هموم اعلامنا العربي كثيرة وتغالب الزمن، وتقهر تقادمه بتيارها الجارف المتجدد، وتجعلنا نفرك اعيننا من الدهشة ونقول مع الشاعر: ذهبت هموم حرت في اسمائها وأتت هموم ما لهن أسامي ! على ان احدث وأسوأ ما يعانيه اعلامنا العربي هذه الايام سواء المرئي منه او المقروء، هو تواضع ادائه بالمقارنة مع الاعلام الغربي عموماً، والاعلام الصهيوني بوجه خاص، الامر الذي تكشف خلال وقائع انتفاضة الاقصى التي دخلت شهرها التاسع دون ان تضع حملها المنتظر، والمأمول بأن يكون تدشيناً لانتصار الحجر الفلسطيني المضمخ بروائح الشهداء والمسنون بنصل الحق على رصاصات الغدر وبنادق الارهاب الصهيوني. فقد زاد اعلامنا العربي لميراثه المعيب في التبعية اللعينة للاعلام الغربي، وبدلاً من ان تنصهر لغة اعلامنا في بوتقة الحدث الاستثنائي والتاريخي، وتعيد صياغة قاموس اعلامي عربي، يعكس حقوقنا ومصالحنا، انزلقت معظم الفضائيات والصحف العربية ـ الا قليلاً ـ في تيار ترديد المصطلحات الغربية ـ المنحازة طبعاً لاسرائيل ـ وتحولت انتفاضة الاقصى الى كلمة خادعة ومضللة نحتتها وكالات الانباء الغربية التي تزعم الحياد، واصبحت مجرد «عنف» او «ارهاب» فلسطيني، وعلى احسن الاحوال عنف متبادل بين الفلسطينيين والاسرائيليين، دون التنبه الى ضآلة قدرة الضحية الفلسطيني المتسلح بصدر عار وحجر في مقلاع بالمقارنة مع القنابل العنقودية والرصاصات المطاطية، والصواريخ المحمولة جواً، والعبوات المفخخة التي تحمل الموت المفاجئ والغادر للأطفال والشيوخ والنساء. وليس هذا الا مثالاً على الخمول العقلي والتكاسل الذي يخنق اعلامنا العربي ويعمق مأزق تبعيته لمصادر الاخبار والوكالات الغربية، لنصبح نرى ونقرأ ونسمع بعيونها اخص شئوننا. ولو اتسع المجال، لعددنا قوائم لا حصر لها، لكن على سبيل المثال، اضطرت وزارة الاعلام في دولة عربية محورية ورائدة الى توزيع تعميم على رؤساء تحرير صحفها القومية والحزبية وبالمثل على قنواتها التلفزيونية باستخدام كلمة «مواجهات» بدلاً من احداث العنف بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وهو تعميم مشكور الا انه لا يفي بالغرض، ولا يقتحم دائرة تحرير الاعلام العربي من مأزق التبعية ولا يطهره من دنس «الحيادية» المضللة في شأن لا حياد فيه: فإما اننا عرب نقف مع الطفل الفلسطيني المنتفض ضد العدو الاسرائيلي، واما اننا لسنا كذلك، ونشاهد مواجهات بين طرفين لا علاقة لنا بأي منهما! ولأن اعلامنا العربي يدمن اسلوب التعامل «اللحظي» بمعنى الانسياق خلف «الفرقعات» المؤقتة والتنقل ما بينها دون تراكم وعي، او دخول دائرة التحليل والاشتباك مع الواقع، فإن كثيراً من الفرص يتم اهدارها، دون الاستفادة منها. ففي الأزمة الاخيرة التي فجرتها فضيحة راهب «النبأ» وفتح ملف الصحافة الصفراء، لم يتطرق احد لمناقشة القضية من باب علاقتها بأزمة الصحافة والاعلام العربي بشكل عام، ورغم ان الفضيحة ظهرت في مصر الا انها تعتبر نموذجاً على امراض الصحافة العربية، لا فرق بين دولة واخرى الا من حيث الدرجة، ووفقاً لتاريخ نشوء الصحافة فيها. فهل ستتاح الفرصة من خلال اتحاد الصحفيين العرب لمناقشة القضية وتشخيص العلاج.. ام سنبقى، نسترجع همومنا مع كل حدث جديد؟