أمر طبيعي في البشر ان يعترض .. ويتردد عند تطبيق أو تنفيذ أي فكرة جديدة أو مشروع ويتمرد عليه. ولكن ان يعارض المرء فقط لمجرد المعارضة قبل تبصره أو تفهمه للأمر، فهو الخطأ بعينه، الذي يؤدي في أحيان كثيرة إلى عواقب غير حميدة، ونتائج وخيمة. والمعارضة قد تكون قاسماً مشتركاً بين الكثيرين، وإن اختلفت توجهاتهم وقناعاتهم، وقد تكون ملازمة لأشخاص عرفوا بالاعتراض على أي شيء وكل شيء انطلاقاً من مبدأ «خالف تعرف». ولن نذهب بعيداً عن الواقع، بل نورد شيئاً بسيطاً جداً واضحاً للجميع، ويهم الجميع أيضاً، فمؤسسة صندوق الزواج التي تحظى بحظ اجتماعي صريح لقيت معارضة في العديد من المناسبات اثر بعض القرارات التي أصدرتها ذكرتنا بمعارضات أهل «بيزنطة» عندما كانوا يفكرون أيهما سبق الآخر البيضة أم الكتكوت والجيوش الغازية تقف على الحدود. فبالأمس القريب عندما أعلنت المؤسسة عن ضرورة الفحص الطبي للمقبلين على الزواج، كشرط أساسي لصرف المنحة قامت الدنيا ولم تقعد، وراح الكثيرون يستنكرون هذا التفكير وهذا التوجه، وذهب البعض منهم بعيداً فزج بالدين والعادات والتقاليد في الموضوع وهي من زجهم هذا براء، بل وراحوا يطالبون بالتراجع عن هذا القرار الذي قالوا عنه انه يسيء إلى المجتمع وأهله. لا ندري أين الاساءة التي تحدثوا عنها، وحسنا فعل صندوق الزواج عندما أغلق أذنيه، ومضى في اجراءاته مصراً على الكشف الطبي، وسارت الأمور كما اشتهى وأراد العقلاء من الناس. نفس الضجة أو ربما أكبر تكررت عندما أعلنت مؤسسة صندوق الزواج عن زيادة المنحة 30 ألف درهم لمن يتزوج بمن هن فوق سن الثلاثين كحل ارتأى القائمون في المؤسسة انه قد يساهم في حل مشكلة الفتيات اللائي فاتهن قطار الزواج لأي سبب من الأسباب، فليست الفتاة مسئولة عن كل حالات العنوسة. وخرج المعارضون ـ كعادتهم ـ ينددون بقرار الصندوق الذي قالوا عنه انه بالغ في الاساءة إلى العانس وحط من قدرها ونال من شأنها ودلل عليها كأنها بضاعة بائرة إلى غير ذلك مما جعل المسئولين في الصندوق يتراجعون عن موقفهم ويعلنون عن وقف تنفيذ ما أعلنوا. وقبل يومين فقط قرأنا خبر اكتشاف عدد من حالات الاصابة بالايدز والتهاب الكبد البائي وهما مرضان معديان وسيئا السمعة ارتبط اسمهما في معظم الحالات بالعلاقات الجنسية غير المشروعة كسبب رئيسي للاصابة بهما، وان كانت هناك طرق أخرى لانتقال العدوى. ونحن هنا لسنا بصدد الحديث عن فوائد الكشف الطبي قبل الزواج، الذي نتمنى ان يكون المعارضون قد أدركوا أهميته. ولن نتحدث أيضاً عن مشكلة العنوسة وما تعانيه اخواتنا وفتيات الوطن جراء تأخر الزواج، وبالتالي قسوة الوحدة والإحساس بالحرمان، فليست كل الفتيات اخترن حياة العزوبية والعنوسة، بل كثيرات منهن وجدن أنفسهن في «معمعتها». ولكن يبقى لقب «العانس» في كل الأحوال قاسياً على من تحمله وعلى أسرتها التي تتقاسم معها هذه المعاناة، وهذا الاحساس نابع من أن الأصل في الحياة حب المرأة لأن يكون لها شريك وأطفال، عدا ذلك فإنه يتنافى مع الطبيعة التي جبلت عليها. والمعارضة ليست فقط في قرارات صندوق الزواج الذي يكاد يكون أهم مؤسسة اجتماعية على الإطلاق، إنما الشيء بالشيء يذكر، وهي حالة عامة تجدها في كل مكان، وإن تعددت أشكال المعارضة وأسبابها ومبرراتها. وفي رأيي ان المعارضة الحقيقية والناجعة هي تلك التي تكشف الخلل، وترشد إلى بدائل العلاج، وهي التي تسعى في جدية وصدق إلى حسم الأمور من أجل الجماعة وخيرها وإلى وضع الأسس الصحيحة التي تكفل الصالح العام حتى ولو تعارضت مع قناعات الشخص المعترض. نعم.. نعترض.. لكن بشرط ان يكون الاعتراض في مواجهة السلبيات. Email: fadheela@albayan.co.ae