إذا كان تواضع الجماهير وقيادة الانتفاضة، يجعلهم مستمرون في استخدام كلمة انتفاضة، فإن من حقهم علينا أن نتجاوز مسمياتهم ونسميها باسمها الحقيقي (ثورة) ويمكن تحديد أسباب هذه الانتفاضة ـ الثورة، تحت عنوانين عريضين: أولهما سعى الشعب العربي الفلسطيني، ومن ورائه جماهير الأمة العربية، لاسترداد أرضه وحريته وكرامته من الحركة الصهيونية ووليدها الكيان الصهيوني، اللذين استطاعا اغتصاب الأرض والحرية والكرامة الفلسطينية عبر طرائق وأساليب الغزو الاستيطاني الاجلائي التوسعي العدواني، والفاشي ـ النازي الجديد. وثانيها: الاحتلال ونتائجه الكارثية، وممارساته الهمجية، على امتداد خمسين سنة بشكل عام، وعشرين سنة بشكل خاص منذ ثبوت فشل منهج التفاوض ووصل أسلوب الحلول السلمية الى طريق مسدود ونهاية عقيمة. وتحت هذين العنوانين العريضين يمكن للمرء أن يورد عشرات الأسباب المباشرة وغير المباشرة، التفصيلية والقابلة بدورها لمزيد من التفصيل من نوع: 1- رغبة الشعب العربي الفلسطيني في تحرير أرضه، وفي تقرير مصيره على ترابه الوطني وانجاز حقوقه غير القابلة للتصرف، مع كل مايستتبع ذلك من مطالب محددة. 2- رفض الشعب الفلسطيني الاطار السياسي الذي وضع فيه واستجد عليه وبخاصة مع احتلال 1967، ومع رفض أخص لمشاريع الحل الأمريكي ـ الاسرائيلي المحاول فرضها على المنطقة وفي هذا السياق هنا هي بالذات لمشاريع الحلول التفريطية منذ توقيع اتفاق المبادئ في أسلو عام 1993 ومابعدها. والتي مافتئت تجعل الولايات المتحدة تقترب بشكل دؤوب، من الحل الليكودي الصهيوني المتطرف. 3- رفض نتائج الاحتلال الملخصة في مثلث (القمع والضم والهضم) للأرض الفلسطينية وماتحتها ومافوقها من ثروات، وبما يحاول أن يخلق من طريق الاستيطان المتوسع أبدا وبشكل تدريجي أمرا واقعا لا عودة أو رجعة عنه. 4- رفض ممارسات الاحتلال ذات الطبيعة الدموية الفاشية ـ النازية الجديدة المتزايدة في عدوانيتها، وهذه الممارسات أصبحت تمس: أ ـ الوضع المادي المعيشي (محاصرة اقتصادية تجارية ومالية وتسويقية وضرائبية ذات نتائج افقارية صاعدة نحو القاع، وتمس جوانب التغذية والسكن والصحة، وموجهة لمختلف شرائح المجتمع، بما في ذلك التجار واصحاب المشاريع والملاك الزراعيون والمهنيون اضافة طبعا الى المزارعين والعمال، علاوة على التدمير المستمر لكل النشاط الاقتصادي والانشائي للمشاريع الفلسطينية). ب ـ الوضع المادي القمعي المتواصل (قتل - اعتقال - نسف منازل، ابعاد)الخ. جـ ـ(الوضع المعنوي النفسي) احتقار واذلال وتمييز عرقي وديني واقتصادي وثقافي وأمني، فضلا عن الاستفزاز لكل المشاعر الاجتماعية العريضة، والمشاعر الدينية ومنها تدنيس شارون الوقح للمسجد الأقصى الذي كان هو الشرارة التي أشعلت الانتفاضة. وإذا ما استثنينا ضريبة الحرية التي يدفعها أهل الوطن المحتل على صعيد الشهداء والمعوقين والجرحى والمعتقلين والمعذبين وغيرهم، علاوة على الاضرار والخسائر الاقتصادية الفادحة الناجمة عن الحصار والاغلاق والتجويع، فإن الانتفاضة قد حققت مكاسب هائلة على كل الأصعدة الفلسطينية والاسرائيلية والعربية والدولية. ومايهمنا في هذا الصدد هو المكاسب التي حققتها الانتفاضة بالفعل على الصعيد العربي، فقد قامت الانتفاضة بتدليك مجمل أطراف الحياة الرسمية والشعبية العربية المصابة بحالة من الشلل المزمن الذي كاد يؤدي الى موات الخلايا، كما أنها قد حركت كثيرا من الحياة العربية الآسنة واليائسة. هذا الى جانب ان الانتفاضة قد وجهت ضربة لا سابق لها للطروحات المفرطة في الاعتدال على الصعيدين