صادقت القمة الاسلامية بالدوحة في نوفمبر الماضي على مجموعة من القرارات الحاسمة وركزت اجهزة الاعلام على العديد منها باستثناء موضوع واحد ألا وهو تنظيم ندوة كبرى في سنة 2003 حول عصر المعلومات وانعكاسات الثورة الاتصالية على المجتمعات الاسلامية، وكانت القمة محقة في اتخاذ هذا القرار الذي سيذكره لها التاريخ. ذلك ان ثورة المعلومات سوف تتواصل في بداية القرن الحادي والعشرين ولن تكسب كامل مقوماتها الا عندما يبلغ الانسان المستوى الذي يمكنه من تحريك جوارحه وتفعيل كامل حواسه عن بعد، مرورا بتملكه لتقنيات نقل الرائحة والطعم واللمس الى جانب الاستماع والمشاهدة عبر شبكات الاتصال على مختلف اشكالها. آنذاك تتيسر امكانية محاكاة الواقع ويصبح الانسان قادرا على سماع ما يقال بعيدا عنه ومشاهدة ما تعجز العين عن رؤيته مجردا وشم رائحة العطور المعروضة على الشاري عبر الشاشة الصغيرة وتذوق طعم الاكلات الشهية التي توحي بها الاعلانات التلفزيونية وتلمس نعومة المنسوجات الحريرية وغيرها المعروضة للبيع عبر الشبكات الالكترونية وذلك بالاضافة الى الحواس الاخرى. آنذاك يتحرك الانسان وكأنه قادر على تفعيل كامل حواسه ومشاعره عن بعد، وهذه المظاهر هي التي يتعين اخذها بعين الاعتبار لكل استشراف بعيد. لقد ورد في كتاب بيل جيتس «طريق المستقبل» انه سيصبح بالامكان محاكاة الواقع بكل اوجهه، وسيتيح لنا ذلك ان ننتقل الى اماكن وان نقوم بأعمال لن يتسنى لنا ابدا بلوغها بأية طريقة اخرى، ويتمثل الامر في جعل المعلومات المنقولة مقنعة لحواس المستخدم. ومعلوم ان السمع هو الحاسة الاكثر قابلية للخداع ويليها البصر. اما التفاعل الخداعي مع بقية الحواس فهو اصعب من ذلك بكثير، اذ لم يتوصل البحث الى ايجاد طرق مناسبة لربط الكمبيوتر بالأنف وباللسان او بسطح بشرة الانسان، غير ان ذلك لن يستعصي بعد عقود قليلة. ففي حالة اللمس تتمثل الفكرة السائدة الآن في صنع بدلة تغطي كامل الجسم وتكون ذات احساس دقيق، وبالتالي يكون قابلا للاستنساخ. ويرى بيل جيتس ان هذا الحل المنطقي يمكن تجاوزه بالاستناد الى ما ذهب اليه «الخيال العلمي السيبرناطيقي». وبدلا من ارتداء البدلة المذكورة قد يتيسر اشراك كافة الحواس والجوارح من خلال ربط الكمبيوتر مباشرة بجسم الانسان في مستوى الاجهزة العصبية المركزية، وسينجم عن ذلك اشكال وصيغ جديدة الابداع تتجاوز بدرجة كبيرة ما نعرفه اليوم. وسيصبح بالامكان محاكاة الواقع بمختلف مظاهره، وستتيح لنا تقنيات الواقع الافتراضي التنقل بأماكن لا يتسنى لنا بلوغها بأية طريقة اخرى وتحقيق اهداف طالما راودت مخيلتنا ولم نقدر عليها حتى اليوم. ولكي نؤدي المحاكاة بنجاح، فإننا نحتاج الى مجموعتين مختلفتين من التكنولوجيات: البرمجيات التي توفر المعلومات الجديدة وتوصف المظهر بكامل تفاصيله من حيث الصوت والصورة وجو العالم المصطنع، والاجهزة التي تتيح للكمبيوتر امكانية نقل هذه المعلومات. وبامكاننا منذ الآن كتابة البرامج المطلوبة للواقع الافتراضي لكننا نحتاج الى طاقة اكبر من القدرة الكمبيوترية لكي نجعل هذا الواقع قابلا للتصديق، على ان هذه القدرة ستصبح في ضوء تسارع التقدم التكنولوجي متاحة في القريب ومقنعة لحواس المستخدم. ويقول بيل جيتس ان السمع هو الحاسة الاسهل قابلية للخداع وكل ما عليك ان تفعله هو ان ترتدي سماعة رأس فتسمع همسا في اذنك اليسرى او وقع اقدام تسير خلفك بدرجتين بينهما تفاوت ضئيل بالنظر الى ان كلا منهما تحتل موقعا وتشير الى اتجاه على جانبي رأسك وأنت تستخدم هذه الفوارق لا شعوريا في تحديد من اين يأتي الصوت. اما العين فإن خداعها اصعب مقارنة بالاذن، ومع ذلك فإن الرؤية تظل غير ممتنعة على علم المحاكاة اذ تتضمن معدات الواقع الافتراضي مجموعة خاصة من النظارات مزودة بعدسات