مع تصاعد الإرهاب الإسرائيلي، وقف وزير خارجية أمريكا الجنرال كولن باول يطالب الإسرائيليين والفلسطينيين ببذل الجهود لوقف العنف، ثم ـ بخجل شديد ـ يتمنى على الجانب الإسرائيلي أن يتجنب إتخاذ إجراءات استفزازية ستؤدي إلى عدم استقرار الوضع مجددا مثل النشاط الاستيطاني وهدم منازل الفلسطينيين!! والاستفزاز الحقيقي هو موقف الإدارة الامريكية التي لا ترى في حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني إلا مجرد إجراءات استفزازية تتمنى أن تتجنبها إسرائيل! والاستفزاز الحقيقي هو أن تساوي الإدارة الأمريكية بين القاتل والقتيل فتطالب الجانبين بوقف (العنف) وتأسف لسقوط ضحايا من الطرفين، وهو موقف لا يعني إلا التواطؤ مع السفاح شارون في تنفيذ مخططاته التي لم تعد تتوقف عند تصفية المقاومة الفلسطينية وضرب الإنتفاضة وتفكيك السلطة، بل تتجاوزها لخلق حالة من الفوضى في فلسطين والدول المجاورة تسمح بموجة جديدة من إجبار الفلسطينيين الخروج من وطنهم، متصورا أن ذلك سوف يحل مشاكل إسرائيل ويفرض على العرب قبول الأمر الواقع الجديد. ولن نحمل من القول إن المسئولية الكبرى فيما يحدث الآن على أرض فلسطين وفيما سيحدث غدا في المنطقة كلها تقع على الإدارة الأمريكية التي حاولت في عهد كلينتون أن تفرض الحل الإسرائيلي وفشلت، والتي حاولت مع بداية عهد بوش الإبن أن تلعب دور، (شاهد ما شافش حاجة) وتترك شارون يفعل ما يريد، فكانت النتيجة تصاعد العدوان الوحشي من النازيين الجدد الذين يحكمون إسرائيل وصمود الشعب الفلسطيني رغم الظروف القاسية. وعندما اضطرت إدارة بوش للتدخل، كان تدخلها هو التواطؤ بعينه، وكانت ممارساتها هي التعبير عن التخبط والعجز عن التعامل مع الموقف الخطير في المنطقة ولأن التحرك الأمريكي الجديد لم يكن عن رغبة في إقرار السلام الحقيقي في المنطقة، فقد قاد الجميع إلى المأزق الحالي بنجاح عظيم! لقد أعطت الإدارة الأمريكية الحالية موافقتها على مخططات شارون لتصفية الإنتفاضة، متصورة أن هذا سيحقق لها الكثير من الأهداف:فهو يجنبها الصدام مع اللوبي الصهيوني الأمريكي ويكسبه إلى جانبها، وهو يخفض التوقعات الفلسطينية فيسهل فرض الحل الإسرائيلي عليه، وهو قد يغضب الشارع العربي قليلا ولكنه سيرفع الحرج عن الأنظمة العربية حين تنتهي الإنتفاضة ويتم إجبار القيادة الفلسطينية على تقديم التنازلات المطلوبة، وهو سيمهد الطريق لتطبيق المخطط الأمريكي لبقاء العراق تحت الحصار الأبدي وبالتالي بقاء الخليج تحت الإبتزاز الأمريكي ولم تتحرك الإدارة الأمريكية إلا عندما رأت أن شيئا من ذلك لم يتحقق : فوعد شارون بالقضاء على الإنتفاضة في مائة يوم إنتهى بإنتقال المقاومة الفلسطينية إلى قلب تل أبيب، والرهان على ضعف القيادة الفلسطينية وإمكانية إخضاعها لم يتحقق، والتعويل على ضغوط عربية لقبول الحل الأمريكي ـ الإسرائيلي إنتهت إلى توافق عربي على أن شارون يجر المنطقة كلها إلى كارثة. ولم تتحرك أمريكا إلا عندما أدركت خطورة الموقف، وأيقنت أن مصالحها في خطر، ومع ذلك فقد جاء تحركها قاصرا ومشبوها ومحكوما بالإنحياز لإسرائيل ولهذا فقد تركز على محاولات لتبريد الموقف على الأرض الفلسطينية، ريثما يتم تمرير العقوبات الذكية على العراق في مجلس الأمن. ورغم قبول السلطة الفلسطينية للشروط الأمريكية - الإسرائيلية، وإعلانها وقف إطلاق النار، ورضوخها للضغوط من أجل وقف ما تسميه أمريكا وإسرائيل بـ (العنف).. فقد كان الفشل هو المصير الحتمي للتحرك الأمريكي. كان الفشل محتوما لأن التحرك الأمريكي كان مرتبطا بقرار (العقوبات الذكية) الذي فشلت