داهمتني أوجاع الكتابة في لحظة كنت يائساً فيها من مغازلة الحروف، ليس بسبب الخوف من تمنعها ودلالها عليَّ، ولكن من ساعات المخاض ووضع جنين أفكاري بين السطور، فالكتابة خاطر يلحّ، وفرصة تلوح، وهمس ينتظر البوح، وسويعات لا تعترف بالحالة النفسية، والتزام يرفض كل القيود طالما جاءت الفكرة، واتسعت دائرة الرؤية. وكم كنت تواقاً ان أهرب من الكتابة لأن دواخلي كانت تموج بالملل والكآبة، فأسلمت أخيراً يدي إلى قدري، وورقي إلى قلمي، فخرجت كلماتي من فمي صاغرة لألمي الذي يموج بالحروف، وكالعادة سألت نفسي ما جدوى الكتابة؟ وقبل أن أجد الاجابة، رن هاتف مكتبي وجاءني صوتها، تلك التي دأبت على الاتصال بي منذ فترة لتعلق على ما أكتب، ولتقول لي بصوت هامس، لامس شغاف قلبي، لماذا التشاؤم يا سيدي، ان الحياة حلوة رغم مصاعبها، وان الدنيا واسعة رغم ضيق صدورنا، فإن ابتسامة طفل تذوب تلالاً من الألم، وان لحظة صفاء مع النفس تمنح طمأنينة مفقودة وسعادة مطلوبة.. ثم سكتت قليلاً، وقالت: ان ما كتبته كأنه يعبر عن حال كثيرين عاندتهم الظروف، ووقفت ارادة الحياة ضد تحقيق طموحاتهم، وترجمة رغباتهم، قلت لها: ان الكاتب أي كاتب هو جزء من المجتمع، ينفعل مع قضاياه، ويتفاعل بما يهم الناس، فيصبح لسان حالهم، وصاحب الاجابة الحاضرة لسؤالهم، فالكتابة لمجرد الكتابة واستعراض العضلات ورص بعض الكلمات لم تعد مسألة تهم. فالكتابة فعل وممارسة وهم، يجب ان تحرك المياه الراكدة، وتجد الدواء لكل داء، وتسهم بإيجابية في إيجاد الحلول الناجعة لكل قضية، أما كتابة الفانتازيا، ونسج خيوط من الكلمات عبر الخيال وتناول مسائل شخصية توغل في الذاتية، فكلها أمور لم تعد مقبولة في عصر المعلوماتية الذي تحاصره التقنية من كل جانب ويسنده العلم من كل صوب، فالقرية الكونية باتت صغيرة جداً، تحول خلالها عمود الرأي إلى كبسولة من المعلومات، ومحطات من المعرفة، وعليه فإن القارئ أصبح شغوفاً بمتابعة كل جديد في كافة مجالات ومناحي الحياة، ولم يعد مهتماً بهموم الكاتب الخاصة، ولا بخلجاته النفسية، ومشكلاته الحياتية، ولكن رغم ذلك يجد الكاتب الجاد نفسه مقيداً، إذ لا يمكنه تجاوز الخطوط الحمراء المتمثلة في عدم الكتابة عن ثلاثة أشياء هي: الدين والجنس والسلطة، وغير ذلك فالباب سيكون دائماً مفتوحاً أمامه لتناول شتى القضايا، ولأن الكاتب رقيبه الرئيسي عند الكتابة هو ضميره، فتبقى عين الرقيب هي التي ترى أشياء قد لا يراها، فقد يكون الكاتب مندفعاً خلف خياله الجامح، وقلمه الطامح، لاجتياز بعض السدود، بالالتفاف حولها بكلمات تحمل المعنى، لكن لا تحتمل الغموض، وكم من مترادفات في اللغة يمكن عبرها تجاوز مقص الرقيب، وكسر الصمت الرهيب، وعدم التطرق لما هو مرفوض أو «معيب» ولكن هيهات! وإذا فهم الكاتب ما هو مطلوب ولم يقترب مما هو مرفوض تلميحاً أو تصريحاً، اجتاز كل المطبات، وأوجد مساحة من التواصل بينه والقارئ، ومساحات من التصالح مع الذات. قالت لي: الآن فقط فهمت ما تقصد، فقد شعرت بحجم المعاناة التي تعترض طريق كل كاتب، وأيقنت ان الكتابة ليست ترفاً ولا هي مجرد كلمات متراصة تنسج حروفاً تتشكل منها السطور، ومن ثم يطالعها القارئ، وقد يحكم لها أو عليها، دون ان يدري كم هي مؤلمة وموجعة لحظة الكتابة، قلت لها: نعم، ففي البدء كانت الكلمة.. والكلم الطيب يفرز عملاً طيباً، ولكن ألا تلاحظين صدفة التلاقي بين الكلم والألم وهما ينبعان من نفس واحدة، هي نفس الانسان! قالت: فهمت ما تقصد وودعتني. آخر نقطة قال حكيم: لا يزال المرء عالماً، ما طلب العلم، فإذا ظن انه قد علم فقد جهل.