يقول الخبراء إن التقدم الاقتصادي هو نتيجة لمزيج من التقلبات المتلاحقة التي تأتي بدورها نتيجة لقرارات خاصة ومواقف تنتج عن توجهات الدولة، أي أن الدولة سواء بشكل إيجابي أو سلبي يمكنها أن تؤثر على نمو الاقتصاد ودفعه نحو التقدم وموازاة التطور في الدول الأخرى، أو أن تؤدي تلك القرارات إلى أن ينحصر النشاط الاقتصادي في أنشطة تدور على محور الدولة وتأتى بتأثيرات سلبية تخنق أي بادرة جيدة للنمو الحقيقي، بل يكون النمو مجرد دائرة منفصلة وبعيدة عن دوائر النمو في الاقتصاد العالمي. ويؤكد الخبراء انه إضافة إلى أن قرارات الدولة التي قد تكون إيجابية أو سلبية بسبب توجهات النظام السياسي التي تؤثر سلبا أو إيجابا على القطاع العام الذي تملكه من ناحية توجيهه لتحقيق قفزات نوعية وكمية تدعم الاقتصاد الداخلي وتحقق او لا تحقق لمنتجاته القدرة التنافسية للمشاركة في النمو الاقتصادي الخارجي، ويرون أن تأثير تلك القرارات والتوجهات أيضا على مشاركة القطاع الخاص وفتح الطريق أمام المبادرات الداعية إلى تنشيط هذا القطاع في التنمية العامة أو حرمانه من تلك المشاركة لصالح القطاع العام. وان كان هناك من يرى من الخبراء أن مشاركة القطاع العام قد تكون المحرك الدافع الأساسي في تلك التنمية في لحظات زمنية معينة تتطلب جهودا وأدوات تمويل لا تستطيع الحصول عليها أو تحققيها المبادرات الخاصة. لان القرارات السياسية التي تتخذها الحكومة لصالح نمو القطاع العام قد تدفع إلى خنق القطاع الخاص والقضاء على المبادرة الفردية في لحظة يكون فيها الاقتصاد في حاجة إلى دعم تلك المبادرة الخاصة، فتفقد بذلك أداة من الأدوات الحقيقية للتنمية أو تفعل العكس فتفتح المجال أمام القطاع الخاص وتدعم المبادرات الفردية على حساب القطاع العام فتتسبب في تدميره لصالح رؤوس أموال لا تستطيع إشباع رغبات الجماهير فتحدث الكارثة. تعدد العوامل على أي حال وبغض النظر عن تأييد أو معارضة دور القطاع العام أو المبادرات الخاصة في التنمية، فان المؤكد أن للقرارات السياسية للدولة دورا يكون بالسلب أو الإيجاب حسب توجهه وطبقا لملائمة التوجهات للحظة التي تتخذ فيها تلك القرارات. هذه التجربة المختلطة التي تلعب على العام والخاص وتفضيل أو إبعاد أي من طرفي التجربة تعتبر قاعدة عامة في الحكم على التطور الاقتصادي، ولكن هناك لحظات لا يخضع فيها التطور لهذا النموذج، وإنما يكون نتيجة تأثير عوامل خارجية قد تدفع الاقتصاد إلى التطور السريع أو التباطؤ، كما هو الحال في لحظات خاصة ينمو فيها الاقتصاد أو يتراجع في ظل وقائع خارجية، كحاجة السوق إلى منتجات يرتكز عليها القطاع الإنتاجي لتك الدولة، أو طفرات عالمية تدفع بهذا الاتجاه أو ذاك، كالحروب أو في ظل حدوث طفرات في مجال من مجالات التطور التقني، كالثورة الصناعية في بريطانيا قديما أو في ظل الطفرات والتي حدثت وتحدث في إطار ثورة الاتصالات التي نشهدها الآن التي دفعت باقتصاديات كثيرة إلى التطور دون أن يكون في حسبانها هذا التطور. على أي حال لا يمكن لأي دولة في عالمنا المعاصر الهروب من التأثيرات الخارجية،ولكن هناك نوعين من الدول التي لا تخضع لهذه التأثيرات الخارجية مهما كانت إيجابيات تلك التأثيرات، وتظل