أمريكا في تمريره بسبب الفيتو الروسي وبسبب ما تراه مشروعها، ويبدو أن تصعيد العدوان الإسرائيلي وإمتداد التهديدات الإسرائيلية لأطراف عربية أخرى هو رسالة أمريكية جديدة تمهيدا لتحرك جديد على الجبهة العراقية! وكان الفشل الأمريكي محتوما لأن الخطة التي وضعها رئيس المخابرات الأمريكية تينيت لم تكن موضوعة للتطبيق بل للتبرير! ولأن ضعف الإدارة الأمريكية وعجزها أو عدم رغبتها في الصدام مع شارون كاد يبلغ حد الفضيحة مع موقف وزير الخارجية الأمريكي أثناء رحلة للمنطقة والتي وقف فيها أمام عرفات يعلن الحاجة لمراقبين لإطلاق النار، ويطرح جدولا أمريكيا لتطبيق الإتفاق، ثم إذا به يبتلع ما قاله ويعلن أمام شارون أن لم يتحدث عن مراقبين دوليين بل عما يتفق عليه الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي، ثم يؤكد أن شارون وحده هو الذي يقرر هل استتب الهدوء الكامل الشامل ليبدأ تنفيذ إتفاق تينيت أم لا !! والنتيجة أن المراقبين الدوليين لن يصلوا لأن إسرائيل لا تريد شهودا محايدين على جرائمها، وأن فترة الهدوء وبناء الثقة قد تحولت إلى أيام لاغتيال الشباب الفلسطيني وهدم المنازل وتشريد المزيد من الفلسطينيين والنتيجة الأهم هي سقوط المقترحات الأمريكية، وتراجع الإدارة الأمريكية عن الاقتراب من القضية، وكشف الضعف الفادح في الموقف الأمريكي من حكومة شارون والموقف الآن يزداد خطورة، وشارون ماض في طريقة وهو مسلح بالتأييد الأمريكي المبدئي لمخططاته، وبالسكوت على جرائمه، وبالتواطؤ ـ إذا إزداد الضغط العربي ـ لاعطائه المزيد من الموقف وإنتزاع المزيد من التنازلات الفلسطينية. الموقف الآن يزداد خطورة، وشارون يضيف إلى جرائمه قوائم الاغتيالات للناشطين الفلسطينيين وتدمير المنازل تمهيدا لتهجير المزيد من الفلسطينيين.. وواشنطن تكتفي بالأسف أو تصف هذه الجرائم بأنها استفزاز، ثم تكتف بالسكوت وحكومة شارون تهدد بضرب بيروت ودمشق، وتزداد تحرشاتها على الحدود المصرية. وقد نادينا في الأسبوع الماضي بخروج الحكومات العربية من حالة العجز التي تعيشها في مواجهة الموقف الخطير الذي يمثل العدوان الإسرائيلي المستمر والتواطؤ الأمريكي الفاضح. وقلنا إن تحركات العواصم العربية الثلاثة (القاهرة ـ دمشق الرياض) قد يكون مطلوبا وبسرعة لإبلاغ العالم كله رسالة عربية واضحة ترفض ما يحدث وتقدم رؤيتها للحل المطلوب والمقبول. وقد تلاحقت الأحداث في الأسبوع الماضي على هذا الطريق: ففي جده.. التأم وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي بدعوة من السعودية في إجتماع استثنائي لبحث التطورات الخطيرة في المنطقة ويجئ الاجتماع في أعقاب تصريحات ولي العهد السعودي الأمير عبد الله التي أدانت عدم قيام أمريكا بدورها في وقف العدوان الإسرائيلي، وفي أعقاب رفض المسئول السعودي الكبير دعوة أمريكا لزيارة واشنطن احتجاجا على الموقف الأمريكي. ولاشك أن واشنطن ستتلقي الرسالة الخليجية التي تعبر عن القلق من الموقف الراهن وتطالب بالتحرك السريع لمواجهته باهتمام يتفق مع حساسية الموقف في منطقة تضعها واشنطن ضمن أولوياتها وتدرك أن مصالحها فيها هامة وخطيرة، ولابد أن تتأثر من هذا التواطؤ الأمريكي مع إسرائيل. وفي القاهرة.. حذر الرئيس المصري مبارك إسرائيل من سياسة (البلطجة) التي يمارسها شارون، وأدان سياسة الاغتيالات والتصعيد وقال إن التهديد بإغتيال عرفات هو حديث عصابات إجرامية مسلحة، وطالب بوجود مراقبين دوليين .. والأهم أنه حذر أمريكا وأوروبا بأن مصالحها ستكون في خطر لو إستمر الوضع في التدهور. وهذه الرسالة الهامة ترافقت مع