دولة (قمعستان) ليست نكتة مصرية.. أو صورة منقولة عن كتب البيان.. فأرض (قمعستان) جاء ذكرها في معجم البلدان.. وأن من أهم صادراتها حقائب جلدية مصنوعة من جلد الانسان.. الله يا زمان.. المواطن في دولة (قمعستان) لا يجلس على المقهى حتى لا تطلع له الدولة من غياهب الفنجان.. يخاف أن يقترب من زوجته قبيل أن تراقب المباحث المكان.. يخاف أن يدخل أي مسجد كي لا يوصف بأنه يمارس الايمان.. كي لا يقول المخبرون أنه يتلو سورة الرحمن. إنها دولة ليس لها شوارع وأرصفة ونوافذ وجدران.. ليس لها جرائد غير التي تطبعها مطابع السلطان.. دولة ليس لها عنوان.. من يقوده الحظ إليها يرحمه الرحمن. قبل أكثر من 15 سنة كتب (نزار قباني) هذه السطور في قصيدته الشهيرة) تقرير سري جدا من بلاد قمعستان.. (وحار الناس في معرفة هذه الدولة.. وضربوا أخماسا في أسداس.. لكن.. عندما سيطرت جماعة) طالبان (على أفغانستان لم يتردد أحد في أن يقول أنها بلاد (قمعستان). في الاسبوع الماضي وعلى امتداد 22 صفحة صاغت مجلة (نيوزويك) الأمريكية تقريرها الصحفي الجاد والجذاب عن أسوأ دول العالم في كافة نواحي الحياة.. وبدأت بـ(قمعستان) أو (أفغانستان) واعتبرتها أسوأ دولة يمكن أن تعيش فياه امرأة.. فمنذ أن استولت حركة (طالبان) على عاصمتها (كابول) في عام 1996 وممنوع على النساء الخروج من البيت حتى لو متن من الجوع أو من المرض.. إن هناك 40 ألف أرملة فقدن أزواجهن في الحرب الأهلية التي استمرت حوالي 20 سنة ويعشن على الصدقة ومنهن مدرسات وطبيبات.. بل وهناك أيضا وزيرة سابقة لا تجد قوت ساعتها.. ولا يفرض قانون (طالبان) بقاء النساء في بيوتهن فقط وإنما يجبرهن على دهان النوافذ باللون الأحمر حتى لا يقترب أحد منها.. لكن المرأة الافغانية لم تستسلم لهذا القهر.. فقد انتشرت المدارس السرية المنزلية التي تمولها الجماعات الأهلية الأوروبية.. هناك 500 مدرسة من هذه العينة توفر التعليم لما يقرب من 37 ألف فتاة.. يتعلمن وكأنهن في تنظيمات خفية تحت الأرض.. وينتظرن الموت شنقا لو كشف أمرهن.. فالعلم نور.. والنور في(قمعستان) رجس من عمل الشيطان. ولو كانت (أفغانستان) أسوأ مكان يمكن أن تعيش فيه فإن (سيراليون) أسوأ مكان يمكن أن يعيش فيه طفل.. فالأطفال هناك وقود قذر للحروب الأهلية التي تجاوزت العقدين.. فالجماعات المسلحة تقوم بخطف الأطفال وهم دون العاشرة.. وتغتصب الفتيات.. ويحقن الأولاد بالمخدرات.. لتبدأ بعد ذلك عمليات التدريب على الوحشية.. فيجبرون على قتل ذويهم أو تقطيع أعضائهم.. وفي المعارك العسكرية العنيفة يدفع الأطفال الى القتال تحت تأثير المخدرات التي توضع في شريط لاصق وتدخل الجسم عن طريق جرح في الوجه.. إن هناك 10 آلاف طفل تعرضوا لهذه الجريمة غير المسبوقة في تاريخ البشرية.. ويقول أحدهم وكان تحت تأثير الكوكايين وأقراص الأمفيتامين: (إنني أرى الناس كالدجاج والجرذان وأستمتع بقتلهم.. إنهم حيوانات).. ولو حاول أي طفل الهروب من هذا الجحيم