خارج نطاق التأثر بظروف النمو مهما كانت قوة الطفرات الخارجية، أي تبقى تراوح مكانها بينما بقية دول العالم تسير باتجاه تحقيق طفرة اقتصادية، ويأتي ذلك نتيجة: أولا، وجود قواعد صارمة تدفع الدولة إلى التدخل في الإدارة في القطاع العام مما يجعل هذا القطاع غير قادر على تلبية الاحتياجات التي أنشئ من أجلها، إضافة إلى سد الأبواب أمام المبادرات الخاصة على الرغم من أهمية مشاركته في النمو الاقتصادي في مجالات معينة لا يستطيع القطاع العام العمل فيها، أو تحتاج إلى نوعية من النشاط يبدو مرهقا لهذا القطاع. ثانيا، أن تلك الدول التي تحدد ما يسمونه بالتوجه «صفر» في السياسات الإنتاجية، وذلك بفتح أبواب أسواقها على مصراعيها أمام المنتجات الخارجية وتتجاهل تماما السياسات الإنتاجية الوطنية مما يقضي على أي محاولات لقيام صناعات وطنية ويؤدي هذا في النهاية إلى القضاء على أنشطة القطاع الخاص والمبادرات الفردية. هاتان الحالتان تنطبقان على العديد من دول العالم المتخلف الذي يطلقون عليه أحيانا اسم «العالم النامي»، وربما كانت الأرجنتين والبرازيل من ابرز تلك الدول التي مارست هذه السياسة خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، وتعتبران نموذجا لهذه الحالة. فشل المسكنات نجد الأرجنتين، مثلا، عاشت حالة من الانفتاح الاقتصادي الموجه والمقنن بدأت عام 1985 بعد أن مرت بمرحلتين سابقتين. الأولى كانت خلال سنوات الستينيات وبدايات السبعينيات قام فيها النمو على أسس قديمة تعود إلى الأربعينيات والخمسينيات مما وضعها خارج صيغ النمو الاقتصادي العالمي في حينه. ثم شهدت الأرجنتين بعد ذلك انفتاحا فجائيا خلال النصف الثاني من السبعينيات من القرن العشرين جاء نتيجة مبادرة من جانب واحد بانفتاح شديد للأنشطة الاقتصادية الوطنية، سواء الإنتاجية أو الاستهلاكية، معتمدة على تمويل خارجي تمثل بالأساس في عمليات استدانة واسعة تفوق قدرتها على مواجهة أعباء سداد فوائدها ومصاريف خدماتها، مما جعلها تتراكم وتؤدي في النهاية إلى هذه الحالة من التراجع المستمر يعتبرها الخبراء أحد أسباب الأزمة الطاحنة التي تعيشها حاليا والتي تهدد الوضع السياسي القائم فيها نظرا لعدم قدرته على تخطي تبعات ونتائج سياسات اقتصادية سابقة. إلا أن حالة الأزمة التي عاشتها الأرجنتين لم يتم معالجتها خلال الفترة الأولى من حكم الرئيس كارلوس منعم التي بدأت مع بدايات التسعينيات، حيث كثر الكلام دون الفعل عن معالجة تلك الأزمة، بينما ظل الوضع على ما هو عليه، وكأن الأزمة وطرق علاجها المؤقت تحولا إلى نظام ثابت كانت تعمل الحكومة على استخدامه للخروج أو الإيحاء بالخروج من استمرارية تلك الأزمة. وعندما جاءت حالة النمو السريعة عام 1995 قدمها الرئيس منعم كأهم إنجاز له، وبدلا من دعم حالة النمو السريع استخدمها في الدعوة إلى إعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية مما تطلب معه تغيير المادة الدستورية التي تمنع انتخاب الرئيس لفترتين متتاليتين، ولكن مرحلة انفكاك الأزمة مرت كلمح البصر لتترك الدولة الأرجنتينية واقتصادها في حالة أزمة دائمة ألقت بظلالها على الرئيس الجديد «دي لا روا» الذي تولى السلطة بعد فشل منعم