الرسمي غالبا وفي أوساط المتلهفين العرب على التطبيع، وأدخلت العرب مجددا في عملية صناعة القرار الخاص بصراع المنطقة بعد أن كاد يصبح حكرا على الاسرائيليين والأمريكيين دون سواهم. ولا شك أن الوجود الاسرائيلي الصهيوني في جوهره الاستيطاني، وروابطه وتحالفاته مع قوى الهيمنة الغربية، انما هو تحد لمشروع الأمة العربية في التحرير والتقدم والوحدة، كما يشكل تهديدات مباشرة لمصالح ومستقبل وثروات اقطارها كلها من خليجها الى محيطها. ومن ثم فالصراع لابد أن يتسع لهم ويلزم بالضرورة جميع الشعوب العربية، من خلال وحدة المصلحة والمصير. في مواجهة العدو المشترك. وإذ يدور الصراع بالضرورة وبحكم الواقع في دوائر وحلقات متداخلة من امتدادات هذا الصراع والتزاماته، فإن هذه الدوائر والحلقات تضيق أو تتسع حسب تحرك المخاطر أو بالأحرى حسب تقدم أو تراجع أو تبعثر التضامن العربي وحركة المواجهة العربية. فالشعب الفلسطيني هو حلقة الصدام الأولى ويأتي في المقدمة والطليعة، لأنه هو الذي أقتلع بالقوة من أرضه، والذي يتم تجهيره وابادته، والذي يصارع الاحتلال اليوم في الضفة والقطاع دفاعا عن بقائه ووجوده. ولكن مقاومة الشعب الفلسطيني تبقى حلقة متقدمة في ادارة الصراع فحسب وتبقى طليعته، فهو امتداد لأمة ولابد أن تكون الأمة كلها امتدادا له، وحصر الصراع والتزاماته، انما يعنى التخلي عنه والتخلي عن القضية وخسرانها. وثمة بعد آخر لامتداد هذا الصراع، إذ أن اسرائيل تعني بالضرورة الصهيونية العالمية وتحالفها العضوي مع قوي الهيمنة الغربية عموما والأمريكية خصوصا، وهذا يطالب السياسة العربية بأن تولى اهتمامها هذا البعد العالمي لامتداد الصراع، وأن تصوغ هي أيضا صداقاتها وعلاقاتها الدولية في مواجهته. وعليه فمن المفروض أن تأتي مواقف الدول والحكومات العربية والتزاماتها تعبيرا عن ارادة شعوبها وعن وعيها للبعد القومي لهذا الصراع وشموليته، وان تنسق جهودها لتتكامل أدوارها واستعداداتها، أو مساندتها ودعمها، تبعا للمقتضيات الاستراتيجية لهذا البعد، وحسب مواقعها في حلبة الصراع بين دول مواجهة ودول مساندة، وأن تؤدي دورها والتزاماتها كاملة في دعم مقاومة الشعب الفلسطيني وتعزيزها ومساندتها، لتأخذ هذه المقاومة دورها كطليعة وكحلقة متقدمة لا تنكسر في ادارة الصراع. ولكن شتان بين ماهو مفترض وبين مايرتسم واقعيا على رقعة الصراع، بين ماترفعه النظم والحكومات من شعارات، وماتجري عليه فعليا من سياسات، وذلك على الرغم من أن النظم العربية القائمة سواء من جاء منها في حلقة المواجهة المباشرة أو في حلقة أبعد، تعلن كلها في شعاراتها أنها معنية بالقضية وملتزمة بقومية المعركة مع العدو الصهيوني. فلا شك أن القوى الوطنية على امتداد الوطن العربي، تستشعر اليوم خطرا محدقا بالأمة العربية، من جراء تصاعد العدوان الصهيوني على الشعب العربي المدعوم بالتحالف الأمريكي والهادف لتفتيت الأمة والتسلط على مقدراتها، دون أن يقابل بموقف عربي حاسم وفعال. إن تردي الموقف العربي، خاصة في حلبة الصراع العربي الصهيوني يعود الى ضعف الموقف العربي الرسمي، واستمرار الرهان عن التسوية السياسية تحت الرعاية الأمريكية، وتغييب الدور الشعبي العربي، وعلى الأخص الى ضعف قرارات القمة العربية الطارئة في القاهرة والقمة العربية الدورية الأولى في عمان من ناحية، والى تهافت تنفيذها من ناحية أخرى. فمنذ الاعلان عن تأسيسها في الحادي والعشرين من أكتوبر الماضي خلال القمة العربية الطارئة في القاهرة عقدت لجنة المتابعة العربية سبعة اجتماعات ماراثونية مابين