فإنه يعلق من رقبته على شجرة حتى يكون درسا لغيره.. أما أسوأ مكان يمكن أن يعيش فيه (رجل أبيض) فهو روسيا.. فقد انخفض متوسط عمره من 64 سنة الى 60 سنة.. وحقق أكبر معدل للانتحار في أوروبا.. وهي 2.5%.. وهو ما يعني تدهور عدد سكان روسيا خلال الخمسين سنة المقبلة من 146 مليونا الى 115 مليونا.. وعلى رأس أسباب ما جرى للرجل في هذه البلاد التي انهارت امبراطوريتها الشيوعية بسرعة غير متوقعة.. الفقر وإدمان الكحول والبطالة والإيدز والسل.. إنه يتناول في المتوسط 4 جالونات من المشروبات الكحولية في العام.. أي ضعف الرجل البريطاني الذي كان الأكثر ترنحا في العالم.. ويدخن 70% من البالغين في روسيا.. وهي نسبة لا توجد في أي مكان آخر.. لكن اذا كانت الدولة هناك قد تفتت وتناثرت مثل شظايا الزجاج المكسور فلماذا يبقى مواطنوها على ما كانوا عليه؟ وتعد ايران أسوأ مكان بالنسبة للصحفيين.. لقد وعد رئيسها محمد خاتمي منذ ثلاث سنوات بأن تنال الصحافة حريتها وأن تكتب وتنشر بلا حدود وبلا قيود.. وتحمس عشرات الناشرين يصدرون صحفا بالعشرات.. لكن سلطان المتشددين كان أقوى من سلطان الرئيس المنتخب فبدأت طوابير الصحفيين تعرف طريقها لجهات التحقيق والمصادرة وانتهى الأمر باغلاق 30 صحيفة وسجن 65 صحفيا.. وخرجت مظاهرات غاضبة وضع فيها الصحفيون شرائط البلاستر اللاصقة على أفواههم.. وقد زرت ايران في الشتاء الماضي وشهدت تجربة لا أتصور تكرارها.. فخلال أيام قليلة قضيتها في فندق (الاستقلال) في (طهران) سمعت عن غلق 3 صحف والتحقيق مع خمسة صحفيين بخلاف اختفاء خمسة آخرين.. وهي أرقام قياسية تستحق التسجيل في موسوعة (جينيس) للأرقام القياسية. وتعد إندونيسيا أسوأ دولة بالنسبة لرئيس.. إن الأطفال هناك لا يحلمون بالحكم.. ولا بالسلطة.. إن الغالبية العظمى منهم يريدون أن يصبحوا مهندسين وأطباء ورجال بنوك.. فهذه مهن لها مستقبل.. أما مهنة الرئيس ـ التي لم يخترها سوى نصف في المائة من الصغار ـ فليس لها مستقبل.. ولا أحد يمكن أن يصدق ذلك إلا إذا شهد التجربة التي شهدتها بنفسي في زيارتي الأخيرة (جاكارتا).. فقد كان الرئيس (عبدالرحمن واحد) هدفا شهيا لكل أطراف اللعبة السياسية في البلاد.. البرلمان والصحافة والأحزاب والشرطة والجيش والجمعيات الدينية.. والحركات الانفصالية.. وعلى المقاهي وفي الملاهي الليلية يتندر الناس على تمسكه بالسلطة رغم كل ما يتعرض له.. وقبله خرج مكروها مذلولا من السلطة الرئيس (سوهارتو) بعد أن قضى فيها 32 سنة وإن كانت أسرته قد نهبت من ورائه 40 مليار دولار.. وقبله خرج من السلطة الرئيس (سوكارنو) ورغم أنه كان محبوبا إلا أنه لم يستطع أن يعالج مشاكل الفقر المزمنة التي سادت البلاد.. إن نصف قرن من الفساد والديكتاتورية كان كفيلا بأن تسود الفوضى كل مؤسسات الدولة وتفجر متاعبها وتبرز نقاط ضعفها.. ومن ثم يصبح من الجنون أن يفكر أحد في أن يصبح رئيسا لهذه البلاد التي تجمع كل المتناقضات وتجعلها تتعايش