هي في علم النبات نباتات بسيطة لا زهرية غير مفصلة جذوراً وسيقاناً وأوراقاً، يكسوها اليخضور واللون الأخضر، مائية تعيش في المياه العذبة والمالحة، تكثر في ريم البرك والمستنقعات، تتباين أحجامها من المجهري الدقيق إلى ما يتعدى طوله الثلاثين متراً، وكلها يخضور مع صباغ آخر في غير الخضراء منها كالحمراء والزرقاء والداكنة والذهبية.. وتعرف بـ «الطحالب». في عالم البشر تنطبق هذه الأوصاف على فئات كثيرة تتحرك بيننا موطنها الأصلي برك المجتمعات ومستنقعاتها حيث المياه الآسنة التي تولد فيها وتتكاثر، تبحث لها عن جذور فلا تجد لها أثراً، أما سيقانها فهي الاكتاف التي تتسلق عليها لتطاول قامات الأشجار السامقة، أوراقها صكوك الطاعة والولاء التي تقدمها لكل من تتوخى فيه مقدرة على دفعها خطوة للأمام أو رفعها درجة على سلم الصعود الذي تقف في أسفله.. ميزة هذه الفئة ان لديها قدرة فائقة على قراءة الأحداث ورصد الأنباء والتنبؤ بتقلبات الطقس لاستنباط الآتي.. تتمتع بحاسة شم قوية تفرق بها بين الروائح التي تهب من مطابخ صنع القرار، حيث تظهر وجوه وتختفي وجوه، وتستقبل الكراسي أناساً ويترجل عنها أناس، أما الطحالب فتظل عالقة بأرجل الكراسي تتحين الفرص وتختار الوقت المناسب لزيادة رقعة المساحة التي تنتشر فيها والتسلق للارتماء في أحضان القادم الجديد وتقديم فروض الولاء والطاعة له. وكما هي في عالم النباتات عديمة الزهور، فالطحالب في عالم البشر أيضاً لا تزهر لأن الزهور من عالم الجمال، أما هي فمن عالم القبح حيث لا مكان لمفردات الجمال، لأن الميزان لديها مختل، إذ الجميل هو ما أوصلها إلى حيث تتطلع، والقبيح عندها هو ما أعاق انطلاقتها إلى تحقيق أهدافها، أما الوسيلة فليس مهماً أن تكون نبيلة لأن الغاية عندها تبررها، ثم ان من الأزهار ما يفوح شذى وعطراً أما هي فإما ان تكون عديمة الرائحة أو انها ذات رائحة كريهة تزكم الأنوف. وكما تعيش الطحالب في المياه العذبة والمالحة تكيّف الطحالب البشرية نفسها مع الوسط الذي تعيش فيه لأنها عديمة الإحساس، فالعذب لديها ما استعذبته نفوسها، والملح الأجاج عندها هو ما لا يتفق مع هواها ولا يخدم مصالحها، تميل مع الريح حيث مالت، ولسان حالها يقول: إنْ تُتْهِمي فََتِهامَةٌ بَلَدِيْ أوْ تُنْجِدي إنَّ الهوى نَجْدُ وكما تتباين أحجام الطحالب وتتفاوت بحيث لا نستطيع رؤية بعضها إلا بالمجهر بينما يبلغ طول بعضها أمتاراً تتعدى الثلاثين، فإن أحجام الطحالب البشرية هي الأخرى تتفاوت باختلاف حجم الطموح الذي يحمله كل منها، إذ بينما يرضى بعضها بالحد الأدنى، فإن بعضها الآخر يحاول مدّ قامته إلى أبعد مدى يمكن ان تطال يده سقفه، وهو في محاولته هذه إما ان تصطدم يده بالسقف الذي حدده له من تعهد بمده بأسباب العيش، وإما ان يتمرد على واقعه فيحاول اختراق ذلك السقف، وهنا ينبري له من يعيده إلى أرض الواقع فيقطع تلك اليد التي تجاوزت حدودها أو يلقي بصاحبها في العراء مكشوف الرأس، خالي الوفاض، حيث لا يستطيع العيش، فتكون نهايته التي خانه ذكاؤه فلم يحسب لها حساباً. ونأتي إلى وجه الشبه الأكثر إثارة بين الطحالب النباتية والطحالب البشرية، وهي الألوان العديدة التي تتشكل عليها هذه المخلوقات العجيبة، وإن كان قد انطبع في أذهاننا منها اللون الأخضر الذي كثيراً ما شاهدناه على الأجزاء المغمورة في المياه من السفن وعلى الأحجار والحطام والمخلفات التي تغدو جزءاً من خرائط أعماق البحار والأنهار والبحيرات والبرك، ويحدث ان تدخل أصباغ أخرى في الطحالب فتكسبها ألواناً كالأحمر والأزرق والداكن والذهبي. وكذلك الحال بالنسبة لهذه الفئة من البشر التي يتشابه أغلب أفرادها وتصطبغ جلودهم