القاهرة والدوحة وتونس ودمشق وعمان، ومازالت المحصلة بيانات وتوصيات وقرارات بصرف معونات مالية عاجلة للانتفاضة الفلسطينية طبقا لقراري قمة القاهرة بتوفير ملياري دولار لانقاذ الأقصى ودعم الانتفاضة، بناء على اقتراح ولي العهد السعودي الامير عبدالله بن عبدالعزيز، ومازالت الأزمة قائمة. اشكالات بيروقراطية - روتينية مابين الجامعة العربية وبنك التنمية الاسلامية والسلطة الفلسطينية لتوفير هذه المساعدات، وأحقية الجهة الفلسطينية التي تتولى تسلم وانفاق هذه المعونات وكثرة المخاوف من تبديد هذه الأموال على يد السلطة الفلسطينية في غير أوجهها، بينما صرخات الأسر وعائلات وضحايا الانتفاضة تتعالى وتذهب ادراج الرياح، فلا بنك التنمية صرف المعونات، ولا أسر شهداء الانتفاضة تسلموا التعويضات، وفي قمة عمان في مارس 2001، تم الدعوة، انقاذا للموقف، الى توفير قنوات للدعم المالي في حدود 40 مليون دولار شهريا كسلفة لا ترد للسلطة، فكان ذلك أشبه بالمضحكات المبكيات التي يذخر بها عالمنا العربي. ولعل أهم مايلفت الأنظار خلال الأسابيع الماضية كذلك، ومن المضحكات المبكيات، مقاطعة الأغلبية العربية لاجتماع مكتب المقاطعة العربية، الذي كان مقررا عقده في دمشق. فهل هناك تناقض أقسى وأمر من هذا التناقض العربي، الذي يعكس انفصام الشخصية العربية. ففي الوقت الذي عصفت اسرائيل بقيادة شارون. بكل أحلام السلام، ومارست أعنف أساليب القهر العسكري الاقتصادي، والاذلال النفسي ضد الانتفاضة الفلسطينية الباسلة، وتراجعت مناورات التسوية فوق المائدة وتحتها على السواء، وحضت القمة العربية الأخيرة في عمان على اتخاذ مواقف عربية واضحة ضد اسرائيل، بما في ذلك احباط محاولات التطبيع، وبالتالي تنشيط أساليب وجهود المقاطعة. في هذا الوقت تفشل دعوة الاجتماع لمكتب المقاطعة العربية لإسرائيل، لأن الأغلبية اللازمة لصحة انعقاد الاجتماع، قد غابت عمدا مع سبق الاصرار وربما الترصد. وبمفهوم المخالفة فإن أغلبية الدول العربية اذن ترفض تنشيط المقاطعة في هذه الظروف، واستقامة للمفهوم فإنها أما تخشى اعادة تنشيط المقطاعة لاسرائيل، واما تفضل التطبيع مع اسرائيل، استمرارا لكسر ضوابط المقاطعة. وفي كل الأحوال كسبت اسرائيل دعما عربيا اضافياً لقوتها وهي تحارب بكل جبروتها الشعب الفلسطيني الأعزل، فتقهره عسكريا وتخضعه سياسيا تحاصره اقتصاديا وتذله نفسيا. بينما العرب يتصايحون عبر المؤتمرات والميكروفونات بالويل والثبور وعظائم الأمور، وهم في الحقيقة الواقعة يخشون مجرد الذهاب لاجتماع مقرر للمقاطعة العربية. وهكذا يرضى العرب وكذلك المسلمون عن أنفسهم ويطمئنون الى سلامة مواقفهم، كلما عقدوا اجتماعا، وأصدروا فيه عشرات القرارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ثم لا يكتفون بذلك، بل يصدرون قرارا بانشاء لجنة للمتابعة، تعيد تأكيد نفس القرارات والتوصيات، وتبحث عن أسلوب تنفيذها، والكل يعلم مسبقا أن آليات التنفيذ ليست في أيديهم، وأن الأمر لا يخرج عن جبر الخواطر وارضاء المشاعر، أما مايجري في العالم من حولهم، ومايواجهم من صعوبات وعقبات فلا أحد يفكر فيها أو يبحث عن الحلول الناجحة لها. وتدعو بيانات القمم العربية ولجنة متابعتها الى ضرورة دعم الانتفاضة بكل الوسائل الممكنة، والى وقف جميع الاتصالات السياسية مع الحكومة الاسرائيلية مادام العدوان والحصار مستمرين على الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية. ولكن لم تمض أيام معدودة على هذه الدعوة حتى فوجئ العالم العربي كله بسفر وزير خارجية موريتانيا الى