مع بعضها البعض بالقوة والقسوة. ولو كانت إندونيسيا - التي تقع بالقرب من خط الاستواء - بلادا مشمسة يزدهر فيها الدفء فإن بريطانيا هي البلاد التي تعيش في الضباب ويندر أن تعرف السخونة.. ومن ثم فهي أسوأ مكان في العالم يمكن أن يعيش فيه إنسان يعشق الشمس.. لقد ارتفعت درجة حرارة العالم بمقدار نصف درجة مئوية ولكن بريطانيا كانت البلاد الوحيدة التي تنخفض فيها درجة الحرارة.. كما أنها شهدت طوال الاثني عشر شهرا التي تنتهي في مارس الماضي أكثر فترة هطول أمطار منذ التأريخ للأرصاد الجوية في عام 1766. وصاحبت الأمطار عواصف وفيضانات هائلة خاصة في الجنوب وهو ما أثر على الزراعة والسياحة والحياة في المناطق الساحلية.. لكن الصناعة الوحيدة التي ازدهرت في تلك الفترة كانت صناعة المظلات. على أن الشمس وحدها لا تكفي لبقاء الانسان على سطح الحياة.. إن بلدا مثل الكونغو من أكثر بلاد العالم دفئا.. لكنه أسوأ بلد يعاني من انهيار الرعاية الصحية.. فهناك طبيب واحد لكل 120 ألف نسمة.. ولا يتوافر البنج في غالبية العمليات الجراحية.. بل لا تتوافر أجهزة الأشعة.. وأحيانا لا تتوافر الأسرة.. وقد دفعت ثلاث سنوات من الحرب الأهلية نحو 10 ملايين من البشر لترك قراهم والعيش في الغابات.. ونتيجة لذلك يموت 3 ملايين سنويا من مجموع السكان البالغ عددهم 52 مليونا.. ويموت نصف المواليد قبل بلوغهم السنة الأولى من عمرهم.. وفي بعض المقاطعات يموت ثلاثة من كل أربعة أطفال قبل بلوغهم الثانية من عمرهم (إنهم يموتون بلا سبب.. وليس الأطفال وحدهم.. إن الجميع يموتون.. لأنه لا شيء في هذه البلاد يدفع الى استمرار الحياة). وليست الكونغو فقط البلد الافريقي الوحيد الذي يقع في قائمة الأسوأ.. ففي قائمة الدول الأكثر بؤسا توجد سيراليون في المرتبة الثالثة بعد كوريا الشمالية وأفغانستان.. ثم بعد سيراليون تأتي السودان وأنجولا.. ثم طاجيكستان والكونغو وألبانيا وهايتي والعراق. وليس الفقر وحده الشئ المروع في أنجولا بل التناقض الحاد بين الجوع حتى الموت والشبع حتى التخمة.. فثروة البلاد التي تزيد عن ثلاثة مليارات تأتي من تصدير النفط تذهب كلها الى جيوب السياسيين المفسدين.. ولا يصل منها دولار واحد الى جيوب الطبقات الدنيا.. ومن ثم فهي الدولة الأسوأ في كشف التناقض الفادح بين الثراء الكافر والفقر الكافر.. ويتجسد هذا التناقض في الشوارع الرئيسية في العاصمة (لواندا).. فبجانب المقر الفاخر لشركة البترول العملاقة (توتال فينا إيلف) يقوم أطفال مشردون بتشييد بيوتهم في أربع سيارات خردة مهجورة.. فقد أزاحوا المقاعد وغطوا السيارات بقطع من البلاستيك والورق المقوى والصفائح المعدنية.. وحولوها الى بيت لهم.. وسمحت إحدى السيارات باقامة طابق ثان.. وسكنت مجموعة أخرى من الأطفال في مواسير المجاري.. وأخر فضائح البلاد تتمثل في زيارة خاصة قامت بها السيدة الأولى (آنا بولا دوس سانتوس) الى البرازيل استمرت خمسة أيام وذكرت الصحف هناك أنها أنفقت