يذهب الكثيرون من ذوي الانتماءات الأيديولوجية على اختلاف مشاربها، إلى تعميم أفكار جاهزة، أو إذا شئت إلى تعميم أفكار معلبة سلفاً، عند تناولهم لأوروبا وموقفها من القضايا العربية، حتى لنجد عند الكثير منهم تفسيرات وتأويلات تقوم جلها على استذكار الماضي بهدف استحضاره، انطلاقاً من مقولة واحدة لا غير بأن التاريخ يعيد نفسه على الدوام بصور مظلمة بل ومقلقة وأشد قتامة مما كانت عليه بالأمس القريب. والأخطر من ذلك كله أننا عندما نتناول المواقف الأوروبية غالباً ما نضعها في سلة واحدة دون التفريق حتى بين مصالح هذه الدولة الغربية أو تلك مع العرب، وماهية الخلفية التي تحكم سلوكها السياسي، انطلاقاً من مصالحها القومية الضيقة على أقل تقدير، بمعزل عن باقي الدول الأوروبية الأخرى .ففرنسا مثلاً بالنسبة لهؤلاء توضع في سلة بريطانيا، وهذه الثانية توضع في ذات السلة الألمانية وهكذا دواليك، حتى نصل إلى مقولة مؤداها، أن الغرب بمجمله ذو لون واحد وكتلة واحدة وهدف سياسي واحد، بما يتضمن ذلك من تطابق بالمصالح والرؤى، وأنه بكليته يقف على النقيض، أو على الضفة الأخرى في مواجهة مصالحنا، نحن العرب، بغض النظر عن مواقفه المعلنة والمستترة إزاء باقي شعوب الأرض وأممها. لدرجة أننا نصل إلى مرحلة نعيش أسرى لونين لا ثالث لهما، إما الأبيض أو الأسود، ونسقط من حساباتنا ما يقع بينهما من لون رمادي متدرج قد يصل في تدرجه إلى أكثر من لون ولون، وهذا يوصلنا على أكثر تقدير إلى صياغة سياسات أقل ما يقال عنها أنها تفتقد الموضوعية، وتسبح في الضبابية التي غالباً ما تفتقر إلى أدنى بعد معرفي. وبعيداً عن استذكار التاريخ، يمكننا القول أن أوروبا رغم وحدتها المعلنة هذه الأيام، وتربطها أكثر من رابطة بداية بالاتحاد الأوروبي مروراً بالسوق الأوروبية المشتركة وانتهاء بحلف الناتو مع الشريك الأمريكي، تعيش كل دولة على حدة، رؤية مختلفة عن الرؤى الأوروبية الأخرى، انطلاقاً كما أشرنا سابقاً من المصالح القومية الخاصة بكل دولة على حدة .ولعل قضية الحصار المفروض على العراق قد أظهر هذه الحقيقة بأوضح صورها، دون أن يتطلب اكتشاف هذا الأمر الكثير من البحث والعناء، ففرنسا جارة بريطانيا، وحليفتها وشريكتها في الكثير من المشاريع الاستعمارية السابقة في بلادنا وغيرها من بلدان العالم، يقفان على النقيض تماماً بخصوص هذه القضية، بل أكثر من ذلك فان فرنسا بدأت ومن خلال مواقفها في مجلس الأمن تكفر عن سلوك ارتكبته بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، بالتبشير بالكثير من المواقف المتناقضة حتى مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر ليس في أعلى سلم الهرم القيادي للغرب وحده، بل وللعالم أجمع .وأنها من خلال سلوكها السياسي المتوازن والمرتكز أساساً على فهمها لطبيعة مصالحها مع العرب، باتت ترى ضرورة انتهاج سياسة موضوعية نسبياً بعكس السياسة البريطانية والأمريكية المتبعة ضد العراق على سبيل المثال لا الحصر. بالإضافة إلى مواقفها المستجدة من لبنان، فقد كانت ترى فيه حاضرة فرنسية بالاستناد إلى تاريخها الاستعماري، وعندما وصلت إلى حقيقة راسخة بأن لبنان جزء لا يتجزأ من الجسد العربي، وأن نسيجه الاجتماعي هو من ذات النسيج العربي، استناداً إلى جملة السياسات اللبنانية المستقلة والتي بدأت تتضح معالمها، بدأت تخطو خطوات حثيثة، باتجاه ترميم العلاقة التي كانت تقوم على أساس من ضرورية التبعية، وافتقاد عامل التوازن .وعلى ما أعتقد أن اشتراكها وعلى قدم المساواة مع بلدين عربيين هما لبنان وسوريا، باتفاق تفاهم نيسان الذي عقد عام 1996 اثر العدوان الإسرائيلي الذي شنه بيريز على قرى الجنوب اللبناني وعلى البنى التحتية اللبنانية، والذي سمي آنذاك بعناقيد الغضب، يدلل عن مدى حرص فرنسا الكبير على مصالحها مع دول ما يسمى بحوض البحر الأبيض المتوسط، وبالأخص العربية منها، بمعزل عن المواقف الأوروبية الأخرى، وبمعزل عن الموقف الأمريكي أيضاً، وهذا الأمر بحد ذاته يعتبر تغيراً كبيراً في سياسة فرنسا، التي كانت متبعة في مرحلة زمنية ماضية .