يعتبر انحسار، بل وانعدام التوجه القومي من أهم نواحي القصور في الخطاب الاعلامي المعاصر، ذلك انه على الرغم من مرارة السخرية والاستهزاء الصهيوني وحاجة العرب المتزايدة الى الترابط والتماسك وضرورة حشد القوى العربية: فإن الأجهزة الاعلامية تنكفئ على وجهها حبيسة اقليميتها ومختنقة بعزلتها وقانعة بالتناول القاصر للعمل القطري الضئيل.. فقد اقتصر الخطاب الاعلامي على حديث الأنا لأسباب عديدة منها النفوذ الأجنبي الغالب والثراء البترولي الكاسح ومخاوف الحكام على مغانم العروش وأيضا الرئاسات حتى بات الانطلاق الاعلامي الى خلاص من الأنا وفرض الأنت يلقى من صناع القرار في العواصم العربية وواشنطن ولندن وكذلك باريس وأيضا موسكو عداء ضاريا متصلا أفرخ عجزا عربيا أمام انفراد اسرائيل ومعها أمريكا بعرب فلسطين العزل الا من حجارة الصبية. وتعد الثغرات الموجودة في الخطاب الاعلامي المعاصر أخطر مايؤثر على امكانيات الفعل العربي الموحد بسبب مايتسلل عبر هذه الثغرات بين الحين والآخر من أساليب فجة مريضة أحيانا ومتعمدة غالبا تفسد أية معالجة للخلافات العربية العربية - حتى لو كانت على الصعيد الشخصي - ممايكثف من العداوات ويعمق في الجروح ويباعد بيننا ولا يقرب. وقد كان طبيعيا أن ينزلق الخطاب الاعلامي العربي المعاصر الى ماانزلق اليه الخطاب الاعلامي الغربي عامة والأمريكي خاصة وهو يغرق المتلقين في بحور من السطحية الفكرية والاهتمامات الذاتية وصولا الى صناعة الجماهير وتحريكها وكأنها دمى لا تعي ولا تفكر ولا تقرر أو حتى تتحرك قبل أن تضغط السلطة الحاكمة على ريموت كنترول الاعلام لتنطلق الجماهير بالحركة المحددة سلفا في السيناريو الذي كتبه وأراده للشعب صناع القرار والمصالح، ذلك أن الغالبية الساحقة من الأعمال الاعلامية المختلفة ـ وخاصة تلك التي تستهدف الجماهير المهمشة فكرية وعمليا ـ تنعدم فيها تقريبا المعلومة البناءة للعقل المتأمل الصانعة للشخصية المستقلة. كذلك نجد الخطاب الاعلامي العربي المعاصر يفتقر الى كم كبير من التوازن بين النوعيات المختلفة من المادة الاعلامية، وذلك فيما عدا قلة ضيئلة من الأجهزة مثل صحف الاهرام والخليج والبيان والسياسة والانباء والشرق الأوسط والحياة مع استثناء القنوات الفضائية المتخصصة، وكأنما يريد ملاك هذه الأجهزة الاعلامية أن يغرقوا المتلقين من الجماهير في ملاهاة متعددة الأشكال والمضامين تنسيهم نعمة العقل والتفكير به فيما يعانون في حياتهم بسبب تضخم الأنا عند صناع القرار في بلادهم حتى لا يثورون عليهم وينتزعون كعكة السلطة ومغانمها منهم. أما في مجال الصراع العربي مع الصهيونية ومن يؤيدها من عواصم أجنبية: فإن صناع القرار في بلاد العرب قد ألزموا أجهزة الاعلام في بلادهم - بما فيها المملوكة ظاهريا للقطاع الخاص - بالدعوة المباشرة وغير المباشرة بفضيحة أن استراتيجيتنا ضبط النفس حرصا على السلام، وقد لعب المسئولون عن توجيه قناة الجزيرة في لندن وواشنطن - ولندن بالذات - الى الضغط على مصر باسم كرامة المحاربين مما دفع الاعلام القاهري الى الأكثار من تزويد اصرار السياسة المصرية على السلام مماأدى آخر الأمر الى شعور المصريين والعرب من خلفهم بروح الهزيمة والاستسلام للجبروت الأمريكي والطغيان الاسرائيلي وكأن هذا هو قدر جيلنا ومن سيأتي بعدنا حتى قيام الساعة. وهنا يبرز سؤال واجب: هل نحن العرب دون المستوى الأدنى الواجب توافره في امكانياتنا كعقول وثروات لتحقيق مانصبوا اليه من آمال؟ أم أن هناك قوى تفرض علينا قبول الدنية والاستسلام لعناصر أخرى تتفوق علينا من بني الانسان؟ في يقيني أن الاعلاميين قبل غيرهم يحملون أمانة تحرير الإنسان العربي من مشاعر الدنية التي يغرسها فينا المستعمرون وعملاؤهم منذ منتصف القرن التاسع عشر الى يومنا هذا، ولدينا من الاعلامي المصري الثوري القديم عبدالله نديم نموذجا للمناضل المثابر رغم هزيمة عرابي واحتلال مصر وخيانة الخديوي. وهنا.. يجب أن انبه الى أنني لا أريد من الاعلاميين اليوم ما كان شهيق وزفير الاعلاميين في الفترة القومية الناصرية، وانما اطالبهم في رجاء أن يجعلوا خطابهم الاعلامي المعاصر حافلا بفكر حر وفن هادف وأيضا مضحكة على نكتة معبرة في حدود ماتسمح به سياسات العواصم العربية بكل مانراه ويرونه معنا فيها من مهادنات ومساومات واستحذاءات و.. تنازلات. وأعرض هنا لبعض مايمكن تضمينه للخطاب الاعلامي المعاصر خالصا من شوائب أي اتهام بمعاداة السلطات ومناوأة السياسات. فأولا: يجب في مواجهة صلف التهديدات الاسرائيلية مثل الابقاء على الجولان واعادة احتلال سيناء أو تدمير السد العالي أن يبادر عن قدرتنا على رد أي عدوان وردع قوى المعتدين، ولا شك أن الامتناع عن عرض أفلام أمريكية مثلا تبين بشاعة الحروب وتفوق الانسان الأمريكي وحلفائه حربيا يوفر عند الجماهير حالة من الثبات والصمود وكل ماهو مطلوب من الشعوب عندما يتهدد أمنها الاعداء. وثانيا: يجب في مواجهة ماهو قائم ومتجدد من الخلافات العربية العربية مثل تداعيات عدوان صدام حسين على الكويت ووجود الجيش السوري في لبنان وتعاظم علاقة موريتانيا باسرائيل، ان يرتفع الاعلاميون الشرفاء ـ أكرر الشرفاء ـ عن الانزلاق مع غير الشرفاء في اشعال المزيد من نار الخلافات العربية العربية وقد أحسن الرئيس اللبناني أميل لحود عندما دعا اليه ملاك الأجهزة الاعلامية اللبنانية المختلفة وأخذ عليهم ميثاقا غليظا بوقف أي غمز أو لمز يتصل بالتواجد العسكري السوري في لبنان، راجيا أن يمضي على أثره من يدعون حرصهم على مصالح أمتنا ويبدأون مثلا مخططا اعلاميا يقضي تماما على مواقف صدام حسين من الكويت ومرارة الكويتيين من الغزو الذي قدم للولايات المتحدة الأمريكية المشرق العربي بمافيه فلسطين لقمة طرية شاركتها في أكلها الصهيونية الاسرائيلية. وثالثا: يجب في مواجهة انحسار المد القومي بعد هزيمة 67 ووفاة جمال عبدالناصر واتهام عواصم عربية عديدة لمصر والسادات بالخيانة، ومهازل انقسام الوطن العربي اثر جريمة صدام حسين أن يستعرض الاعلاميون بمختلف صور الاداء الحرفي قصص حروب دول أوروبا طوال القرون الخمسة الماضية، وكذلك ماعانت منه شعوبها من أطماع حكام وعداوات أسر ومؤامرات امراء وسقوط قتلى بعشرات الملايين وشهدت منهم الحرب العالمية الثانية أثنى عشر مليون قتيل، غير أنه ما أن وضعت هذه الحرب اوزارها حتى بدأت عملية التفكير في توحيد جهودها في استخراج الفحم والحديد وصناعة الصلب سنة 1945 وصولا الى الوحدة السياسية والنقدية هذه الأيام رغم اختلافات اللغة والمذاهب الدينية والقدرات الاقتصادية.. وفي يقيني أن مثل هذه البرامج التي تعالج تاريخ حروب دول أوروبا ثم قصة وحدتها رغم هذه الحروب أرفع وأثمن مايمكن أن يقدمه اليوم الاعلاميون الشرفاء بعيدا عن روث السياسات الاعلامية المعاصرة ومخاوف مناقشتها. ورابعا: يجب في مواجهة السيطرة المتزايدة للأجنبي على عواصم العرب واقتصادياتها وبالتالي سياساتها، أن يتضمن الخطاب الاعلامي المرجو دعم أي منتج عربي في مواجهة المنتجات الاجنبية التي تملأ الأسواق العربية