بهذه الاطلالة.. وهي الأولى من هذا المكان الأثير لدى القراء وايضاً الكتاب أكون قد أسقطت عن زميلنا ظاعن شاهين كل الاتهامات التي حملتها مشاكساتي له في كثير من الأيام والمناسبات على مدى السنوات، كنت أواجهه دائماً بتهمة التعصب الشديد للأقلام الرجالية وقصر هذه الاستراحة عليها رغم ان كلمة استراحة ـ كما تعلمون ـ مؤنثة وحق النساء فيها أكبر من غيرهم لأن الأقربين أولى بالمعروف ونون النسوة أو تاء التأنيث قاسم مشترك بين كل الاناث. وكنت ارى دائماً ان الاستراحة «ممنوعة» على النساء رغم ان لهن الحق في احتلال ولو ليوم واحد فقط بالطبع دون استخدام اسلحة الاحتلال الفتاكة لأن الاهم فيمن يطل على قراء «البيان» من هذه الاستراحة اليومية هو القدرة على الإمساك بخيوط الأفكار ليأتي مضمون هذه الاستراحة كما يشتهي القراء ومعهم القارئات بالطبع. ويبدو ان زميلنا العزيز أراد ان ينفي عن نفسه تهمة ألصقتها به، وان يحملني ـ خلال فترة اجازته ـ مسئولية لقاء اسبوعي أواجه فيه قراء وقارئات في صيف حار يحتاج لانعاش الذهن كبديل عن السفر الذي يرى فيه البعض احد عوامل هذا الانعاش الذي يمكن ـ في نظري ـ ان يتحقق دون سفر. وهكذا وجدت نفسي اليوم وجهاً لوجه مع قراء الاستراحة بينما الزميل ظاعن قد نال البراءة من تهمتي التحيز والتعصب لأبناء آدم على حساب «المسكينة» حواء وبناتها. والحقيقة التي لم يعرفها ابو محمد قبل سفره للاستمتاع باجازته هي ان قراره المفاجئ باسناد مهمة كتابة هذه الاستراحة اليّ جعلتني انتقل من حالة اتهامي له الى اتهام نفسي بالظلم لأني ادركت ـ وانا اجهز نفسي لاطلالة من هذا المكان ـ انني اول قلم نسائي يتجرأ على التواجد في هذا المكان الذي يمثل للقارئ او القارئة ـ واحة يستظل فيها من هجير الاحداث والاخبار ويلملم بسطورها شتات الافكار قبل ان يعاود خوض معارك الحياة ـ وهي لا تنقطع او تتوقف. وارتديت ثوب المسئولية وشحذت الفكر وقلبت الاوراق وادرت البصر بحثاً عن موضوع جاذب اكذب به كل الادعاءات والأقاويل بأن صيفنا حار مقبض.. وان سفرنا بعيداً ضرورة ملحة. والمدهش ان ما أكتب عنه اليوم ليس جديداً او طارئاً لكن يبدو ان جاذبية الاستراحة وسحرها قد أضاءت في ذهني لترشدني الى تناول جديد لصديقة الأمس واليوم وغدا.. انها النخلة رمز الخصب والعطاء.. ربما كان ذلك للتشابه الكبير بينها وبين المرأة. ومن حسن حظ اولئك الذين لن يغادروا ـ مثلي ـ خلال الصيف ان يكون لديهم ما يفاخرون به غيرهم ممن سافروا بالفعل، أو يعدون عدتهم لذلك. لقد فضلنا ـ ومعنا كثيرون غيرنا ـ البقاء هنا في ارضنا دون انسياق لتقليد غيرنا من عشاق السفر الصيفي، رغم ان عشق السفر ليس له مواسم كما نعلم، كما ان المحطات الثابتة او وجهات السفر المتكررة ليست عشقاً بل عادة اكتسبها البعض منا وحولوها الى قاعدة