دعاني صديق أمريكي من أصل عراقي إلى العشاء. وبعد أن فرغنا من طعامنا، لم يطلب الصديق القهوة المعتادة في نهاية الطعام، وقال لي: من الأفضل أن ننطلق إلى مكان آخر لنحتسي الشاي، وأحسبك من أهل الشاي ومحبيه، مثل بقية أبناء العالم العربي. قلت لصديقي: لا بأس، ولكن أين نجد الشاي الذي تفكر فيه في كيمبردج هذه؟ قال لي: أصبر، وسترى. وخرجنا من المطعم الصيني الذي تناولنا فيه العشاء. ولم نستقل السيارة، بل سرنا قليلا، وبدا الأمر كما لو كان صديقي يريد التريض قليلا لهضم طعام العشاء الخفيف على المعدة، ولا احسبني في حاجة إلى الإشارة أن ذوي المعد المرهقة من أمثالنا يفضلون الأكل الصيني لسهولة هضمه وعدم إثارته أوجاع المعدة التقليدية. ومضينا في طريقنا. وأنا أحسب أننا نتريض، ونستمتع بنسمات ما بعد الغروب التي تداعب الأوجه ببعض برودتها، كأنها تذكرنا بالشتاء الذي رحل، وتعدنا للصيف الذي سرعان ما يقبل. وفجأة، توقف صديقي، وجذب يدي ليدخل إلى محل لم أنتبه إليه من قبل، أثناء جولاتي على الأقدام في مدينة كيمبردج التي تفتني دائما بهدوئها وخضرتها، وقبل أن أدلف مع صديقي إلى المحل الجديد، طالعت بسرعة اللافتة الكبيرة المعلقة في المدخل، والتي تحمل اسم المحل، فوجدتها تضم كلمة واحدة هي: «تي لوكس». التي تتكون من كلمتين موصولتين معا، الأولى معناها «شاي» والثانية معناها «مفتخر». ودخلنا إلى المحل الذي جذبني بغرابة الديكور الذي لم أعتده، وبما يشبه الأدراج التي تمتد من فوق الأرض بقليل إلى قرب السقف، وتحت الجدار الذي يقع على يمين الداخل، وأمام هذه الأدراج شاب باسم الوجه، يرتدي زيا خاصا، مكونا من بنطال وقميص من اللون الأزرق، وعلى صدره كتابة بيضاوية الشكل بالأحرف البيضاء التي تحمل اسم المحل «تي لوكس» أو «شاي مفتخر»، واختار لنا صديقي منضدة في أقصى زاوية داخلية لنرى، ونحن حولها، كل شيء في المحل. ومن المؤكد أنه تعمد ذلك ليتيح لعيني إشباع فضولهما في النظر. وبالفعل، أخذت أتطلع إلى من حولي، وكلي فضول من ترتيب المكان، ولم يفتني أن ألمح ساعة رملية زجاجية صغيرة في منتصف المنضدة الدائرية التي نجلس اليها، وأثار فضولي أنني وجدت مثلها على كل المناضد المتناثرة حولنا. ولم يكن على الجدران سوى بعض اللوحات لمزارع الشاي المختلفة وأوراقه المتنوعة. وسرعان ما جاءت فتاة ضاحكة العينين، ووضعت ما يشبه الكراسة المستطيلة، وقالت لنا: خذوا وقتكم في اختيار ما تريدون. وقبل أن أتطلع إلى الكراسة، وأقلب صفحاتها، ابتسم صديقي وهو يسألني عن رأيه في هذه المفاجأة، موضحا أن هذا المحل واحد من سلسلة كبيرة العدد من المحلات التي تحمل الاسم نفسه، وتنتشر في الكثير من مدن الولايات المتحدة، وأنها مخصصة للشاي وعشاقه فقط، وتقدم جميع أنواع الشاي التي يعرفها البشر، بل تقدم تركيبات ووصفات جديدة ابتدعها أصحاب فكرة سلاسل المحلات هذه. وأخذت أتطلع إلى الكراسة التي كتب عليها فيما يشبه الخط الأفقي في أسفل الغلاف: «الشاي للجميع». وفوق ذلك صورة فتاة جميلة ترتدي الزي الخاص بالمحل، وتحمل