وقد يسأل سائل أين تغير هذه المواقف من قضية الصراع العربي - الإسرائيلي، باعتبار هذه القضية تعتبر المؤشر الحقيقي على سياسة أوروبا أكثر من غيرها؟!! فللإجابة عن هذا السؤال أو التساؤل والأمر سيان، لا بد لنا من استذكار بعض المواقف الأوروبية، فقد ساهمت أوروبا منذ أن طرح مؤتمر مدريد، مساهمة فعالة في إنجاح العملية السلمية بين العرب وإسرائيل بعامة، وبين الفلسطينيين والإسرائيليين بخاصة، بصرف النظر عن موقفنا من التسوية الجارية بشكل عام، وتبنت الكثير من المواقف التي خدمت بشكل مباشر السلطة الفلسطينية. فالاتحاد الأوروبي، مع الأخذ بالحسبان تفاوت المواقف بين دولة أوروبية وأخرى، عمل ولا يزال على ترميم البنى التحتية الفلسطينية، ونقلها من بنى مشوهة كانت تقبع تحت الاحتلال، إلى بنى شبه معافاة تشبه إلى حد بعيد بنى الدول التي استقلت قبل نصف قرن ويزيد. أضف إلى ذلك أنها مجموعة من الخطط والبرامج التأهيلية، التي غالباً ما كانت ولا تزال تزعج الاحتلال الإسرائيلي، وأرست بالشراكة مع الكثير من دول العالم ذات الشأن والوزن الدوليين، حقيقة على الأرض اسمها السلطة الفلسطينية، لدرجة أنها فرضت من خلال سلوكها على الطرف الإسرائيلي اتخاذ جملة من الخطوات للمساعدة في إعادة العائدات المالية المستحقة للفلسطينيين، والتي تتأتى من الضرائب الجمركية وغيرها، ولو بشكل نسبي، قبل اندلاع فعاليات انتفاضة الأقصى، حتى أصبحت هذه القضية لزاماً قانونياً على اسرائيل، بعيداً عن التسويف والابتزاز الذي تمارسه انطلاقاً من عنصريتها وعنجهيتها. أما النموذج الصارخ حقاً للتغير الأوروبي، فقد بدأ يظهر للعيان مع تسلم ارييل شارون رئاسة للحكومة الإسرائيلية، وقد توضحت المواقف الأوروبية، بشكل لا يقبل اللبس أو التسويف، من خلال قبول الدعوة في المحاكم الأوروبية وبالتحديد في العاصمة البلجيكية بروكسل، مع الأخذ بعين الاعتبار ما تمثله هذه المدينة، فهي رئيسة الاتحاد الأوروبي حالياً، ومركز حلف الناتو، وهذا الأمر بحد ذاته يعتبر مؤشراً مهماً، وتحولا كبيراً في سياسة أوروبا تجاه الممارسات العدوانية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين وغيرهم في المنطقة. وهذه القضية سابقة فريدة من نوعها، في تاريخ العلاقات الإسرائيلية - الأوروبية، بحيث كانت اسرائيل في مرحلة ما كان يسمى بالحرب الباردة بالنسبة لأوروبا فوق الشبهات، أما الآن فقد أصبحت تدان لقاء أي موقف عدواني قد تتخذه ضد الفلسطينيين والعرب، وتحولت الكثير من أجهزة ماكينة الإعلام الأوروبي الذي كان يعتبر العامل المساعد الأول لوأد الحقيقة العدوانية لإسرائيل وتجهيل الرأي العام الأوروبي بجملة الحقائق العدوانية، إلى إعلام يفضح جملة الممارسات العدوانية. والأكثر من ذلك بدأ بالعودة إلى الوراء لنبش الكثير من الحقائق الفاضحة للممارسات الإسرائيلية، ومن بينها عرض فيلم مذبحة صبرا وشاتيلاً التي أمر بها شارون ونفذها عدد من ضباطه وجنوده في بيروت عام 1982، والذي عرض في أكثر المحطات التي كانت تدعم اسرائيل إعلامياً. أما عن زيارة شارون الأوروبية فحدث ولا حرج، فلأول مرة على الإطلاق، يقوم شارون أو غيره من قادة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ليحرم من دخول بلد أوروبي خوفاً من إحراجها بسبب ممارساته الإرهابية، ولاول مرة على الإطلاق يذهب شارون إلى بلد كفرنسا، والتي بنت لإسرائيل في الخمسينيات من القرن الماضي خيارها النووي، لتكفه علناً عن ممارسة مخططاته العدوانية ضد الفلسطينيين وسلطتهم، ولتفرض عليه رئيس هذه السلطة شريكاً سياسياً على أية طاولة تفاوض وعلى قدم المساواة. ناهيك عن الاتاوات والشروط المذلة التي فرضتها فرنسا بكل المقاييس، لدرجة كانت هذه الدول تبرر لإسرائيل مواقفها الجافة معها في ما مضى، بينما أصبحت اسرائيل وعلى لسان شارون، هي التي تبرر مواقف هذه الدول من السياسة المتبعة بإسرائيل. ولعل قصر الاليزيه سيبقى هاجساً يقض مضجع شارون، وغيره من قادة اسرائيل، لدرجة ستجعل صانع سياسة اسرائيل العدوانية يعيدون التفكير في الاليزيه وما سيتخذه من مواقف، ولتلك المحكمة التي تتوسط العاصمة البلجيكية، بكل ما فيها من ملفات قد تجمع ضد الكثير من القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين ممن ارتكبوا المجازر ضد العرب. لكن الأهم من كل هذا، هل سنعمل نحن العرب بعقل وقلب مفتوح، لدفع الشريك الأوروبي لاتخاذ مواقف أكثر جذرية؟ أم أننا سنخضع لضغوط بعض الدول العظمى في العالم لفض هذه الشراكة، لتعود أوروبا إلى سابق عهدها تجد في اسرائيل البوابة الوحيدة على عالمنا العربي بخاصة والمنطقة بعامة؟ ـ كاتب فلسطيني