لا ندري الى اي شيء تستند، ومن حقنا نحن الذين بقينا في شهور الصيف ان نتحدث عن تميز هذا البقاء الذي يجعل حضورنا قوياً في كرنفال او مهرجان سنوي هو اقدم ما عرفته بلادنا في كل تاريخها من مهرجانات او كرنفالات ونعني به كرنفال الرطب. فمع قدوم الصيف يحين موسم «خرف» الرطب أي جنيه واذا كان الصيف ومنذ بدء الخليقة لم يخلف مع البشر موعداً فإن نخيل بلادنا ومنذ استوطن اهلنا هذه الارض قبل الاف السنوات، لم يضن علينا بكرمه او يخلف له موعداً. فالنخيل في صيفنا الحالي كان كريماً في عطائه، وفيراً في نتاجه، فجادت اشجاره بالثمر ذي الطعم الحلو والفائدة المؤكدة، في ألوانه بهجة وفي جنيه فرحة وفي اختلاف اشكاله وانواعه تأكيد لعظمة الخالق. وما دمنا نتحدث عن الرطب فلتكن رحلتنا معه منذ الانبات وظهور الطلع ثم تحوله الى «حبابو» ومنها يصبح «خلالا» ثم «بسراً» الى ان يصل الينا بعد ان يصبح «قارين» اعلاناً بقرب النضج فيبدأ الناس تناوله بكل شهية وفرح. وصحيح ان «النغال» هو الابن البكري للرطب لأنه ينضج مبكراً ويلحق به من يسافرون بعيداً قبل ركوبهم الطائرات المغادرة لكن الانواع الاخرى وهي كثيرة تكون دائماً مصوناً لمن بقي فوق تراب الوطن.. هؤلاء الذين يستمتعون وحدهم بمشاهدة كرنفال الرطب بأنواعه المعروفة: الخنيزي، الرطيبي، الخضراوي، اليبري، الخلاص، البرحي، بومعان، الغرض وهذا الاخير يقول عنه العارفون والخبراء من اهلنا انه «عمود الارض فهو كما يقولون «ان بعته غنّاك وان كلته هنّاك..» اما المتعة الحقيقية في كرنفال الرطب فهي في تلك الطقوس التي اعتدناها نحن اهل الامارات ولا يكتمل الكرنفال الجميل الا بها، فالرطب لا يحلو الا بمشاركة الاصدقاء والجيران كما انه يقدم ومعه اطباق اخرى شعبية اصيلة وموروثة منها «الجامي» او حبات «اليقط» او مع اللبن البارد وتكون ختام جلسات تناول الرطب بفناجين القهوة ذات النكهة الشهيرة بوجود الهيل والزعفران وماء الورد. وفي نفس موسم الرطب او كرنفاله، كما اطلقنا عليه، يجود علينا الصيف بثمار اخرى لاشجار الارض مثل «الهمبا» والليمون وشجرة اللوز التي تتحفنا كل صباح صيفي حار بثمارها الحمراء او البيضاء التي يتبادلها الجيران بحب ومودة ولو اني شخصياً اعترف بأن شجرة اللوز في بيتي قد بادرت دون تدخل مني الى معانقة بيت الجيران فجعلت فروعها واغصانها بيننا وبينهم كي نتقاسم ثمارها، كما نتقاسم الحياة في الصيف.. وكما نتشارك في خيرات هذه الارض وفي حبها ايضاً. ويبدو انني لن اختم هذه السطور الا بطرح فكرة تنظيم مهرجان او كرنفال للرطب تتبناه دبي.. صاحبة جزيرة النخيل وام المهرجانات الناجحة ومبتكرة المفاجآت ومنها بالطبع مفاجآت الصيف التي تؤكد ان حياتنا هي حياة لكل المواسم والفصول، فهكذا عاش اجدادنا وآباؤنا قبل ان يدركهم موسم الهجرة الى الشمال.