لابد وأن العرب قد ادركوا الآن ان ادارة جورج دبليو بوش لن تكون نسخة مكررة عن فترة رئاسة والده من عام 1989 ـ 1993. لقد كانت التوقعات للادارة الجديدة عالية جدا والآن بدأت تلك التوقعات بالانهيار تاركة وراءها خيبة امل خطيرة. والاسباب الكامنة وراء هذا الوضع معقدة وتتطلب بعض التمحيص. فالذاكرة يمكن ان تخون المرء احيانا. لقد اصبح بوش الاب شخصية اسطورية في العديد من العواصم العربية وهو محفور بالذاكرة لقيامه بتشكيل ائتلاف حاسم لتحرير الكويت واستخدامه لمكانته في عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الاوسط في مدريد. وبموازاة ذلك، اكتسب بوش المصداقية ايضا لوقوفه في وجه رئيس وزراء اسرائيل في حينه اسحق شامير وامتناعه عن منحه ضمانات قروض بقيمة 10 مليارات دولار لتوطين اليهود الروس في اسرائيل. اما الامر الذي نسيه الجميع بالطبع، فهو حقيقة انه ترك منصبه في الرئاسة والوضع في العراق لا يزال معلقا والجولات العديدة من المفاوضات السلمية بعد مؤتمر مدريد لم تسفر عن شيء سوى عن الاحباط والمآزق. ومن ضمن الاشياء التي نسيت ايضا حقيقة ان ضمانات القروض منحت في النهاية الى رئيس الوزراء الاسرائيلي المنتخب حديثا اسحق رابين في عام 1992 مما فتح الطريق امام هجرة اكثر من 600.000 يهودي روسي الى اسرائيل. وبوصوله الى الرئاسة، كان امام بيل كلينتون ازمة اخرى معلقة عليه ان يعالجها وهي قيام رابين بابعاد اكثر من 400 ناشط فلسطيني الى لبنان في الاشهر الاخيرة من فترة رئاسة بوش. وفي الواقع ان كلينتون قد ورث مجموعة من الازمات الدولية من سلفه وهي وجود القوات الامريكية في الصومال والأزمة المتنامية في هاييتي والابادة الوحشية في البوسنة والصراع المتواصل في ايرلندا الشمالية بالاضافة الى عملية السلام المتوقفة في الشرق الاوسط والمأزق مع العراق. وادراكا لالحاحية الرد الامريكي وكذلك قيود النفوذ الامريكي، تعاملت الادارة الامريكية بنفس الطريقة التي كانت تتعامل بها من قبل. وكانت هناك نجاحات في بعض المجالات واخفاقات في اخرى، وبالاخص في الشرق الاوسط. ومع تنامي الاحباط العربي في اعقاب ثماني سنوات من المواجهة غير الحاسمة مع العراق وادراك غياب التوازن الواضح في النهج الامريكي ازاء المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية، كان هناك امل كبير بالتغيير. وسواء كان ذلك مبررا ام لا، فإن الخوف من ان تكون ادارة يترأسها جور وليبرمان اكثر تحيزا قد ادى الى تعقيد القلق الغربي. وهكذا، وعلى الرغم من خلفيته وتصريحاته السياسية القوية المؤيدة لاسرائيل فإن العديد من العرب كانوا يأملون بأن يكون جورج دبليو بوش مثالا تتجسد فيه ذكرياتهم الجميلة عن والده. لكن بوش كان قد تعلم دروسا اخرى من الفترة التي قضاها والده في الرئاسة. فعلى الرغم من مكانة بوش الاب كزعيم عالمي، الا انه خسر محاولته لكسب فترة رئاسية ثانية في الانتخابات لأسباب داخلية وسياسية بالمعنى الحقيقي للكلمة. مازالت اتذكر تماما ذهول العرب في عام 1992 عندما تحدى الديمقراطيون بوش بشراسة واصفينه بأنه «رئيس فاشل» وتعجب العرب كيف يمكن ان يقال هذا عن «محرر الكويت»؟ كانت الحقائق في الولايات المتحدة تتحدث عن واقع مختلف فأمريكا كانت تعيش حالة ركود اقتصادي وما كان يمكن لبوش الضعيف ان يمرر برنامجه السياسي داخل كونجرس مليء بالمعارضة. وعلاوة على ذلك، فإن حالات العجز المتنامية في الموازنة العامة ادت الى زيادة الدين القومي مما اوجد مشكلة سياسية تم استغلالها كقضية دعائية في الحملات الانتخابية. وفي النهاية، وافق بوش في اطار جهده للتوصل الى تسوية معينة مع الكونجرس على حل وسط بشأن الميزانية مع الديمقراطيين والجمهوريين المعتدلين يتضمن عددا من البنود التي تنص على زيادة الضرائب. وقد ادى هذا الى نقض تعهده الشهير في حملته الانتخابية عام 1988 عندما وعد ناخبيه قائلا: «اقرأوا شفتي ـ لا ضرائب جديدة بعد اليوم». كانت انتخابات عام 1992 كارثة بالنسبة لبوش. فقد واجه تحديا من المحافظين في الانتخابات التمهيدية، وكان ذلك مؤشرا على حقيقة تآكل قاعدة التأييد الشعبي له. وقد ادى هذا الوضع واستياء الوضع الاقتصادي الى فتح الباب امام الترشح المستقل لروس بيرو الذي كتب نهاية رئاسة بوش بحصوله على 19% من الاصوات في الانتخابات العامة. والرئيس بوش مصمم على حماية قاعدة دعمه الداخلية وعدم فقدان السيطرة وهو يدفع بجدول اعماله عبر الكونجرس. ووضعه اكثر حرجا مما كان عليه حال