لقد أصبح من تكرار الكلام، القول بأنه ليس هناك اليوم بين العرب من هو راض عن أوضاعنا الراهنة، اللهم إلا من يهمهم الإبقاء عليها، حفاظا على مصالحهم وامتيازاتهم. ولو أننا وزعنا استبياناً على شرائح منوعة ومتباينة من الناس، كالمثقفين والأطباء والمهندسين والمحامين والحرفيين والمعلمين والفنانين، وكذلك السياسيين، واستطلعنا آراءهم، لجاءنا، على الأرجح، رد واحد، وهو أن واقعنا العربي الحالي مرفوض وغير مقبول، ولا يخدم المصالح القومية. فمن المسئول عن انفراط عقد العرب، واندثار مجدهم، وعما آلت إليه أحوالهم؟ هل هم أصحاب القرار؟ أم الكتاب الذين لا يحسنون الابحار في قوارب الكتابة، ولا يجيدون تدبيج الأدبيات القومية القادرة على تشخيص مشكلاتنا الحقيقية وعلى اقتراح الحلول العملية لها؟ أم العلماء التكنولوجيون والمهندسون الذين لم يستطيعوا ايجاد قواعد صحيحة للتطور الصناعي والزراعي؟ أم القضاة والمحامون الذين اخفقوا في انصاف المظلومين والمساعدة على انبثاق مجتمع العدالة؟ أم هم المربون الذين لم تتمخض جهودهم عن تربية صالحة للأجيال وتعليم فعال للنشء الصاعد؟ أم العسكر الذين لم يفلحوا في الدفاع عن الأوطان واستعادة الأراضي المحتلة بقوة السلاح؟ وبتعبير آخر، واختزالا لكل ما سبق، نتساءل: هل الأنظمة الحاكمة، أم الشعوب، هي المسئولة، بالدرجة الأولى، عن تردي أوضاعنا. وعلى الرغم من عدم قدرتنا على ايجاد اجوبة حاسمة وقاطعة ونهائية للتساؤلات السابقة، فإنه يحق لنا القول، بأن الجميع، بدون استثناء، يتحملون المسئولية، ولكن بدرجات متفاوتة، واذا كان الرأس هو الأساس الذي يعزى اليه معظم السبب في النجاح أو الاخفاق، فان معنى هذا ان حجم المسئولية يزداد، كلما تدرجنا صعدا في ارتقاء سلم مراكز اتخاذ القرار. واذا تركنا الجانب المتعلق بتحديد المسئولية، وانتقلنا الى مسألة ايجاد حلول لمشكلاتنا الراهنة، فاننا نعتقد ان من الأجدى التفتيش عن القواسم المشتركة المسببة لاضعاف مردودنا في جميع جوانب حياتنا العربية. وعندما يتم التشخيص، يصبح العلاج أسهل، نسبياً، وان كانت هناك أمراض مزمنة تستعصي على كل علاج. ولعل أهم سؤال يمكن أن يراود أذهاننا، هو: من أين نبدأ؟ ومن المؤسف اننا مازلنا نردد مثل هذا السؤال منذ عشرات السنين. وربما تمر عقود أخرى طويلة، ونحن نظل نتساءل: ماذا نفعل، ومن أين نبدأ؟ وطالما اننا لم نتمكن من حل الاشكالية، ولم نصل الى شيء طوال الفترة المديدة السابقة، ونظرا لأننا مازلنا نتخبط في الدهاليز المظلمة والمتاهات المحيرة، فان معنى هذا اننا ندور في حلقة مفرغة لا نهاية لها. وليس من السهل علينا، اطلاقا، ان نكسر هذه الحلقة ونخرج منها سالمين. فالأمر يتطلب دراسات مستفيضة ومعمقة تقوم بها مراكز ابحاث سياسية واجتماعية وفكرية. ولا شك ان عدم قيامنا بمثل هذه الابحاث، بجدية وانتظام، حتى اليوم، يؤكد مرة اخرى، اننا مازلنا عند نقطة الصفر. ومشكلتنا نحن العرب، ان كل واحد منا على الأغلب، يلقي بالتبعة على غيره، ولا يقدم شيئا للمصلحة العامة، قبل أن يفعل الآخرون ذلك. وينطبق الأمر على الدول العربية، انطباقه على الأفراد. فاذا تنصل كل فرد أو كل دولة، من المسئولية، وظل ينتظر حتى يقوم باقي الافراد، او باقي الدول، بالاعمال والتضحيات اللازمة، فمن هم اذن الرواد الذين سيسعون الى كسر الحلقة المفرغة، وتجاوز نقطة الصفر. ومن هنا فاني اعتقد ان احدى أهم نقاط البداية، هي شعور كل انسان، وكل قطر عربي، وكل نظام، انه يتحمل قسطا من التبعة في ازمتنا الحالية، ونذكر من نقاط البداية الاخرى، مكافحة النزعة الفردية، وتغيير نمط السلوك اليومي للمواطن العربي، وفتح المجال امام الحوار الصريح وحرية الرأي. أما كيف نحقق كل ذلك، ونطبق بالفعل نقاط البداية المذكورة، فهي مسألة علاجها يقع على عاتق المفكرين، وعلماء النفس والمربين والاعلاميين، اضافة الى النخب الحاكمة. اننا اليوم بحاجة الى مراجعة شاملة لأفكارنا وعاداتنا وممارساتنا، تمهيدا لابتداع رؤى ونظرات جديدة خلاقة لحل مشكلاتنا في جميع المجالات. وحتى يتم طرح الأفكار الجديدة، لابد من فتح أبواب حرية الرأي. وهذه الحرية ليست مجرد نقطة بداية هامة، بل أنها تعد في نظري أم البدايات. ـ كاتب سوري