في العودة إلى الرئاسة لفترة ثالثة. يكاد ينطبق الأمر نفسه على البرازيل التي ألقت أزمة النمور الآسيوية بظلالها على عملتها مما اضطر الحكومة إلى استخدام المسكنات السريعة بخفض قيمة العملة والحصول على قروض من صندوق النقد الدولي والمصادر المصرفية الأخرى الداعمة لسياسته، مما أدى إلى حالة من النمو السريع «الكاذب» الذي انتهى بعودة الأزمة اكثر حدة مما كانت عليه في السابق. الخروج من المأزق يتضح من خلال تحليل الأوضاع في الدولتين معا لكونهما تنتميان إلى مجموعة اقتصادية واحدة هي «مجموعة ميركوسور» أي «سوق الجنوب» انهما استخدمتا أسلوبا خاطئا في مواجهة الأزمات، فبالإضافة إلى الحصول على قروض زادت فوائدها وخدماتها من عبء الديون المستحقة الدفع، استخدمتا «ميركوسور» بشكل خاطئ، على الرغم من أن هذا التجمع الاقتصادي كان يمكنه أن يكون أحد طرق حل الأزمة لا زيادة تعقيدها. فقد قامت الدولتان بفرض مزيد من الأعباء الضرائبية والجمركية على بعض المواد المستخدمة في الصناعات الوطنية مما زاد من ضعفها وتهميش دورها، وفتح الأسواق أمام السلع الاستهلاكية الأجنبية لتغطية الاحتياجات التي يتطلبها الاستهلاك المحلي لإرضاء أو التخفيف من التذمر الذي بدا يسود الوضع داخل البلاد. مع أن الحل الصحيح، في عالم لم يعد للحكومات فيه سوى دور التنظيم والقدرة على الحوار، كان التوجه إلى العالم الخارجي بشكل مغاير، كالحوار المتعدد الأطراف عبر منظمة التجارة العالمية للحصول على دعم واستثمارات اقل تكلفة من قروش صندوق النقد الدولي والحصول على تسهيلات لتصدير منتجاتها الوطنية بلا عوائق للحصول على مزيد من العملات الأجنبية التي هي في أمس الحاجة إليها لتغطية عجزها التجاري المستمر. وكان يمكن استخدام التجمع الاقتصادي الذي تنتميان إليه «ميركوسور» في دعم مواقفهما عند الحديث معا مع التجمعات الأخرى في حالات الحوار المتعدد الأطراف كما هو الحال مع منظمة التجارة العالمية أو الاتحاد الأوروبي أو مجموعة شمال أمريكا «نافتا» التي تضم الولايات المتحدة وكندا، بالإضافة إلى المكسيك، أو حتى خلال الحوار الثنائي مع دول الجوار. لكن يبدو أن السلطات في كل من الأرجنتين والبرازيل قررتا البحث عن العلاج السريع المؤقت لإيجاد «حبوب مسكنة» للازمة تضمن لهما شعبية وعودة مجددة إلى الحكم بدلا من البحث عن علاج طويل يضمن مستقبل الأجيال القادمة، وهذا الأمر غير مقبول حاليا في عالم «معولم» لا يجدي فيه الانكفاء على الذات، لذلك كانت النتيجة كما هي معروفة: حالة من الركود الحاد تهدد الرئيس «دي لا روا» وحكومته بقلاقل سياسية في أي وقت، تضاف إلى الإرث الذي خلفه الرئيس منعم من قضايا الفساد والرشوة. فيما وصل الحال في البرازيل إلى حالة مشابهة، إلى درجة ترك أجزاء عديدة من البلاد في حالة إظلام تام ليلا نتيجة لنقص الطاقة اللازمة لتوليد الكهرباء وما يترتب على ذلك من آثار جانبية مدمرة على صناعات وطنية أو أجنبية تجد نفسها في وضع يدفع بها إلى إغلاق أبوابها، فتفقد الصناعات الوطنية مزيدا من أسواقها أو الهروب إلى خارج البلاد وما يترتب على ذلك من انعكاس سلبي على حالات الاستثمار الأجنبي وهروب العملات الأجنبية. ـ كاتب مصر tshahin@maktoob.com