رسالتين خرجتا من القاهرة هذا الأسبوع، الرسالة الأولى ترفض ما أعلنه شارون عن الرغبة في تعديل معاهدة السلام مع مصر بدعوى أنها لم تحقق ما هو مطلوب،وترفض حديثه عن مناطق تنمية اقتصادية مشتركة على الحدود وتؤكد على أنه لا تطبيع إلا بعد السلام الشامل في المنطقة. والرسالة الأخرى تؤكد الفهم المصري للتحرشات الإسرائيلية الأخيرة وتؤكد أن القوات المسلحة المصرية جاهزة لرد أي عدوان وقادرة على دحره. وفي أوروبا كان الرئيس السوري بشار الأسد يعلن أن سوريا تملك وسائل أشد إيلاما لـ (إسرائيل) من مجرد الحرب، وهي رسالة تعرف إسرائيل معناها بعد تجربتها المريرة في جنوب لبنان. لكن الأهم هو حديث الرئيس السوري عن ضرورة تطبيق قرارات الشرعية الدولية حتى يمكن الوصول إلى حل شامل عادل، وإشارته إلى عملية (التقزيم) التي حدثت للجهود الدولية من أجل التسوية السياسية حيث أصبحت خطة تينيت بديلا لتقرير ميتشيل، الذي كان بديلا عن المبادرة المصرية ـ الأردنية. هذه الإشارة تعيدنا إلى ما نطالب به من ضرورة بذل جهد عربي لوقف التآكل في الموقف الفلسطيني والعربي، وإجهاض المخطط الإسرائيلي الذي يستهدف إغراق الفلسطينيين في التفاوض على التفاصيل ـ ثم تفاصيل التفاصيل لينتهي الأمر بهم بعيدا عن الأهداف الأساسية. لقد قطعت السلطة الفلسطينية منذ أوسلو وحتى الآن رحلة صعبة انتهت إلى المأساة الراهنة.. وبعد أن كان التفاوض يدور حول إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع بما فيها القدس اصبح التفاوض الآن من أجل بناء الثقة والحصول على إقرار شارون بأن الهدوء قد استتب وأن السلطة أصبحت مؤهله من أجل التفاوض حول إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الانتفاضة في 28 سبتمبر.. وكان هذا قد اصبح غاية المراد ومنتهى الطريق! إن الحديث يجب أن يتجه الآن، وفورا، إلى جهة واحدة هي البيت الأبيض الأمريكي، وبرسالة واضحة تقول: إنكم مسئولون عما يحدث الآن وعما سيحدث في المنطقة فبدون دعمكم ما كان لشارون أو غير شارون أن يستمر في عدوانه، وبدون دعمكم ما كان لهذا العدوان أن يمر بدون عقاب. إن العرب قدموا كل ما هو مطلوب من أجل السلام، والفلسطينيون تناولوا أكثر مما هو مطلوب، والنتيجة شراهة إسرائيلية نحو المزيد من الأرض والمزيد من الاغتصاب والمزيد من العدوان. الحل واضح وهو العودة للشروط التي انطلقت منها عملية التسوية السياسية، والتطبيق الأمين لقرارات الشرعية الدولية ولمبدأ الأرض مقابل السلام.وبدون ذلك لن يكون هناك حل، ولن يكون هناك إستقرار، وستوضع المنطقة كلها على فوهة بركان، وستتحمل الولايات المتحدة ـ قبل إسرائيل نفسها ـ مسئولية انفجار الأوضاع، وسيدفع الثمن الباهظ لتواطئها مع إسرائيل وهي تمارس عدوانها النازي على الفلسطينيين والعرب. إن كل وسائل الدعم سيتم تقديمها للشعب الفلسطيني حتى يحصل على حقوقه المشروعة، وحتى تمارس الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ما التزمت به، وتوقف حرب الإبادة الإسرائيلية وتفتح الباب للحل العادل الشامل . هذه الرسالة وحدها يمكن أن تضع الأمور في نصابها، وهي لابد أن تصور من جهة لها مصداقيتها وتمثيلها المشروع للأمة العربية، وإذا كانت القمة العربية بعيدة، والاستثنائية مستحيلة لأسباب يعرفها الجميع، فإن قمة مصرية ـ سورية ـ سعودية قادرة على أن تقوم بالمهمة، وتعلن الرسالة، وتضع الجميع أمام مسئولياتهم، وسوف يأخذها العالم كله بالجدية الواجبة لأنه يعرف أنها لن تكون رسالة استجداء، بل إعلانا يتحمل المسئولية ويطالب الآخرين أيضا بأن يتحملوها قبل فوات الأوان.