينيين: الشهداء الاحياء في هذا الزمن البائس: عربياً وانسانياً، ولتمارس، بوعي ومسئولية وديمقراطية، دوراً فاعلاً يمنع وقوع كارثة جديدة في شعب طالما عانى من المحن والكوارث، وتبعد عن العالم شبح حرب مخيفة وحكاماً ودعاة وحاخامات مصابين بأمراض العنصرية الخبيثة وبشهوة السيطرة وحب العظمة وبالتسلط النازي ـ على مبدأ ابن خلدون: «المغلوب يقلد الغالب»، حيث يقلدون اسيادهم النازيين ويتفوقون عليهم ـ تبعدهم عن ساحة الانسانية وعن مواقع التأثير واتخاذ القرار حتى لا يلحقوا بالمنطقة العربية وبالأمة العربية ومن ثم بالوضع الدولي كله شروراً لا يعرف مداها ولا تعرف نهايتها. كما ان علينا ان نعمل من اجل ازالة اشكال الاستعمار والاستغلال والهيمنة وافساد القيم وافساد الذمم ـ سواء اكان ذلك بفعل العولمة او بفعل سواها ـ وانواع الغزو والتخريب الثقافيين، من اجل المحافظة على غنى وتنوع ثقافي ومناخ ثري بالرؤى والابداع والفكر في عالمنا تحتاج اليه البشرية وتنمو في ظله الحضارة، وهو ما يؤدي الى توافر الشروط الاولى الضرورية لأي ازدهار حضاري في ارض البشر. ولن يكون الادب مخلصاً للانسان والحياة والرسالة الابداعية ولمسئولياته الخلقية، ما لم يعمل على ازالة هيمنة الامبريالية والصهيونية والعنصرية، الخفية والظاهرة في الحياة، وعن كاهل الشعوب والثقافات والسياسات، تلك التي تشوه صورة الانسان والحياة والعلاقات البشرية وتسممها، كما تشوه النفس البشرية وعالم اليوم الغني بمعطيات التقدم ومقوماته. ولن يكون ادبنا أدباً مستحقاً للحياة مالم يحافظ على مقوماته كأدب وعلى قيمة الابداع من جهة، وعلى علاقة سليمة بمقومات الحياة وقيمها من حوله من جهة اخرى. ان علينا بوصفنا كتاباً ان نقدم ادباً جيداً وجميلاً وغنياً ومسئولاً.. ادباً يرفع قيمة الحياة والعمل بنظر الانسان ويرفع شأن الانسان في الحياة ومكانته فيها، ويجدد افق السعادة والحرية، ويجعل الانسان اكثر جدارة بانسانيته وحياته، واكثر تمسكاً بالحياة واقبالاً عليها واستمتاعاً بها وشعوراً بجمالها ومعانيها وسمو رسالة العيش فيها. ولن يكون كذلك اذا ما تنكر للمقاومة التي تدافع عن الارض والحق بالعيش وبالسيادة والاستقلال وحق تقرير المصير لشعب في ارضه.. فوق ترابه الوطني بحرية تامة. ولن يكتب البقاء لأدب يصول ويجول في وسائل الاعلام مفسداً حقائق العصر ومعطيات الواقع، مشوهاً صورة المدافع عن الارض والحرية والحق، مروجاً لحقائق الصهيونية ودعواتها العنصرية الدموية، لن يكتب له البقاء مهما تبرقع بالحمر على طريقة ابن برد وتوشى بالمحسنات وتذرع بالحداثات. فللكلمة شرف ومسئولية متى فقدتهما فقدت مسوغ وجودها ومقومات ذلك الوجود.. فهناك، فيما ارى، علاقة جدلية حيوية بين الادب والحرية والمسئولية والحياة. ـ رئيس اتحاد الكتاب والادباء العرب