يشكو التجار العرب المقيمون في العاصمة البريطانية لندن من كساد السياحة هذا العام رغم ان شهر يوليو قد وصل إلى منتصفه كما قال لي آخر المشتكين وكأني أحد المسئولين عن الترويج السياحي في لندن، ورغم ان حجم أعمالي وانشغالي لا يسمح لي بالتفكير في شيء اسمه السياحة، إلا ان قدري أن أستمع إلى الناس وأحاول أن أفهم بعض مشكلاتهم وما لديهم من أفكار باعتبار مهنتي تقوم بالدرجة الأولى على خدمة الناس والتعرف على مشاكلهم. ورغم حرصي على تجنب مناطق تواجد العرب في لندن حرصا على وقتي بالدرجة الأولى، إلا أني أعتقد الآن جازما بأن لندن هي أشهر عاصمة عربية في العالم، وان تجنب أماكن تواجد العرب في لندن أمنية بالأمر المستحيل، ورغم ان أحد التجار العرب أشار لي إلى ان حديث وسائل الاعلام عن ارتفاع معدلات الجريمة في لندن هو السبب الذي دفع كثيرا من السياح العرب إلى تجنب قضاء عطلاتهم في لندن، إلا أني أعتقد ان هناك أسبابا أخرى من أهمها الغلاء الفاحش الذي أصبحت تتميز به لندن لا سيما فنادقها، ولاني أتجول بين كثير من العواصم العالمية بشكل دائم فان فنادق لندن تعتبر هي الأغلى عالميا علاوة على الغلاء العام في كل شيء، مما دفع كثيرا من الناس للبحث عن مناطق أخرى ربما تكون أجمل وأرخص، مثل ماليزيا واستراليا التي أعتقد ان كثيرا من العرب أصبحوا يتوجهون إليها صيفا. لكن القضية بالنسبة لي لم تكن هي أين يذهب الناس وإنما أمن العواصم العالمية ومدى شعور الإنسان فيها بالأمن، وقد حدثني كثير من الأصدقاء المقيمين في العاصمة البريطانية ان معدلات الجريمة بالفعل في ارتفاع حتى ان بعض أحياء المدينة لا تعود آمنة بعد العاشرة مساء ومنها بعض الأحياء الراقية. وقد اطلعت على تقرير نشرته الشرطة البريطانية مؤخرا أشارت فيه بالفعل إلى ارتفاع معدلات الجريمة في لندن، غير انها أكدت على ان لندن ـ مع ذلك ـ تعد واحدة من أقل العواصم العالمية من حيث معدلات جرائم القتل، وأشار التقرير إلى ان العاصمة الأمريكية واشنطن تحتل المكانة الأولى بين كل عواصم العالم في هذا المجال، وقال التقرير ـ الذي نشر قبل أيام ـ ان معدل جرائم القتل في العاصمة لندن هو 2.4 لكل مئة ألف نسمة، في حين يصل معدل جرائم القتل في العاصمة الأمريكية واشنطن إلى 50.8 جريمة قتل لكل مئة ألف نسمة. أعادني هذا التقرير إلى زياراتي الثلاث التي قمت بها للعاصمة الأمريكية واشنطن خلال السنوات الثماني الماضية، وكيف كانت أخبار القتل والجرائم تتصدر صفحات الصحف صباح كل يوم، ومازلت أذكر كيف دفعني هذا الأمر في زيارتي الأولى للعاصمة الأمريكية واشنطن نهاية العام ثلاثة وتسعين إلى المغامرة والتعرف على أحياء الجريمة في المدينة مخالفا بذلك كل تعليمات ونصائح زملائي الصحفيين المقيمين في واشنطن. كنت أقيم في فندق في قلب العاصمة قريبا من مركز الصحافة الوطني مقر محطات التلفزة والصحافة العالمية القريب بدوره من موقع البيت الأبيض، وقد دفعتني المغامرة يوما للخروج بعد الحادية عشرة ليلا للتجول في الشوارع المحيطة بالفندق والوصول ليلا إلى البيت الأبيض الذي كان قريبا. شعرت للوهلة الأولى بأن ليل واشنطن يختلف جذريا عن نهارها وان عالم الليل هو عالم آخر مختلف عن عالم النهار، فالمشردون كانوا ينتشرون في كل الطرق بملابسهم الرثة وأشكالهم المخيفة، وتحت الضوء الخافت يصبح شكلهم مرعبا لا سيما إذا اقتربوا من الإنسان وهو يمشي، لم يكن يمشي في الشوارع مغامرون مثلي وإنما شخص متأخر لسبب ما عن العودة إلى منزله أو رواد الحانات أو المشردون الذين يبلغ عددهم في الولايات المتحدة خمسة عشر مليون مشرد، وهؤلاء يعتبرون أحد مصادر الجريمة وترويج المخدرات. عدت بعد ساعة من الرعب في الشوارع الى الفندق وأنا ألملم أطراف نفسي وعلمت بعد ذلك من بعض أصدقائي ان المغامرين من أمثالي لا ينجحون دائما، غير اني كنت أتوق إلى مغامرة أكبر لم أسرَّ إلى أحد بها إلا لأحد الشباب المقيمين منذ مدة طويلة في العاصمة واشنطن في أول أيام زيارتي وهو من أصل أردني، تردد في البداية ثم وافق حيث طلبت منه أن نتجول في سيارة في أحياء السود والآسيويين لنتعرف كيف يكون وضع واشنطن في الليل، لا سيما وان محافظ واشنطن آنذاك قد طالب الكونجرس بالسماح بنزول قوات «الحرس الوطني»، وهو جناح خاص للأمن الداخلي، إلى شوارع واشنطن لضبط الأمن فيها والسيطرة على عصابات الجريمة المنظمة التي تسيطر على أحيائها المختلفة لا سيما في الليل، حيث تتحول واشنطن إلى وكر كبير للمخدرات والدعارة وكافة أشكال الفساد الأخرى. طلب مني صاحبي ان أمهله يوما أو يومين حتى يرتب الأمر ويدرس جوانبه المختلفة لا سيما وان مغامرة مثل هذه يمكن أن تؤدي بحياتنا، ثم جاءني في اليوم التالي وقال لي: أرجو ألا ترتبط في المساء لاننا سندخل أحياء الجريمة في واشنطن ليلا وقرب منتصف الليل كما تريد. وفي الاسبوع المقبل نتعرف على معالم عاصمة الخوف والجريمة وعالم الليل فيها. ـ كاتب واعلامي مصري