بلون واحد تحمله الحبيبات الصبغية المنتشرة في الخلايا الغائرة المكونة للأدمة.. ذلك في النوع الغالب منها، كما هو الحال في الطحالب النباتية، أما حين تتطور حالات بعض أفرادها فإنها تصبح بحاجة إلى ان تتلون وتأخذ أشكالاً أخرى تتناسب مع الأوضاع والبيئات التي تتواجد فيها لنشاهد منها ما يصطبغ باللون الأحمر، واللون الأحمر في كل الأعراف وأدبيات الحروب هو عنوان الخطر، لذلك يصبح الاقتراب من هذه الطحالب الحمراء محفوفاً بالمخاطر لما يمكن ان تقدم عليه من تصرف إذا ما أحست بالخطر الداهم يهدد مصالحها، أما ما يصطبغ منها باللون الأزرق فهو نوع شديد العداوة لأن العرب قد درجوا على خلع هذا اللون على الأعداء شديدي الخطر فوصفوا العدو بأنه «ذو ناب أزرق» وسمّوا الحيات بـ «الزراقم» وهناك نوع رابع داكن اللون، ربما اكتسب هذه الصبغة من طول مكثه في المياه الراكدة وتحت الطبقات السفلى أو لكثرة ما داسته الأقدام. أما ما اصطبغ باللون الذهبي من طحالب البشر فهو نوع خادع لا يغرنّك بريق لونه فتنساق لألاعيبه وتنخدع لأساليبه، فهو أكثر هذه الأنواع ذكاء وأشدها دهاء وأعظمها عداء. أما وقد انتهينا من تحديد أوصاف وألوان طحالب البشر فعلينا ان نبدأ البحث عنها ومعرفة أماكن تواجدها وطرق تكاثرها كي لا نفاجأ بها تنبت تحت أقدامنا وتخرج من بين أصابعنا لتتسلق على أرجلنا وتتحين الفرص لتصعد على أكتافنا. أخصب أرض لتكاثر هذه الطحالب ونموّها هي تلك الأرض الممتدة تحت كراسي المسئولين، وذوي المناصب العليا، فهي وحدها التي تشكل أكبر عامل جذب شديد لهذه الطحالب، لما يمتلكه الواقفون عليها والمتربعون على كراسي السلطة فيها من قدرة على تحقيق الطموحات والأحلام، ويزداد الاغراء إذا ما توفر لدى الجالسين على تلك الكراسي الاستعداد لتقبل نمو هذه الطحالب والاستفادة من مواهبها واستغلال التنازلات التي يمكن ان تقدمها، الأمر الذي قد لا يتوفر لدى الغير ممن لا تسمح لهم نفوسهم الأبية بأن تكون مواقعهم تحت الأقدام أو أسفل الكراسي.. وهنا يظهر الفرق بين الأشجار ذات المنبت الطيب والطرح النافع، وتلك الأعشاب الطفيلية التي كثيراً ما تعيق الحركة، فلا تحدث أثراً ذا وقع ولا تطرح ثمراً ذا نفع. في طرق الحياة الكثيرة المتشعبة كثيراً ما نقابل هذه الطحالب.. يترك بعضها أثراً في مسيرة حياتنا.. لكنه ليس من ذلك النوع الذي يجعلنا نتوقف طويلاً عنده لأن أصحابه أقل شأنا من ان نعيرهم جزءًا من اهتمامنا.. فهم في الواقع ليسوا أكثر من بالونات هيأ لها خيالها المريض أنها تستطيع ان ترتفع كثيراً في الفضاء لتطاول السحاب، فإذا بها تنفجر وتتلاشى قبل ان تغادر مرمى البصر، وهم في الواقع ليسوا أكثر من أقزام تسللوا في غفلة من الزمن إلى مواقع أكبر من أحجامهم الصغيرة، فهيأت لهم عقولهم القاصرة انهم قد حجزوا لأنفسهم أماكن بين الكبار، وستأتي اللحظة التي يعرفون فيها حجمهم الحقيقي، ويعودون إلى الصفوف الخلفية التي جاءوا منها، وهم في الواقع ليسوا إلا طحالب نمت وترعرعت في برك مياه راكدة وسيجرفها السيل لتعود المياه صافية نقية بعد أن كدر صفوها ونقاءها أولئك الأدعياء ذوو النفوس المريضة ممن يحملون في جيناتهم مركبات نقص يعتقدون انهم لن يتخلصوا منها إلا بالتطاول على من هم أكبر منهم شأناً وأرفع مكانة.. وعندها يستقيم ميزان الحق وتقرّ عيون الخلق، وتهدأ نفس القاضي عبدالوهاب البغدادي القائل: متى يَصِلُ العِطاشُ إلى ارتواءٍ إذا استقتِ البِحارُ من الركايا؟ ومن يثني الأصاغرَ عن مرادٍ وقد جلس الأكابرُ في الزوايا؟ وإِنَّ تَرَفُّعَ الوُضَعَاءِ يوماً على الرُّفعَاءِ من إحدى الرزايا إذا استوتِ الأسافلُ والأعالي فقد طابت منادمةُ المنايا