حاليا وستغرقها في المستقبل القريب بحكم اتفاقيات تحرير التجارة العالمية، ولا شك أن قيام الاعلام العربي الشريف بدعم عمليات تسويق المنتجات العربية من خلال العصبية القومية يحتاج الى توفر شرط الجودة وشرط السعر الذي قد يتنازل عنه المشتري ذو الاتجاه القومي وكأنه ضريبة رفعة شأن العرب ودعم اقتصاديهم وتحرير ارادتهم. وخامسا: في مواجهة الحملة الشرسة للقضاء على الهوية العربية ببعدها القومي وانتمائها الفني ورموزها الفكرية والأدبية يجب أن يتضمن الخطاب الاعلامي العربي توجها بعرض متصل لا ينقطع في كافة الأجهزة الاعلامية العربية يعكس اخبار وانتاج الأدباء والشعراء والروائيين والمبدعين العرب من الخليج الى المحيط بهدف تكوين عقلية عربية متجانسة وشخصية قيادية تعي تماما كيف يفكر المثقف المغربي والجزائري والكويتي والسوداني والصومالي.. الى أخر قائمة بلادنا المختلفة، وهنا لا يفوتني أن أنوه ـ رغم قليل ضئيل من التحفظات ـ بالدور القومي الثقافي الذي تقوم به مجلة العربي الشهرية واصدارات المجلس الوطني للثقافة في الكويت منذ بدأه المرحوم الدكتور أحمد زكي وتلاه المرحوم أحمد بهاء الدين وتلاهما الدكتور محمد الرميحي والدكتور سليمان العسكري. وسادسا: في مواجهة مخاطر تزييف ارادة الشعوب العربية وآمالها في فرض مصالحها مستقبلا، يجب أن يتضمن الخطاب الاعلامي المرجو كل مايعمق الفكر الديموقراطي. هكذا ندلف الى الخطاب الاعلامي العربي، الواقع والمطلوب لا في ظل السياسات القومية للفورة الثورية أيام عبدالناصر، ولكن في ظل سياسات العواصم العربية المعاصرة بكل مافيها من سلبية في بلد واستجداء في آخر وكذلك مايبدو من حماقة بعض العواصم الاخرى مايزكم أنوف الواعين الاحرار من روائح التواطؤ التي تصدر عن بعض القصور. ان أول انطباع عن الخطاب العربي المعاصر انه اعلام محكوم بالسلطة.. حتى قناة الجزيرة في قطر وكذلك القنوات اللبنانية ذات الجذور الطائفية.. فقناة الجزيرة مثلا لا تهاجم وزير خارجية قطر على نشاطاته المتقاربة مع إسرائيل مثلما تهاجم مصر والأردن واحيانا المغرب بجانب التزامها بجانب الأدب في تعرضها للتأييد الأمريكي البريطاني لمطامع الصهاينة في فرض كل القدس عاصمة لاسرائيل.. ونعرض هنا لنسب تم رصدها لجانب واحد من دلائل القصور في الخطاب الاعلامي المعاصر والذي فرضته عمليات التمويل السلطوي لأجهزة الاعلام الباهظة التكاليف، فقد أوضحت دراسة دكتوراه مدى التهام الحكام لأكبر اجزاء المساحة الورقية أو الزمنية المخصصة لأخبار الأمة العربية كلها مهما كانت تفاهة تفاصيل تحركات واستقبالات هؤلاء المسئولين، وقد أكدت الدراسة أن 57% من هذه المساحة خلال ثلاثة شهور متتالية دارت حول رأس السلطة ومن يليه فيها وكذلك الوزراء، وقد رأت هذه الدراسة أنه كان من الأفضل اعلاميا وحكوميا أيضا اختصار هذه المساحة الى عشرها فقط تقديرا للحمل الاعلامي وحرفية التأثير والممارسة الحرة للعمل الوطني، ولتكن البداية بعرض رؤية الأديان لحريات الإنسان، وتاريخ الصراع البشري من أجل كرامة واستقلال ارادته مثل قصة الماجنا كارتا البريطانية وثورة فرنسا وشعارها الحرية والاخاء والمساواة وثورة المستعمرات الامريكية والحرب الأهلية أيام ابراهام لنكولن.. ونضيف على ذلك بعدا قوميا لقصص الثورات الوحدوية مثل وحدة ألمانيا بقيادة بسمارك ووحدة ايطاليا بقيادة ماتزيني وتمزق الولايات المتحدة وحربها الوحدوية بين الشمال والجنوب. وهذا قليل من كثير أنصح أن يتضمنه الخطاب الاعلامي العربي المعاصر.