في عام 1884 ولد الدكتور محجوب ثابت ابن الباشمهندس ثابت أفندي المسئول عن الإنشاءات في مدينة دنقلة بالسودان عاش الدكتور محجوب حتى عام 1945 وكان يقدم نفسه للناس ويمهر كتاباته الغزيرة والقيمة والمتنوعة ، واصفا نفسه بأنه محجوب ثابت المصري ـ العربي ـ السوداني فأما أنه مصري فتلك بداهة جنسيته واما أنه سوداني فتلك إشارة ـ كما رأيت إلى مسقط رأسه فضلا عن أنه أوقف جانبا من حياته للدفاع عن السودان وقضاياه ومشاكله وأشجانه وهمومه .. وأما أنه عربي فذلك ملمح طيب توقفنا عنده كثيرا وهو جانب يمثل شهادة صدق في حق محجوب ثابت الذي كان طبيبا وكان خطيبا وكان باحثا ومفكرا وداعية.. وكان فوق هذا وذاك زينة المجالس في عصره. وقد رأينا أن السودان استغرق جانبا من حياة الرجل الذي لم يتزوج يوما بل عاش كما قد نقول راهبا في محراب الوطنية والعمل العام .. ذلك لأن الجوانب الأخرى كانت طريفة في شخصيته ومنها أن كان يطلع على الناس بلحية كثة منفوشة وثياب عراها نوع من الاهمال المشهور عن كبار العلماء المشغولين عن الأناقة بالفكر والبحث والمستغرقين أبدا في هموم الآخرين وحين يتكلم كان حديثه المفضل بالفصحى .. أليس عربيا كما كان يصف نفسه باستمرار؟ والمشكلة أنه لم يكن يعترف بأن العربية هي لغة الضاد كما يقولون ولكنه كان يفهمها على أنه لغة القاف إذا كان يحشو حديثه بالعشرات من حرف القاف وسائر حروف القلقلة ـ تماما كما كان يحشو غليونة ـ البايب كما كانوا يسمونه ـ بنوع متواضع من الطباق الذي كانت سحابته تتصاعد من عربة الدكتور محجوب ـ الكاريتة بمعنى عربة خفيفة يجرها جواد هزيل أطلقوا عليه في شوارع قاهرة العشرينيات اسم مكسويني وهو اسم مناضل إيرلندي أعلن الصيام احتجاجا على الاستعمار الإنجليزي لبلاده وتسابقت وكالات الأنباء إلى نشر صوره وقد بلغ به هزال الجوع والصيام إلى حد أن ظهرت أضلعه بارزة ضمن قفص صدري كان مجرد جلد على عظم بكل معني الكلمة هذه الصورة شبه الكاريكاتورية للدكتور محجوب ثابت خلدتها كلمات أمير الشعراء شوقي في قصائد شهيرات تسامعت بها في عقد العشرينيات صالونات القاهرة ومنتدياتها وقد أفردوا لها الفرع السادس من الجزء الرابع من ديوان الشوقيات وخصوها باسمها الشهير محجوبيات . وهي على وجه التحديد 4 قصائد وتعد من شعر الفكاهة والدعابة بين الصديقين الكبيرين الشاعر شوقي والدكتور محجوب. في أول القصائد يعزي شوقي الجواد العجوز مكسويني الذي أحالة صاحبه محجوب ثابت إلى التقاعد واشترى بدلا منه سيارة كانت عتيقة وربما كان لها ـ في رأي شوقي طباع الدواب يقول : لكم في الحي سيارة حديث الجار والجارة إذا حركها مالت على الجنبين .. منهارة وقد تحُرن أحيانا وتمشى وحدها تارة فقد تمشي متى شاءت وقد ترجع مختارة ترى الشارع في ذعر إذا لاحت من الحارة ويتوجه الشاعر إلى الجواد مكسويني ـ مكسي كما تسميه الضرورة الشعرية أو من باب التدليل .. سيان ـ لكي يعزيه بعد مقدم السيارة ماركة أوفرلاند عن غدر الزمان وتقلب الحدثان .. يقول شوقي: أدنيا الخيل يا (مكسي) كدنيا الناس غداره؟ لقد بدلك الدهر من الاقبال ادباره فصبرا يا فتى الخيل فنفس الحر صباره أحق أن محجوبا سلا عنك بفخاره وباع الابلق الحر باوفرلاند نعارة ؟.. الخ ويبدو أن لا شوقي ولا سماره وجلساءه كانوا مكتفين بهذه الأبيات التي يعزون فيها الحصان مكسى العزيز عما لقيه بسبب السيارة الاوفرلاند من النكران والجحود .. ها هو شوقي ينشئ قصيدة عصماء فعلا .. يوجهها إلى الجواد الأصيل فيذكر له صولاته بل وبطولاته خلال حوادث ثورة 1919 بكل ما سال فيها من دم وما قدمت فيها من تضحيات .. يقول أمير الشعراء: تعديل ـ يا مكس ـ الجياد الصلادم وتفدي الأساه الناس من أنت خادم كأنك ـ أن حاربت ـ فوقك عنتر وتحت ابن سينا أنت حين تسالم ستجزى التماثيل التي ليس مثلها إذا جاء يوم فيه تجزى البهائم فإنك شمس والجياد كواكب داناك دينار ، وهن الدراهم. بعد هذه الأبيات التي أمضى شوقي لياليه ولاشك ينظمها وينسقها ويحسن وصفها مخاطبا حصانا عتيقا .. ألا ترى أن أهل زمان هؤلاء كانوا ينعمون ببال غاية في الروقان ..وأن الدكتور محجوب ثابت كان شخصية يتفكه بها الناس ويعد وجوده بينهم مسلاة لمجالسهم وتسرية عن نفوسهم . مع ذلك فنحن نكاد نلمح في ثنايا سيرة الرجل خيطا من المأساة يظهر أحيانا ويختفي في بعض الأحيان .. هذا رجل أراد أن يأخذ الدنيا على محمل الجد الشديد والاخلاص الأشد فإذا بمعاصريه يحبونه ولكن لا يأخذونه بكل ما كان يستحقه من جدية . هذا الطبيب كان كما يصفه الاستاذ الزراحلي في قاموس تراجم الاعلام دمث الخلق عف اللسان سليم الطوية حلو العشرة، ولكن الأستاذ فتحي رضوان وقد عاصره بضع سنوات في مطلع الشباب يرسم له صورة يقول فيها: إن محجوب ثابت كان يخطب في المحافل وعلى قوارع الطرق وعلى أبواب الصحف ويجيب عن أسئلة يوجهها إليه الناس وأسئلة لم يوجهوها ولم تخطر لهم على بال .. بل يشقق (يفصل) الحديث فينتقل من فكره إلى فكرة ثم يغضب الدكتور محجوب ثابت فجأة ويلوح بعصاه الضخمة التي لا تفارق يده ويهدد أعداء يذكرهم بالأسماء حينا ويذكرهم بالضعاف حينا آخر ثم يهدأ وتطيب نفسه ويضحك ويسعل ثم يسير. وبمناسبة أعداء الدكتور محجوب فقد هاجمه يوما صحفي طويل اللسان اسمه سليمان فوزي في مجلة الكشكول ويومها ثار الدكتور وأرغى وأزبد وجاء سليمان فوزي يصالحه في جلسة خاصة في قهوة بار اللواء .. ورفض الدكتور ثابت هذه الترضية وقال : ايشتمني في زفة ويصالحني في عطفة؟ والتقط أمير الشعراء شوقي هذا المعنى وأرسل أبياته على لسان محجوب ثابت فضحكت منها القاهرة أيضا قال: ايشتمني سليمان بن فوزي وبايبي في يدي ومعي طباقي بقارعة الطريق ينال مني ويوسعني عناقا في الزقاق ولقد كان هذا حديث الشعر في محجوبيات أحمد شوقي، يبقى معنا أحاديث أخرى منها شعر لحافظ إبراهيم وصورة نثرية رائعة كما تصورها بقلم الأديب الساخر الشيخ عبد العزيز البشري .. وفيها تلميح إلى الشوق المدنف الذي طال وجاش في نفس الدكتور محجوب ثابت لكي يصبح وزيرا. كانوا اصحاب مواهب في الشعر وفي النثر في الجد وفي السخرية . وكانت أيامهم ـ الثلث الأول من القرن العشرين ـ رخية، بسيطة، أو كانوا يأخذون الحياة على علاتها: ألم نقل لك أن كان بالهم رائقا أو هكذا يخيل إلينا .. ومازال حديثنا موصولا.