ينزل الليل الشتوي على المدينة والخلاء القريب مبكرا فتشتد غربتي، تخلو الطرقات إلا من عابرين قلائل، وتغلق المقاهي أبوابها، تهرع الرياح فتهز حواف الأشجار، أما أصداء الأضواء الخافتة البعيدة فتضاعف بعدي. أعود الى تلك الاستراحة فيتم اقصائي، أقابل الليل بمفردي، خلو من كل عون، منبتا، وما من مساعد! يقيم في المبنى مهندس زراعي، كتوم، منقول قبلي بأسبوعين، يأوي الى غرفته مبكرا، أُبقي بابي مواربا، أصغي الى صلاته، مسيحي هو. أحيانا أعبر الصالة، أرضيتها خشبية، تصر الألواح المستطيلة، العتيقة، ألمحه واقفا في الركن موليا وجهه تجاه النافذة، ممسكا كتابا صغيرا، يتلو بصوت منغم، رتيب، إذ يفرغ يرسم علامة الصليب في الفراغ مرات، ثم على صدره، يقول بصوت مرتفع.. تصبح على خير.. أجاوبه من داخل حجرتي، أو أخرج أمام الباب، يغلق غرفته فينقطع كل حس، أرتد الى الفراغ القديم، الجدران المرتفعة، السقف البعيد، مصباح كهربائي يتدلى سلكه القاتم من المنتصف، يتوسط غطاء من الصاج الأبيض. هذا مبنى من طابقين، يفصله عن المدينة نخيل كثيف، ترعة الابراهيمية في المواجهة، يحاذيها خط السكة الحديدية، متابعة القطار سلواي، خاصة المتجهة شمالا، الآن أعرف مواعيدها، السريع منها والبطيء، الفاخر والعادي، الركاب والبضائع، يفجعني صفير القاطرات السريعة، يتغير مع الحركة، سرعان ما يتحول الى صدى واهن، لكنه يبث داخلي الحنين الممعن، والرغبة التي لا مجال لتحقيقها، الرغبة في التواجد بين الأهل، ورؤية من اعتدتهم. في المبنى ست حجرات، أربع خالية، دورة المياه في الطابق السفلي، بعيدة، أرهب الخطو ليلا فأحصر بولي حتى الصباح إلا اذا اشتد الأمر وغلبني، ويجيء للتنظيف فراش عجوز، يعيش في قرية قريبة، يصل عند انصرافنا، ويذهب قبل عودتنا، دائما يوصينا بمفتاح الاستراحة، أن نحذر فقده، باحكام الباب الرئيسي، أولاد الحرام كثيرون، الناحية منقطعة، والمبنى قديم، يظنه البعض مهجورا، في الأصل أقيم لمفتشي الري الانجليز العابرين، ثم ضم الى المحافظة، وخصص منذ سنوات لاقامة الموظفين المنقولين مؤقتا، حتى يتمكنوا من تدبير أمورهم. ترى من نزلها قبلي، ومن سيحل في ذات الموقع بعدي؟ ينهكني تداعي الأفكار ومحاولتي وصل أخيلة من أحببت، أسلم أمري الى وحدة قصوى، ولولا جهاز المذياع الصغير لقض مضجعي، لم أعتد النوم مبكرا.. أطفأت المصباح الشاحب منذ ساعة أو أكثر، أقوم الى النافذة، بعد قليل سيعبر القطار الفاخر، يقوم من القاهرة قبل الغروب، لا يتوقف إلا في أسيوط، ثم يواصل الى الأقصر، ركابه أجانب، غرباء عن الديار، لسرعته تتصل أضواؤه ونوافذه في شريط طويل مارق، يبدد العتمة والصمت لحظات، يخلف عندي وحشة، أتطلع الى أصداء المدينة المتكومة عند الضفة الأخرى من الليل، حيوات شتى تمضي، لكنني منفي عنها، ما من صلة.. لكن.. ما هذا؟ همهمات، أمعن مصغيا، أمسك أنفاسي، أحبس شهيقي ولا أطلق زفيري. من؟ يندر المرور هنا بعد الغروب، لم ألمح شخصا منذ قدومي، من؟ الاستراحة هدفهم؟ هل أمضي الى زميلي. أنبهه الى خطر وشيك، راح في النوم منذ وقت غير قصير، لم أتحرك، أنتظر لأرى، أرهف سمعي، أي عبث بالباب الرئيسي يمكنني الاصغاء اليه من هنا، أخشى خطوي، صرير الخشب ينم عليّ.. رجل طويل ملابسه بلدية، عمامته ثقيلة، ادركه في مجمله، يقف عند الزاوية اليمنى للمبنى، هنا ينتهي الممر الضيق المؤدي الى النخيل الكثيف، يدير ظهره الى الترعة، ليس بمفرده، يلوح بيده.. يتراجع خطوات.. أربعة.. هكذا بدوا في اللحظات الأولى، اثنان طوال القامة، آخران قصيران، مدكوكا البنية، لا.. إنهم خمسة، الخامس محمول، يمسك به أحدهم من جهة واثنان من الناحية الأخرى، لا أتمكن من الملامح، لكنني أقدر على تحديد الرأس والقدمين والذراعين الموثقتين وراء الظهر.. يشير أولهم الى الترعة، لم أصغ الى نطق، أدرك أنه يحدد موضعا، يتوقفون، يتطلع كبيرهم تجاه النافذة. يرجف نبضي، لا أحيد، لا أغير وضعي، أي تقلقل سيكشف حضوري، أغمض عيني، أرهب لحظة تتواجه فيها نظراتنا، أكتشف خلالها أنه أدركني، يستمر تطلعه صوب النافذة، هل انتابه شك ما؟ هل ينتابه شعور غامض أن ثمة من يراه، يحجبني عنه الزجاج الذي يعكس الأضواء البعيدة، ومصراعا السلك القديم الذي يمنع البعوض. يشير بيديه، يطمئن من معه، يطلب منهم التقدم. إذن.. لم يلمحني. أواصل ثباتي، أي تغير في وضعي ربما يدرك بالحس، يحثهم على الاسراع، يحاولان رفع القدمين الموثقتين، غير أن عنتا يبدأ، في مواجهتي ينتفض الجسد الذي ظننته هامدا، أنات مكتومة مصدرها الأنف، الفم مكمم، يميل أحدهم فينقطع الصوت. يهمد النصف الأسفل إذ يمسك به القصيران، يلفان القدمين بحبل متين، يثبت ثالث حجرا نقله من الضفة، يشده، شخص واحد يمسك الرأس تنتفض الكتفان، يضغطه الرجل الجاثي على قدميه، ينفلت الرأس في حركة سريعة يمينا ويسارا. يبدأ عندي دوار.. لم أدرك ميلي إلا بعد لحيظات وعرة، يثقل صدري، يبدأ داخلي ثقل مرير. أرقب انتفاضات الجسد المراوغة، تقوسه عند الخصر. يثبتونه من ناحية فيفلت من الأخرى، امرأة أو رجل؟ لا أقدر على التحديد. تتوالى عليّ صور، الطريق الممتد حتى المدينة.. مياه الترعة الهادئة، الماضية بلا توقف، الجسر القريب المقفر الآن، المزدحم نهارا، مرور القطارات السريع، المارق، مدخل بيت عائلتي، دفء فراشي هناك، وجه يخيل اليّ أنني أعرفه، تساؤل، هل تطلع عليّ شمس الغد؟.. وأدرك بعدم قدرتي! يقف كبيرهم، لا يشارك في محاولة اخراس انتفاضات الجسد المسجي عنوة، اشاراته سريعة، مختصرة، دالة، حازمة، مع بدء حركة يده تتردد الدماء عن المضي داخلي، تتوارى حقب من وجودي، أتلخص في لحظة آنية لا أثق من اتصالها بأخرى. هل طغى الهمود؟ هل خبت الجذوة؟ عندما بدأوا ربط الحجر بالعنق تبزغ انتفاضة هائلة، لم تتبعها ولو حركة ضئيلة. رجفة أعي بقاءها في ذهني اذا ما قُدر للأيام التوالي، لو استعيدها بالمخيلة أجزع، ينزل عليّ صمت اذا صرت متكلما، أكف اذا تواصلت حركتي، يسدل على ملامحي وجوم إذا لفني بشر وجمعتني صحبة. انتهوا من ربط الأحجار، كم؟ لم أستطع التحديد، أقدرها بخمسة، اثنان عند القدمين، مثلهما الى الخصر، وحجر شد الى الرقبة، يحملونه، تتدلى الأحجار، يخبط أحدها الآخر، تنبئني حركتهم البطيئة بثقله، من ردود أفعالهم أمكنني تقدير الرجفات المتتالية، لم ينته الأمر، باستطاعتي الزفير البطيء بعد أن أثقل صدري، يتراجعون فجأة، يزداد ميلهم الى الامام، يسرع كبيرهم عند دنوهم من الضفة، يفسح مجالا بينهم، يسهم في حمل الجثمان أم ماذا يفعل؟ لا أدري، لكنني أدرك الآن أنني وحيد تماما، ناء عن كل مساعد، غير قادر على المضي الى زميلي وايقاظه. يرفعون الجسد بصعوبة. لم أخطئ رؤية آخر الانتفاضات المتعاقبة في الفراغ، محاولات الافلات الأخيرة، المجدبة، اليائسة، المتطلعة الى فراغ بعيد. قبل اللحظة التي يصطدم فيها بمياه الترعة، يعتدل كبيرهم واقفا، يميل محدقا. يداه تمسكان بركبتيه. يتناثر رذاذ، ثم أصغي الى وشيشه ولا أراه، لم يحدث طفو ولو لجزء من الثانية، تلتحم قطرات الماء المنتزعة مرة أخرى بسطح الترعة، تتصل بالأصل، يظل الرجل منحنيا، لا أرى الرجال الأربعة، لا أشرع حتى في تعقبهم بالفكر، لم أعبأ. ربما لمحوني، ربما يدورون حول البناء العتيق في محاولة للنفاذ إليّ. الانتفاضات والرجفات ومحاولات الافلات، وارهاصات البداية، أما ثباتي فطال أمره، يتعاظم ثقل بغيض داخلي، حتى أنني لا أقدر على التراجع خطوة..