اذا لم تتعرض المجمعات البشرية لتأثير خارجي قوي فإنه يحتمل احتمالا كبيرا انها تمر بعملية تطور سلس طبيعي رغم كونه بطيئا نسبيا. ان عملية التطور الاجتماعي العربي الطبيعي عرقلتها عوامل منها جهات اجنبية قوية وهي مدفوعة بالرغبة في النهوض بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. (وهذه الحالة تنطبق على سائر البلدان النامية). ولا تتمثل الجهات الاجنبية في دول، ولكن ايضا في وكالات نقل الرموز والمعاني الثقافية الاجنبية والوكالات السريعة الترويج للمذاهب الفكرية داخل المجتمع العربي. وأدت هذه العرقلة الى النشاز في التغيرات الاجتماعية. ويتجلى هذا النشاز في تناقض المفاهيم الشائعة وتضارب الاتجاهات الفكرية والاقتصادية والتشنجات الاجتماعية والاهتزازات النفسية قبل أن يستطيع المجتمع العربي ان يتطور الى حد تنشأ عنده القدرة العربية على ادارة هذه التناقضات والتحكم بها وامتصاصها. ولتطورات وأحداث اقتصادية واجتماعية وثقافية حدثت خلال القرون الكثيرة فقدت بنية المجتمع العربي قدرا كبيرامن تماسكها. وكلما ازداد المجتمع العربي تفسخا ازدادت الجهات الاجنبية طمعا بخيرات ذلك المجتمع وبالسيطرة على مقدراته وعلى حاضره ومستقبله ومصيره. وذلك يعني ان وجود الفراغ يستدعي ملأه. وانعدام الفراغ لا يستدعي القيام طبعا بالملء. وحيثما وجدت جهات اجنبية فراغا في الساحة الداخلية، بسبب فقدان قدر كبير من التماسك المجتمعي العربي (والتماسك الكامل مستحيل)، ملأته تلك الجهات بقوتها. والحالة التي عاشها البشر ويعيشونها في الوقت الحاضر على الصعيد الدولي تشبه حالة العيش في الغابة التي فيها يفترس القوي الضعيف. ان انعدام التماسك مجلبة للسيطرة الاجنبية. وتقوم علاقة ديناميكية بين القوي والضعيف على الساحة الدولية. فقوة القوي تحدد بضعف الضعيف وضعف الضعيف يحدد بقوة القوي. وبالتالي تقوم علاقة ديناميكية بين البنية الداخلية للمجتمع المتعرض للتأثير والبنية الداخلية للجهة الاجنبية، وايضا بين البنية الداخلية للمجتمع المتعرض للتأثير ومدى السيطرة او مدى امكانية السيطرة الخارجية. كلما قل تماسك المجتمع العربي وازداد ضعفه تعزز تأثير الجهات الاجنبية فيه. وثمة تجليات كثيرة لوجود ضعف في هذا المجتمع. وهو ليس الضعف الاقتصادي فقط ولكنه ايضا الضعف المتجلي في سهولة الانقياد والتسرع باتخاذ القرار والغلو في الانانية على حساب المجموع وسهولة خداع النفس والانجراف والانجرار وراء الشعارات المنمقة البلاغية دون الدراسة المتأنية المتفحصة للقضايا المطروحة، واحيانا السطحية في التفكير. ان قوة الجهة الاجنبية لا تعزى الى صلابة بنيتها الداخلية فحسب ولكن ايضا الى ضعف البنية الداخلية للمجتمع الذي يتعرض لتأثير تلك الجهة. لقوة البنية الداخلية للجهة الاجنبية مصادر، وأحد هذه المصادر ضعف البنية الداخلية للمجتمع المستهدف. واذا ازدادت البنية الداخلية لهذا المجتمع صلابة قل اثر الجهة الاجنبية وقلت متانة البنية الداخلية لهذه الجهة وبدأ الضعف يدب في تلك البنية. وكما ان متانة البنية الداخلية للجهة الاجنبية قد تكون أداة من ادوات تفسير ضعف البنية الداخلية للمجتمع المستهدف فإن قوة البنية الداخلية لذلك المجتمع قد تكون ايضا اداة من ادوات تفسير ضعف البنية الداخلية للجهة الاجنبية. غير ان ما يميز البشر عن سواهم من المخلوقات التي نراها هو تملك البشر للعقل الذي يمكنهم به ان يردوا عن انفسهم عاديات العالم وغوائله. وعن طريق استخدام العرب لمواردهم الطبيعية والبشرية والعلمية والحضارية ـ ويشمل ذلك القيام بالدراسة الجادة والتخطيط السليم والتنفيذ الفعال والرؤية المصيبة والرؤية القومية والانسانية المنطلقة والمنفتحة ـ يمكنهم ان يؤكدوا وجودهم على هذا الكوكب وان يعززوا هيبتهم الدولية وان يحققوا النهضة والتقدم وان يرفعوا مستوى حياتهم وان يردعوا المعتدين وان يصونوا كرامتهم. وعن طريق تحقيق الوعي بالذات العربية يمكن تحقيق هذه الاهداف. لقد اقتطعت اراض من كثير من البلدان العربية شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. والتاريخ طوال قرون كثيرة يشهد على عروبة تلك الاراضي في المشرق والمغرب العربيين. وأحد الامثلة الساطعة على ذلك اراضي فلسطين والجولان ولبنان والجزر الثلاث الواقعة في الخليج التي هي ملك للامارات العربية المتحدة. ان توحيد الصف العربي وتعزيز الكلمة العربية يمكنا ان يسهما اسهاما كبيرا في استعادة الحقوق العربية. ومما من شأنه ان يسهم ايضا في اكساب العرب للقوة والمنعة والهيبة تحسين مركز المرأة القانوني والاقتصادي والاجتماعي والتأكيد في المقررات المدرسية والجامعية على اهمية الانطلاق الفكري والتحليل العلمي الموضوعي وتفسير الظواهر الاجتماعية. ولا شك في ان ميزان القوى الدولي له اثر في اتجاه التطور الداخلي. بيد انه ليس من الصحيح القول انه لا يمكن تغيير حالة المجتمعات النامية دون تغيير ميزان القوى الدولي. فإذا قيل هذا القول فإنه يعني ان الدول الصغيرة ليست لها دور في تحديد ميزان القوى الدولي. ومن شأن هذا القول ان ينطوي على استخفاف بتأثير الدول في هذا التحديد. وان القول انه لا اثر لبعض الدول في تغيير ميزان القوى الدولي من شأنه ان يكون اغفالا لأهمية اصلاح المجتمع في تعزيز اثر الدولة في ميزان القوى الدولي. والحقيقة هي ان لكل دولة وزن ما على الساحة الدولية، وبهذا الوزن او الثقل يمكنها ان تمارس قدرا من التأثير على هذه الساحة. ـ استاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة