قصص الصيف لاتنتهي، ولكل قصة ثمنها الباهظ يدفعه الانسان من فاتورة ايامه، فالذين يتسمرون امام جهاز التلفزيون يدفعون الثمن مضاعفاً، لانهم يترهلون وتنبت على حواف بطونهم شحوم الفاست فود، ودهون الموالح والمكسرات، ناهيك عن المشروبات الباردة المحلاة اصطناعياً، والتي يساعد سكرها على الموت المبكر! والذين يحبون الافلام سيجدون ضالتهم عبر الشاشة الصغيرة التي تعلن باستمرار عن فيلم جديد ستقدمه هذه الليلة أو ليلة الاحد، أو مساء الجمعة، فيلم لا يُفوّت لان القاتل رجل محترم، يتعرف الى شلة محتالين توقعه في جرائم عديدة تبدأ بسرقة الشركة التي يعمل فيها ثم بقتل صاحب الكشك المقابل لانه شاهد المسروقات، ولن ينتهي الفيلم الا مع انتصار البطل الذي يسترد نقوده، وحبيبته، ووظيفة كبيرة في الشرطة، هذا اذا كان الفيلم امريكيا، اما اذا كان الفيلم هنديا، فانه سيبدأ في الساعة التاسعة مساء وينتهي عرضه في الواحدة صباحا، وخلال الساعات الاربع تلك سيعيش المشاهد مطاردات وبهلوانيات ورومانسية مفرطة من بطل وحيد مطلق الحركة يطارد عصابة من الاشرار الذين قتلوا والده عندما كان صغيرا، فيطلق عليهم حوالي ثلاثين رصاصة من مسدس لا يتسع مخزنه إلا لتسع رصاصات ثم يموت الجميع عدا رئيس العصابة الذي يقابل البطل في نزال دموي ينتهي بانتصار البطل وخلال ذلك كله ستمر احداث درامية عجيبة تشبه السحر، لان البنت التي احبها من كل قلبه كانت ابنة رئيس العصابة، ولكنه يكتشف انها ليست ابنته الحقيقية وانما هي ابنة عمه التي خطفها الاشرار وهي صغيرة وقد حاولت مساعدته ذات مرة، لكنه اكتشف ايضا انها ليست هي حبيبته بل امرأة اخرى من جماعة رئيس العصابة وترتدي قناعاً يجعلها شبيهة ابنة رئيس العصابة، وعلى هذه الشاكلة سيحشو المخرج عشرات العجائب في فيلمه الهندي الطويل ليجد المشاهد نفسه وسط درس في الكيمياء التحليلية غير قادر على استيعابه، ولكنه سعيد لان الفيلم فيه ثلاثون اغنية بعدد الطلقات التي اردى بها البطل خصومه وترافقها ثلاثون رقصة على نغمة أيا ياه.. سوكو سوكو. وكلما أوغل الصيف طولاً كلما زادت مساحة الفيلم المعروض على المحطات الفضائية مللا خاصة تلك التي اشرقت شمسها وتغير كل الموضوع، اما لماذا يزداد الفيلم طولاً فهذا له عدة اسباب: أولها ان يكون الفيلم هندياً فيدخل موسوعة جينيس باعتباره اطول فيلم في التاريخ، او ان يكون الفيلم متسلسلاً ولكنه يعرض دفعة واحدة وهذه لا حيلة لنا بها لانه فيلم من ثلاثة اجزاء يعني حوالي ست ساعات! والثالثة ان يكون فيلماً عادياً طوله ساعة ونصف فقط ـ وهذا ما يحدث غالباً ـ ولكنه يتحول بقدرة عجيبة الى فيلم طويل لان المحطة التي تعرضه تحشوه بثلاثين اعلانا فيصبح طوله ثلاث ساعات حتى يتوافق مع الثلاثين طلقة التي يردي بها البطل اعداءه! وتلك الاعلانات مدروسة بشكل جيد، فعندما تدخل البطلة الى الحمام للاستحمام يقطع الفيلم ونشاهد دعاية لشامبو يجعل الشعر ناعماً براقاً، وعندما يفتح البطل ثلاجة يقطع الفيلم لنشاهد دعاية لمشروب مثلج يطفيء قيظ الصيف، وعندما يذهب الشرطي للقبض على المجرم يقطع الفيلم ونشاهد دعاية لزيارة معالم بلاد الواق الواق الساحرة، وعندما يحك الجدّ صلعته نشاهد دعاية لكريم يطري الصلعات، وعندما يعطس ابن البطل نشاهد دعاية لمنتج يزيل الغبار.. وهكذا حتى يقتل الملل المشاهد، فاذا كان حصيفاً اطلق النار من ريموت كونتروله على الجهاز فأرداه مطفئاً ثم اندس في فراشه ليذهب الى عمله باكراً، واذا كان أحمق سيتابع احداث الفيلم المتقطعة حتى ساعات متأخرة من الليل ليمضي الى فراشه والتيبس يعصر اضلاعه، وسيكون باقي ليله مليئاً بالكوابيس المزعجة، اجملها ذلك الحلم الذي راوده وهو يذهب جرياً الى عمله وقد تأخر على الاجتماع ببعض وكلاء الشركة التي يعمل بها، فخسرت شركته عقداً بعشرات الألوف وفاز هو برسالة لفت نظر! ولان قصص الصيف لاتنتهي، فان المحطات الفضائية تعرض حوالي مئة فيلم شهرياً، وهذا يعني ثلاثمئة ساعة ضائعة مللاً وترهلاً يمضيها الانسان امام فضائياته التي خربت ساعته البيولوجية واهدته في المقابل وجبة من الاحداث التي لاعلاقة لها بالحياة.. أو الممات. نعيماً. E.Mail: H-S-D@MAKTOOB.COM