في نصف نهار 75 ألف دولار على مشترواتها وهو ما يعادل الميزانية السنوية لبرنامج قروض صغيرة تشرف عليها (آنا سانتوس) لمساعدة الأنغوليات الفقيرات. وفي افريقيا أيضا أسوأ مكان يمكن أن تعيش فيه شجرة وهو مدغشقر فقد دمر 87% من الغابات الاستوائية هناك.. وهو ما يؤدي الى اختفاء 150 ألف فدان من الأشجار سنويا.. ولا يعاقب من يرتكب هذه الجريمة في حق البيئة إلا بدفع غرامة لا تزيد على 10 آلاف دولار.. وغالبا ما تدفع هذه الغرامة كرشوة للمسئولين المحليين. وفي افريقيا كذلك أسوأ مكان يمكن أن يعيش فيه حيوان بري.. إن صيد الأفيال وقتلها وبيع أجزاء ثمينة من جسدها هو مشهد معتاد في شوارع زيمبابوي.. ولا أحد يقدر على ايقاف هذه المجازر.. لأن لا أحد أصلا قادر على ايقاف مجازر الحرب الأهلية ضد البشر.. وتدفق ملايين المهاجرين واللاجئين.. لكن.. تبقى غينيا أكبر محطة توافد عليها اللاجئون من سيراليون وليبيريا.. وقد وصل عدد هؤلاء الى نصف مليون نسمة شاركوا السكان الأصليين في قوتهم وفقرهم.. وهو ما جعل اللاجئين يقولون: (إن المكان الوحيد الأسوأ من أرض الوطن هو هنا). وقبل أن نغادر افريقيا سنجد أن الصومال هي المكان الأسوأ بالنسبة للموظفين.. فليس هناك طرق ولا مستشفيات ولا شرطة.. ويجتمع المجلس المحلي لبعض المناطق في العراء.. ويندر أن يتقاضى الموظفون رواتبهم.. بل ليست لهم مكاتب ولا مقاعد ولا أوراق. وعلى العكس تماما يتمتع الموظفون في بلد مثل بلجيكا بنفوذ وسلطان لا حدود لهما وهو ما يشكو منه المواطنون هناك فهم الذين يدفعون الثمن من جيوبهم.. إنها أسوأ بلد في العالم بالنسبة لدافعي الضرائب.. فهم يدفعون ما يزيد على 40% من دخولهم ضرائب.. وهو ما جعلهم يتهربون منها بكافة الطرق المشروعة وغير المشروعة.. حتى أصبح هذا التهرب (هواية وطنية).. فطبقا لبعض التقديرات تصل نسبة الحسابات السوداء الى 20% من اجمالي الناتج المحلي.. وهي نسبة لا توجد إلا في دول الجنوب الفقيرة والفاسدة. ولو كان الناس في بلجيكا يتهربون من الضرائب بالتلاعب في الدفاتر والميزانيات فإن الناس في الصين يرفضون تسديد الضرائب بالقوة.. وهو ما جعل السلطات تستخدم الجيش في تحصيل الضرائب ومات في إحدى هذه العمليات العسكرية اثنان وأصيب 20 بجراح.. ووصل الأمر الى حد إعدام 4 أشخاص في منتصف مايو الماضي في بلدة شانتو ثبت تورطهم في أكبر قضية تهرب ضريبي وصلت قيمتها الى نحو 4 مليارات دولار.. ولا يزال التحقيق جاريا مع 167 شخصا آخرين. أما الدولة التي تعد أسوأ الأسوأ في تحقيق (نيوزويك) فهي كوريا الشمالية.. فهي ليست فقط دولة يستحيل فيها أن تجد شبكة الانترنت وإنما هي الأشد فقرا في آسيا والأكثر شمولية على مستوى العالم كله.. وفيها كل المشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.. والأهم من ذلك أنها لا تريد أن تتفهم ذلك.. فهي تتصور أنه ليس في الإمكان أروع مما كان. هل نحمد الله ـ رغم كل ما نعاني منه ـ ونقول: عمار يا مصر؟.