لماذا نشهد مع اندلاع الاحداث الكبرى في حياة شعوبنا هذه الغزارة في النتاجات الثقافية والفنية، متخذة لها عنوان المرحلة، ومسوّقة نفسها على أنها حاملة لواء القضية؟ تساؤل يدور في خلدي كلّما وقفت متأملاً ما تمر به شعوب أمتنا في فلسطين ولبنان فالعراق مروراً بكل الاقطار العربية الاخرى التي تعاني من الحصار والحروب الأهلية. وغالباً ما أقف عاجزاً عن التعبير او حذراً في الادلاء بأي كلام قد لا يكون في حجم او حقيقة او معنى الحدث انفد من هذه المقدمة لأعترف بأنني في أحايين كثيرة لم أتعاط مع التطورات اللصيقة بي بالشكل الذي يسود دائماً، حيث تنبري الاقلام بكل فئاتها ومستوياتها لطرح ما لديها حول ما يجري من تطورات على صفحات الصحف وفي وسائل الاعلام والمنابر المختلفة. هذا الامر الذي قد يصفه البعض بالقصور أو الانكفاء أسميه احتراماً للحدث، ومازلت غير مصدق نفسي حين تناهت اليّ وأنا في غربتي الأخبار والمشاهد المصورة عن تحرير جنوب لبنان، ولم أفعل أو أكتب شيئاً عن هذا الانجاز العظيم. وربما هذا الشعور ينتاب الكثيرين لكني اعود للتساؤل الذي بدأت به عن جدوى هذا التهافت على ركوب الموجة من كل حدب وصوب، وان كنت استوعب جيداً أهمية الاقلام المعبرة على الدوام عن نصرة قضايا مجتمعاتها وهموم شعوبها. وتالياً.. ما القيمة التي تحملها غالبية الأعمال التي تتحدث عن القضية فقط لمجرد الحديث عنها؟! أغنيات كثيرة أنشدت من أجل فلسطين ولبنان ومصر وغيرها من أقطارنا الممتدة من المحيط الى الخليج.. ما الذي بقي منها في الذاكرة والحناجر؟ قصائد كثيرة كتبت عن القضية والانسان.. فما الذي يدفعنا منها الى قراءتها مجدداً؟ ومثل هذا الكلام يحيلنا الى قضية اساسية انه حين يرتكز الفعل الابداعي في قوته على أهمية الحدث، فإن ذلك لا يساعد على كشف قيمته، بل على العكس يسهم في حجبه، وغالباً ما تتسبب المباشرة في الطرح بتدني المستوى الفني للعمل الابداعي، هكذا نرانا نقرأ آلاف القصائد عن حب الوطن والقضايا الكبرى، لا نجد فيها ومضة شعر، فيما تتحفنا قصائد تعد على أصابع اليد الواحدة بامتلائها وفيضانها الشعري. وبكلمة اخرى، لم تكن الموضوعات ولا مرة، هي التي تأخذ بيدي الكاتب، بل كان الكاتب في كل آن هو الذي يأخذ موضوعاً معيناً ولو كان عاماً وبسيطاً فيمنحه حياة او روحاً جديدين. وان اختصاص كاتب بموضوع ما، لا يتم بمجرد رغبة لدى هذا الكاتب في تناول الموضوع. بين الغث والسمين خيط رفيع، فهل من يأخذ في الاعتبار حساسية الرأي العام ويحترم عقل المتلقي، ويدرك ان موضة ركوب الموجة قد تطيح بالسائرين على نهجها. ويبقى السؤال الكبير: هل ثمة كتابات ساهمت في صناعة الأحداث؟!