الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة الـ بي. بي. سي العالمية، حول دور أرييل شارون في جريمة مذبحة صابرا وشاتيلا، لاقي ترحيبا عربيا شعبيا ورسميا منقطع النظير، لقد كان تحقيقا تاريخيا موفقا إلى حد كبير، وقدم في توقيته طرف الخيط لمن أراد المضي في دعوى تجريم رئيس الوزراء الإسرائيلي، لاسيما في ضوء قرار قمتي القاهرة وعمان العربيتين (أكتوبر 2000 ومارس 2001)، بالسعي لملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة. كانت ملاحظتنا على هذا العمل أنه عرض شارون كمتهم وليس كمذنب.. ومع ذلك أقنعنا أنفسنا بأن التلفزيون البريطاني ليس محكمة لإصدار الإدانة أو البراءة، ولابد أن الحكمة اقتضت من منتجي الفيلم ومعديه عرض وجهات النظر المختلفة، ثم إنه لا ينبغي لنا توقع خطوة أبعد من هذا الجهد، عند هيئة تنتمي في التحليل الأخير لدولة لم يعرف عنها التخاصم مع السياسة الإسرائيلية، ناهيك عن تبعيتها لواشنطن، وعلى كل حال إنتهت تأملاتنا إلى إنها عمل جرئ من الهيئة البريطانية جاء على غير توقع وبلا دعوة من جانب العرب، لذا تستحق التقدير والتشجيع.. وإنه إذا كان العرب بفضائياتهم الكثيرة قد إفتقدوا المبادرة لخطوة مماثلة، فلا أقل من إنتهاز واستثمار هذه الشهادة المعتبرة من ناحية، ثم النظر في إمكانية محاكاتها بالنسبة لبقية المجرمين الصهاينة وما أكثرهم، من ناحية أخرى. في الوقت ذاته، تصورنا أن القوى الصهيونية لن تسكت على هذا الجديد شبه الإنقلابي في التعاطي الاعلامي البريطاني مع مسألة تخص إسرائيل وسيرة زعمائها، ولم نلبث غير بعيد، حتى تحركت هذه القوى للرد والدفوع المضادة، وبعد أن كالت الإتهامات للقناة البريطانية بالتحيز للجانب العربي والفلسطيني، وحرضت ضد المشاركين في إعداد الفيلم الوثيقة، يبدو أنها سلكت طريقا التفافيا آخر بهدف الهجوم المضاد. مؤدى هذا الأسلوب، أنه اذا لم يكن ثمة مفر من الاتهام الموجه لاسرائيل ومقام رئيس وزرائها، فإنه من المناسب فتح ملف عربي أو فلسطيني قريب الشبه من القضية المثارة. والظاهر أن أصحابنا اهتدوا الى ماأعتبروه ضالتهم، في اثارة ملف العلاقة القديمة بين بعض اقطاب الحركة القومية العربية والوطنية الفلسطينية مع دول المحور خلال الحرب العالمية الثانية. كما انهم استحسنوا على الأرجح أن تكون هذه الإثارة عبر المصدر الذي بعث بعض تاريخ شارون، أي الـ بي. بي.سي ولكن ضمن برامجها الاذاعية المسموعة لا المتلفزة هذه المرة. هذا هو التفسير المعقول للخبر الذي عممه القسم العربي بهيئة الاذاعة البريطانية في نشراته الاخبارية يوم الخامس من يوليو الجاري. وجاء فيه انه.. (كشف النقاب عن وثائق بريطانية تعود للحرب العالمية الثانية تتعلق بمؤامرة كان أعدها قياديون فلسطينيون متعاونون مع الجيش الألماني، جرى بمقتضاها اسقاط مظلي فلسطيني ألماني على مناطق في فلسطين، بهدف اشعال الموقف ضد القوات البريطانية. وقد فشلت هذه المؤامرة، حين تم الانزال بشكل عشوائي، وتفرق أفراده حيث ألقي القبض عليهم بعد أسبوع). واضح أن الذين سربوا خبرا كهذا، يتوخون التشويش على جانب من سيرة الحركة الوطنية الفلسطينية ورموزها القيادية، مقابل مايجري على الجانب الاسرائيلي. وهم يدركون أن اشمئزازاً سينجم عن الادعاء المبهم بالتعاون الفلسطيني مع النازي وبخاصة بين الأوساط البريطانية ـ والاوروبية - التي صدمها برنامج (المتهم) كما يتوقعون أن تتضرر صورة النضال الفلسطيني الراهن وفق عمليات الاسقاط النفسي من الماضي على الحاضر. على أنه مما لا يؤسفنا ويدعونا للسخرية من الخبر وأصحابه، وجود الكثير من مظاهر الخيبة بهذا الخصوص.. ومن ذلك في عجالة: أولا: أنه لا جديد اطلاقا في الوقائع المذكورة، فالعلاقات بين قيادات عربية قومية وفلسطينية وطنية مع دول المحور، مبثوثة منذ يومها الأول في عشرات المصادر. وهي ليست سرا يحتاج الكشف عنه للوثائق البريطانية، بل وتنتمي الى مايوصف بالقضايا التي قتلت بحثا. وثانيا: انه لا مؤامرة ولا يحزنون في واقعة الانزال الجوي المشار اليها. فالمشاركون في العملية كانوا خمسة أفراد فقط، اثنان من الفلسطينيين وثلاثة من الألمان. وكان الفلسطينيان من رموز ثورة فلسطين (1936 ـ 1939)، صمما هما على هذه العودة وآثرا ذلك ولو بالهبوط من السماء. وثالثا: كانت بريطانيا عدوا مستعمرا لفلسطين، يتواطؤ لتوطينها للغزاة الصهاينة بينما يطارد حركة التحرر الفلسطيني (والعربي)، فأين المؤامرة في استخدام، بعض الفلسطينيين والعرب لنظرية (عدو عدوي صديقي)، التي ادت الى التحالف التكتيكي مع دول المحور. ورابعا: هناك أكاذيب في محتوى الخبر. فالبريطانيون قبضوا فقط على ثلاثة من الخمسة الذين هبطوا خطأ في منطقة أريحا عام 1943، هم (ذو الكفل عبداللطيف) واثنين من الألمان، فيما تمكن الفسطيني الثاني (حسن سلامة) والألماني الثالث من الاختفاء في جبال القدس، ثم انتقلا خفية الى حيفا فدمشق، ولو كان الخبر يتعلق بوثائق تم كشف النقاب عنها، لما وقع مروجوه في هذا الخطأ المعلوماتي. رب قائل بأن الأمر كله لا يستحق الانتباه، وهو مالا نتفق معه، لأننا لا نعرف بالضبط أي توابع قد يخفيها جراب الاعلام الصهيوني، ولأن تجاربنا مع سوابق هذا الاعلام علمتنا انه يجيد اشعال الفتنة من مستصغر الشرر أو الخبر. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة