ليس من المبالغة التأكيد بأن العد التنازلي لسقوط أرييل شارون قد بدأ. لقد أعطى التجمع الصهيوني في فلسطين المحتلة السفاح آرييل شارون فرصة زمنية ذهبية، حددها شارون، بنزقه، حين توعد الشعب الفلسطيني باغتيال انتفاضته الشعبية الراهنة، في مدى مئة يوم وحسب. ماجعل شارون يتخطى هذه المدة، منذ أكثر من شهر، وأصبح لزاما عليه أن يغادر مقعد رئيس الوزراء في الكيان الصهيوني، غير مأسوف عليه. وهاهي الأيام تمر، دون أن تتوقف الانتفاضة، أو يتوفر الأمن لاسرائيل والإسرائيليين، بل إن معدل القتلى الاسرائيليين قد ارتفع ازاء الشهداء الفلسطينيين، منذ أعلن الرئيس عرفات عن ما أسماه (الوقف الفوري لاطلاق النار)، في 26 الماضي. فبينما كان هذا المعدل 5:1 لصالح الاسرائيليين، فإنه تحول الى 2:1، بعد (وقف اطلاق النار الفوري)؟ لقد كان سقوط شارون حتميا، ومنذ وطئت قدماه مقر رئاسة الوزارة في اسرائيل، أولا أن شارون لم يقرأ الانتفاضة جيدا. وثانيا فإنه تجاهل الموقف الأمريكي والأوروبي، الذي لم يرحب بوصول شارون الى سدة الحكم في اسرائيل، لأن أوروبا تعمل من أجل تسوية ما للصراع العربي ـ الاسرائيلي، تستعصي مع وصول شارون الى رئاسة وزراء اسرائيل، فيما تسعى الادارة الأمريكية الى الأمر نفسه، مع ازدياد قلقها على مصالحها في الوطن العربي، التي تتعرض لمزيد من التهديد مع استمرار الانتفاضة الفلسطينية، أو قمعها على نحو وحشي. وثالثا فقد زاد الطين بلة، حين اختار شارون حكومة اجماع صهيوني تحت رئاسته، فأتى بخصومه الى حقله، حيث يحلم حزب (العمل) بإفشال مهمة شارون في اغتيال الانتفاضة، ليس حبا في الشعب الفلسطيني، أو انحيازا الى قضيته الوطنية، بل كي يطيح (العمل) بشارون، ويمهد المسرح للعودة الى الحكم في اسرائيل، من جديد. خاصة وأن انتخابات رئيس جديد لهذا الحزب ستجري في سبتمبر المقبل، حيث تنحصر المنافسة بين ابراهام بورج وديفيد بن اليعازر. وان كانت الكفة تميل لصالح الأول، وهو رئيس سابق للوكالة اليهودية، والرئيس الحالي للكنيست. على أن العاملين على افشال شارون لا يقتصرون على (العمل)، والعامل الدولي، بل يتعدوهما الى حلفاء شارون و(الليكود)، المتمثلين في الأحزاب الدينية الاسرائيلية، التي تتوهم بأن فشل شارون في مهمته تلك سيفضي الى أن ينتقل زمام المبادرة الى يد تلك الأحزاب، حتى تأخذ فرصتها، بعد اخفاق اليمين واليسار العلمانيين في اسرائيل، مما يوفر فرصة ذهبية أخرى لتلك الأحزاب لوضع برنامجها موضع التطبيق، والمتمثل في الترانسفير (الطرد الجماعي للشعب الفلسطيني في بلاده)، وتطهير الدولة الصهيونية، عرقيا، ودينيا. في السياق نفسه ثمة خصومة مزاحم شارون على رئاسة (الليكود)، بنيامين نتانياهو، الذي يتمنى لمهمة شارون تلك عدم النجاح. فمثل هذا النجاح سيكون على حساب نتانياهو، وتاريخه السياسي، أغلب الظن، مرة والى الأبد. ولنتانياهو أنصار كثر في (الليكود) والوزارة الاسرائيلية، على حد سواء. وفي الوقت الذي تتضافر فيه هذه الجهود فإن شعبية شارون آخذة في الهبوط السريع داخل اسرائيل، مع انقضاء المزيد من الأيام على انتهاء مهلة المائة يوم إياها. واذا ما انتقلنا الى العامل الدولي، فسنلاحظ مدى استياء أوروبا من وصول شارون الى رئاسة وزراء اسرائيل، الأمر الذي تجلى في غير موضع، لعل أولها ذلك الفيلم التلفزيوني، الذي عممته، قبل أيام، فضائية BBC الانجليزية، على أوسع نطاق في العالم، وهو دليل ادانة آخر لشارون على تدبيره مذبحة صبرا وشاتيلا المروعة، ضد الشعب الفلسطيني في لبنان، خريف 1982. أما التجلي الثاني لاستياء أوروبا من شارون فلعله تلك المحاكمة التي نصبت لشارون في بلجيكا، ما اضطر شارون الي استبعادها من جولته الأوروبية الاخيرة، حتى لا يقع في اسار الشرطة ورجال التحقيق هناك! فيما كان التجلي المهم الثالث للاستياء الأوروبي موقف حكومات الأقطار الأوروبية التي زارها شارون، مؤخرا، وخاصة فرنسا وألمانيا، اللتين اعترضا، على نحو لا لبس فيه، على خطط شارون في مواجهة الانتفاضة. ولم يجر هذا كله دون ارتياح الادارة الأمريكية، إن لم يكن تشجيعها. وهي التي سبق لرئيسها أن أبلغ شارون، علنا وأمام كاميرات الصحفيين، في واشنطن، اعتراضه على التوسع الاستيطاني الاسرائيلي. على انه ماكان لكل هذه الضغوط من حول شارون أن تؤتي أكلها، لولا جسارة الشعب الفلسطيني، وتصميمه على تحقيق طموحاته الوطنية المرحلية، المتمثلة في الدولة المستقلة على كل الضفة الغربية وقطاع غزة، وعاصمتها القدس، الأمر الذي تجاوب معه الرئيس عرفات، فأصبح أكثر تصميما على رفض التوقيع على اتفاق نهائي مع اسرائيل، وأن يعطي مكسبا كبيرا، مثل (الاتفاق النهائي)، لسفاح، مثل شارون. وبعد، فإن سقوط شارون لن يقترن بانتصار الانتفاضة، ذلك أن محددات سقوط السفاح تتقاطع ولا تتطابق مع محددات الانتفاضة، وبالتالي شروط انتصارها، التي لم تتوفر بعد، وفي المقدمة منها الدعم العربي المجدي، والوحدة الوطنية الفلسطينية، على أساس استراتيجية مقاومة طويلة المدى، تدار من قبل قيادة جماعية، تسيجها الديمقراطية. ـ كاتب فلسطيني