عندما قررنا اجراء عملية دقيقة وخطيرة جداً لوالدتي منذ عدة سنوات، اتذكر تماماً مجموعة الجلسات التشاورية مع الطبيب من أجل المزيد من البحث والاسئلة لمزيد من الاقتناع والاطمئنان، وكان يقول ان قناعة المريض بجدوى العملية واطمئنانه للطبيب هما نصف الطريق لاجتياز الازمة بتفاؤل. ولقد أجلنا سؤالاً ملحا جداً حتى الدقائق الأخيرة: كم نسبه نجاح العملية يا دكتور؟ هكذا سألناه في النهاية، وكان رد الطبيب: (نحن لا نحبس ارادة الله في قفص الارقام والنسب، انا نفسي لا أدري ان كنت سأعيش بعد دقائق أو سأستطيع النهوض من على هذا الكرسي؟ ومع ذلك فانا لدي امل واحلم بأن اعيش حياة طويلة جدا، لا أحب هذا السؤال، لكنني لا امنعكم من طرحه طبعاً!). تذكرت هذه الحكاية التي مضى عليها سنوات بعدما قرأت عن خبر نشر في احدى الصحف حول دراسة حديثة اعدتها معاهد جامعة (جورج تاون) في العاصمة واشنطن، تؤكد على أن بعض البشر بامكانهم السيطرة على سلبيات واقعهم بواسطة الحلم أو التخيل، وخاصة اولئك الذين يتمتعون بخيال جامح. وفي الحقيقة فإن التداوي بالحلم سلوك انساني جدا، وقديم جداً، يلجأ اليه الانسان في كل مكان نتيجة عوامل كثيرة، وعليه فأنا أظن بأن الحلم والتداوي به في واقعنا العربي الحالي وصفة شائعة، فاذا كان لديهم في امريكا (بعض) الناس يعالج واقعه بالحلم، فلدينا (كل) الناس يفعلون ذلك. ان التداوي بالحلم لا يعني الدخول في حالة انفصال عن الواقع، وانفصام عن الذات وتفصيلات المحيط، الحلم دواء ناجح جداً، حتى وان كرر الكثيرون بأن الواقع اجمل من الحلم بكثير، ذلك ان الدراسة الامريكية المذكورة اثبتت ان البعض يستطيع تعزيز جهاز المناعة ضد الامراض (الجسدية والنفسية) عندما يتخيل ان الخلايا المقاومة للمرض تنشط لتسيطر على الميكروب! وفي مرجعيتنا الأدبية الخاصة بالحلم والامل فاننا نقرأ كثيرا ونردد شطر البيت المتفائل جدا (ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل) فما هو الأمل؟ أليس هو ذاته أول ابجدية الحلم؟ والحلم هو مشروع التغيير المؤجل الذي لا يجب ان ينتظر طويلا، خاصة حينما نعبر به وعليه نحو واقع ليس أقل شراسة، لكنه اكثر هدوءا وحكمة، فحتى الاحلام لها حكمتها ايضاً! الذين يعترضون على الاحلام ويتمسحون ببركات الواقعية على طول الخط، ويؤمنون فقط بأن الآلات الحاسبة هي الطريقة الحاسمة لجس نبض الواقع والحكم على نجاح الاشياء، وبأن الصفقات الناجحة والمشاريع العملاقة وارصدة البنوك و.. و.. هي المقياس والمرجعية الاولى والاخيرة، فمن كان يحلم من وجهة نظرهم فهذه هي ادوات اختبار مصداقية الحلم!! طبعاً هناك من يفكر بهذه الطريقة ـ وهذا حقه ـ ولكن اتصمد هذه المقاييس وتكفي في كل مواقف الحياة، ومع كل الاشخاص والأزمات؟ هل نحب بمقاييس الآلة الحاسبة؟ هل نأمل وندعو الله بنجاح عملية يجريها اعز الناس على قلوبنا بصفقة من نوع ما؟ واذا وقع مكروه لانسان غال وعزيز وصار على فراش المرض وبينه وبين الحياة شعرة، هل نقايض حياته بالارصدة والملايين؟ وماذا عن طمأنينة قلوبنا، وسعادتنا، فرحتنا بنجاح ابنائنا، بنجاحنا، ايماننا، ثباتنا في مواقف الشدة والهزات التي لا تبقي ولا تذر.. هل نتدبرها بعقود وصفقات وآلات حاسبة؟؟ نحتاج الأمل ونحلم به ونقتاته ونتدفأ به.. فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل. Aisha@albayan.co.ae