اسرائيل في زيارة رسمية، لقد عم الغضب والاحباط الشارع العربي، بينما استقبلت اسرائيل المسئول العربي بالترحيب لأن حكومة موريتانيا، العضو في جامعة الدول العربية، والتي كان يفترض ان تلتزم بقرارات الجامعة التي هو عضو فيها، لم ترع العرب والعروبة والتضامن، فاتجهت الى اسرائيل في خروج سافر على الاجماع العربي، وفي وقت تتصاعد فيه المواجهة بين اسرائيل والفلسطينيين. وهكذا يرغب العرب في تحقيق الانتصار على اسرائيل والمشروع الصهيوني دون بذل أي تضحيات أو القيام بأي أدوار ايجابية وفعالة في مكافحة نظام الاحتلال الاسرائيلي، فالحكومات العربية لم تقدم سوى أقل القليل، أما الجماهير فقد اشتعلت بالحماس فجأة، وانهارت أيضا وفجأة بصورة تدعو للحيرة. أحد أسباب الانهيار السريع للحركات الشعبية المناصرة للانتفاضة هي أنها لم تجد ماتفعله لدعم الانتفاضة بصورة ملموسة ومؤثرة، مع أن هناك طيفا واسعا من الأعمال والادوار التي تبحث عمن يباشر القيام بها، هذه الفجوة نجمت عن الفراغ التنظيمي والمؤسساتي الذي تعانيه الشعوب العربية. لقد توفرت مجموعات صغيرة في عدد من الدول العربية على القيام بالعمل المنهجي المنظم لمناصرة الانتفاضة ولكن الامكانيات المادية والبشرية المحدودة والصعوبات السياسية والاتصالية لا تمكنها من شغل الفراغ التنظيمي المروع، والوفاء بمتطلبات انجاز عمل جماهيري وطني وقومي مؤثر في معادلات الصراع. إن مايحتاجه العالم العربي الآن هو استراتيجية يشارك فيها الجميع لادارة الصراع من أجل السلام، وحتى لا يطول زمن الشكوى من عدم وجود فكر استراتيجي عربي في الوقت الذي يتعامل فيه الآخرون معنا على اننا عنصر ساكن فاقد للمبادرة وللعمل الجماعي في مواجهة مشكلة، مصيرية وجماعية بالضرورة فهل من سبيل لأن يبادر العالم العربي ولو بتجزئة الاستراتيجية، بمعنى الاتفاق على حد أدنى من نقاط التلاقي حول سياسة تتعامل مع موقف بعينه، وتتحرك في اتجاه التأثير على الانفلات الاسرائيلي وأي خروج على عملية اسلام ومرجعياتها، ولا ينفع أن تتحرك دولة بمفردها أو دول كل منها على حدة، بل يكون التحرك جماعيا وليكن في اطار الجزئية الاستراتيجية، مع التأكيد على أن الاستراتيجية هي عمل كلي شامل، وبحيث يكون لهذا التحرك هدف، وخطة عمل، وأدوات تنفيذ، وامكانيات مادية وسياسية ودبلوماسية. لابد من ايجاد ادارة لصراع السلام، في مواجهة طرف يباشر بالفعل ادارته لهذا الصراع من أجل تسييد مفاهيم الهيمنة والاغتصاب وسرقة الأوطان. ولا يصح وهو يدير صراعه مع العالم العربي وفق مفاهيمه هو للسلام، أن يرتكن العرب للسكون، يغضبون ويستنكرون، فهل اعاد لنا الغضب العاتي على مدى خمسين عاما حقا اغتصب وهل أفلح السخط في ردع الغطرسة والعدوان؟ من الضروري أن ينتقل موضوعيا مركز الثقل الحقيقي في العملية الكفاحية العامة الكفيلة بتحقيق الانتصار في الحقبة الراهنة للصراع، من داخل الأرض المحتلة الى ربوع الوطن الكبير، أي الى الساحة العربية، ويعني هذا أهمية تجديد واعادة شحن المقاومة للنظام الأساسي للنضال من خلال تشكيل حركة أنصار حقيقية ومؤثرة، ويعني ذلك تأسيس شبكة فعالة بين لجان المناصرة القطرية، وتنظيم أعمال الاحتجاج الجماهيري، وتعزيز الجهد الاعلامي والسياسي على المستوى الدولي وصولا لتأسيس جبهة عالمية لمواجهة الصهيونية وانهاء نظام الاحتلال الاسرائيلي، وامداد الشعب الفلسطيني بشتى صور الدعم. أما على المستوى الرسمي، فإن المطلوب هو الاستمرار في النزف السياسي والدبلوماسي والاعلامي لاسرائيل وصياغة اطار جديد فاعل للمواجهة. ـ كاتب مصري