تركز كل عين على جهاز العرض الكمبيوتري الخاص بها ويتيح «مجس تتبع حركة الرأس» للكمبيوتر اكتشاف الاتجاه الذي يواجه الانسان ومن ثم يمكن للكمبيوتر ان يؤلف ما سوف يراه فاقد البصر، ويتمثل المشكل في ثقل نظارات الواقع الافتراضي المتوافرة اليوم وفي كلفتها الباهظة، كما ان نظم الكمبيوتر التي تشغلها لا تزال بطيئة بدرجة كبيرة. وقد جاءت المجلات العلمية الصادرة في الاشهر الاخيرة مؤكدة قدرة الطب على اعادة البصر لمن فقد هذه الحاسة، ومن خلال كاميرا صغيرة مرتبطة بدماغ الانسان في شكل نظارات. وذكرت مجلة انترنت الصادرة في شهر ابريل 2001 بالامارات ان الروائح الرقمية عبر الحاسوب والاجهزة التلفزيونية التفاعلية سوف تشم قريبا في كل بيت وستبث حوالي مئتي رائحة حقيقية اي ثلث عدد الروائح الفعلية التي تؤلف بيئتنا اليومية. فلنتصور من الآن انعكاس ذلك على نسق تطور الاقتصاد اللامادي من حيث انتاج التجهيزات الملائمة للارسال والاستقبال او النشاط الاشهاري والاعلاني وسوق العطور الخ. ويبقى المشكل الحقيقي متمثلا في صعوبة التعامل الخداعي مع حاستي الذوق واللمس، وذلك لأنه ليست هنالك طرق مناسبة لوصل الكمبيوتر باللسان او بسطح البشرة. فبالنسبة الى اللمس، تتمثل الفكرة السائدة الآن في انه بالامكان صنع طقم خاص يغطي كامل الجسم مغطى بمجس دقيق، وأجهزة تغذية، بحيث تكون على اتصال بسطح البشرة بأكملها، فإذا كان بالطقم عدد كاف من «اللمسات» واذا ما كان هناك تحكم كاف فيها فإن اي احساس لمسي يمكن ان يستنتج، وإذا ما سجل عدد كبير من اللمسات في وقت واحد وبنفس الدرجة من العمق فإن «السطح» الناتج يمكن ان يعطي احساسا بالنعومة، كما لو ان قطعة من المعدن المصقول لامست بشرة الانسان. اما اذا كان هنالك ضغط بدرجات متفاوتة من العمق فربما جاء الاحساس بنسيج خشن. ومن المعتقد انه حالما يتمكن احد المخترعين من صنع الطقم اللماس الاول، فإن الكمبيوترات الشخصية لن تجد مشكلة في ادارته، غير انه لا يستبعد ظهور حلول اخرى اقل تعقيدا وأيسر تطبيقا. ومن ذلك ارتداء بدلة ذات مجس دقيق تغطي كامل الجسم بحيث يكون الاحساس قابلا للاستنساخ والانسان قادرا على اللمس من خلال ربط الكمبيوتر مباشرة بالأجهزة العصبية المركزية، وسوف يحتاج العلماء الى فترة من الزمن لكي يكشفوا طريقة ذلك الانجاز. اما بالنسبة للذوق فإن نتائج البحوث لن تتأخر طويلا لتنزل الى السوق، وفي هذا الاتجاه كتبت الفيلسوفة المعاصرة دونا هارواي ان علوم الاتصال والبيولوجيا تلتقي في كثير من المجالات، اذ هي تتمثل في مركبات من الاشياء والمعلومات المتصلة بالطبيعة وبالتقنيات قد يعجز الانسان عن الفصل بينها، وذلك لأن الآلة اصبحت تتعايش مع العقل والجسم وان التكنولوجيا تنشيء نماذج حياتية معقدة لا يمكن تجسيمها والتعبير عنها الا بالاعتماد على هذا التفاعل. لذلك فإن التنظيم المادي العالمي سينصهر في عملية التجديد للحياة اليومية وسيكون الانتاج الفكري مندرجا في هذا التعايش الحميم، من هنا تتجلى اهمية علاقة الانسان بمحيطه وبالمناخ الذي يعيش فيه سواء كان واقعيا او افتراضيا. ان الخيال سيصبح عنصرا اساسيا بالنسبة الى كل التطبيقات الجديدة. وان هناك ما يكفي من الاسباب للاعتقاد بأن عباقرة من طراز جديد سيسخرون التكنولوجيا الراهنة لما هو اعظم مما نشاهد اليوم. الا ان المهم لرجل السياسة هو استكشاف مختلف الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي سيواجهها المجتمع عندما تفاجأ الانسانية بمثل هذه الاختراعات، اذ ستكون الثورة الاعلامية متواصلة بتطور مختلف الخدمات عن بعد وانعكاس تقنيات الدعاية والاعلان من خلال حاسة الشم والذوق واللمس. ولا يمكن الاستخفاف بذلك لما سيكون لهذه الاكتشافات من تأثير عميق على المجتمع. ـ خبير اعلامي عربي