والده. ففي عام 2000 خسر التصويت الشعبي ولم يفز بالانتخابات الا بعد تدخل المحكمة الدستورية العليا كما ان حزبه يتمتع بأغلبية ضئيلة داخل الكونجرس وفقد مؤخرا سيطرته على مجلس الشيوخ. وما زال الحزب الجمهوري مقسما بين جناح تقليدي معتدل وجناح يميني ديني قوي تسانده ميول محافظة جديدة قوية بالقدر نفسه. وإذا ما أراد بوش تفعيل جدول أعماله فإنه لن يستطيع ان يبعد عنه اي في هذه القوى داخل صفوف حزبه. وعلى كل حال لم يمر على بوش في منصبه سوى ستة شهور. وتمكن خلال ذلك من تمرير جزء من جدول اعماله في الكونجرس، لكن تحديات ذات شأن ما زالت تواجهه، فمن غير المعروف حتى الآن كيف سيكون مصير ميزانيته. اضف لذلك الضغط المستمر الذي يواجهه من خصمه الرئيسي الذي واجهه عام 2000 وهو جون ما كاين الذي يتزعم الآن حركة تحد معتدلة لبوش بخصوص قضايا تتعدد من تمويل الحملات الانتخابية الى اصلاح نظام الرعاية الصحية والسيطرة على الاسلحة ثم هناك القضايا الاجتماعية المثيرة للجدل دوما بما فيها الاجهاض والشذوذ والآن قضية «الخلايا الجزعية» وبحوثها العلمية التي دخل فيها الجناح المتدين ضد المعتدلين والليبراليين. وفي مواجهة هذا كله فإن مستشاري بوش على الاغلب لن ينصحوه بالدخول في مواجهة مع انصار الليكود المتشددين داخل حزبه. والآن فيما بات روبرتسون احد زعماء الجناح اليميني موجود في اسرائيل ليبث من هناك الى امريكا رسائل الدعم لسياسة الاغتيالات التي ينتهجها ارييل شارون ويحثه على ضرب وتدمير السلطة الفلسطينية فيما صقور آخرون في الكونجرس يضغطون على بوش لتقليص حجم الدعم المالي لمصر ولبنان والفلسطينيين، نجد ان بوش لديه ما يكفيه. وبالتأكيد فإن الادارة الامريكية تستحق اللوم لسوء قراءتها للرأي العام العربي بخصوص القضايا الحساسة في المنطقة اليوم، فالقضية العراقية قد اديرت على نحو سيء كما هو حال المحاولة الاخيرة لوزير الخارجية كولين باول للتدخل في المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية. وحتى الاسرائيليين انتقدوا اداء باول ووصفوه بأنه «مضطرب» ويمثل «مؤشرا ضعيفا». لكن يبدو ان كلتا المحاولتين الفاشلتين وعلى الرغم من ان الدافع وراءهما كان الاهتمام الحقيقي بحل الأزمتين، فقد كان محكوما عليهما بالفشل قطعيا بسبب الخوف من مواجهة مفتوحة مع اسرائيل وانصارها من جانب والخوف المماثل من الظهور بمظهر من يخضع للعراق من جهة اخرى. اي ان السبب كان وقعهما على السياسة الداخلية الامريكية. لقد كانت نواة قاعدة الناخبين التي اراد كلينتون حمايتها هم اليهود الليبراليون الذين يأملون بشرق اوسط جديد. لكن جزءا اكبر من ناخبي بوش لديهم نظرة مختلفة وهم ناخبون لا يبدو ان بوش راغب في اغضابهم في هذه المرحلة المبكرة من عمر ادارته. وكان بوش غداة تسلمه منصبه الرئاسي قد وعد بجدول اعمال محافظ وقوي في السياستين الداخلية والخارجية، فيما اعتبره ابتعاد عن سياسات سابقة. وكان يفترض في نهجه الخارجي ان يكون اكثر محدودية وتركزيا والبعض عرف اولوياته بأنها تذكر بتلك التي سادت في الحرب الباردة: بناء ودعم دفاعي صاروخي وعلاقات اكثر تشددا مع الصين وروسيا وحماية مصالح امريكا وحلفائها حين تهديدها والاعتماد الاقل على المنظمات والمعاهدات الدولية متعددة الاطراف. ويتبع هذا النهج تراجع أولوية حل الصراعات الاقليمية ولن يتم رفع اهمية هذه الصراعات الا اذا هددت بالتحول الى ازمة كبرى او اذا اصبحت ناضجة للتوصل الى حل. وعند هذه النقطة ستكون اصوات داخل الادارة تدعو للحذر دون شك فمع زيارتين من جانب باول للمنطقة ومحاولة رئيس المخابرات المركزية الامريكية التوصل لوقف اطلاق نار وبعد اجتماعين رئاسيين مع شارون واجتماع الرئيس بوش بعدد من قادة الدول العربية الحليفة وفضل المبادرات الامريكية بخصوص العراق والصراع العربي الاسرائيلي فإن العديد من مستشاري بوش يجادلون الآن بالقول «لقد بذلنا قصارى جهدنا، فلندع الحالة الآن تتطور من تلقاء نفسها». ان العرب والامريكيين العرب الذين يعون المخاطر المتضمنة في مثل وجهة النظر هذه يواجهون تحديا كبيرا. وما يدعون له ليس سقوطا للوهم او خيبة الأمل من توقعات غير واقعية. ان الضغط الاقليمي لانتهاج سياسة امريكية فاعلة ولكن متوازنة يجب ان يكون هو التالي لكن هذا لن يثمر الا اذا تزامن مع حملة داخلية فاعلة بالقدر نفسه لبناء تحالف واسع يتمحور حول الولايات المتحدة تستطيع الادارة الامريكية ان تستجيب له. ـ رئيس المعهد الأمريكي العربي