بين يديها بعض عبوات الشاي. وإلى اليسار من أعلى رأسها مربع مكتوب عليه: «معلقة تي لوكس لمعايرة الشاي مجانا». وبدأت أتصفح الكراسة، وسرعان ما قلت لصديقي ضاحكا: هذه كراسة تحتاج إلى مذاكرة ودراسة أولا، ففي صفحة الفهرس كانت العناوين التالية: «أنواع الشاي الكلاسيكي الأسود، أنواع الشاي الكلاسيكي الأخضر، أنواع الشاي الكلاسيكي الأورلنج، أنواع الشاي الأبيض وشاي البوشنج وشاي بيرو، وأنواع الشاي المعطرة، وأنواع الشاي شاي، وأنواع الشاي المنزوعة الكافيين، وأنواع الشاي الموسمية، وأنواع شاي الأعشاب المخلوطة، وأنواع الشاي الصحية، وأخيرا هدايا الشاي وأوصاف الشاي الاصطلاحية». وقلت لصديقي وأنا لا أرفع عيني عن الكراسة المستطيلة: واغوثاه، كل هذه الأنواع من الشاي موجودة في العالم، وأنا لا أعرف منها سوى الشاي الأحمر الذي نشربه صباح مساء على امتداد الأمة العربية، وقد أسميناه كذلك تميزا عن الشاي الأخضر الذي يفضله اخواننا في المغرب. ولم استرسل في الكلام، فقد اندفعت عيني إلى الصفحات التالية، فوجدت معلومات تعليمية عن تاريخ الشاي، وعن الكيفية التي ينبغي أن نتبعها عند اختيار النوع الذي نريد، وكيف نشتري الشاي، وماأسعار أنواعه. ولاحظت أنني لا يمكن أن أطالع صفحات الكراسة كما أريد، وجاءت الفتاة الظريفة، ضاحكة العينين، لتسألنا عن ماذا نريد أن نختار، ونظر إليَّ صديقي باسما، منتظرا تعليقي أو اختياري، فقلت للفتاة: أولا، هل يمكن أن احتفظ بنسخة هذه الكراسة الجميلة؟ فأجابت بالموافقة، مؤكدة أنهم يسعدهم ذلك، ويسعدهم انضمامي إلى جماعات محبي الشاي التي ترتبط بسلاسل هذه المحلات، ولم أسألها عن ضمير الجمع في الذين يسعدهم حصولي على الكراسة، وانما شكرتها، وقلت لها: دعينا بعض الوقت لاختيار مانريد. وتركتني الفتاة باسمة، متشجعة بابتسامة صديقي المؤيدة لطلبي، وأخذت أقلب صفحات الكراسة، وبدأت بما أعرفه من الأنواع التقليدية، فوجدت أنواع الشاي الأسود الذي نعرفه جميعا على صفحتين ونصف، وتبدأ على النحو التالي: «الشاي الأسود هو أكثر أنواع الشاي «الأخضر والأوولنج مع الأسود» من حيث الاعداد أو التصنيع. وكل الشاي مأخوذ من كاميليا السينينس، ولكن اعداده وتصنيعه مسألة مهمة تؤثر على مذاقه. وفيما يتصل بالشاي الأسود، فإن الأوراق تذرى أولا لتبقى منها الأوراق المنداة التي تغدو طرية الملمس. وبعدها ترص الأوراق يدويا أو بواسطة ماكينة دوارة. وذلك لأكسدة الأوراق. وعملية الأكسدة هذه تغير من كيمياء الأوراق وتركيبها». وبعد هذه المعلومات التي عرفتها للمرة الأولى تأتي أنواع الشاي حسب الأقطار التي تنتجه، فهناك أربعة عشر نوعا للشاي الهندي الأسود «شاي الإفطار الايرلندي منزوع الكافيين، شاي الآسام الطبيعي، شاي الإفطار الايرلندي العودي، شاي الدارجيلنج، الماكايباري، الجانجيانا، النيلجيري، الأوتو، التيمي.. إلخ» وحوالي ستة أنواع للشاي الصيني، ونوع لشاي نيبال، وخمسة لشاي سيريلانكا، وثلاثة لافريقيا «التنزاني، والكيني، والذروة الذهبية، وماأشبه». وتأتي الأنواع بعد ذلك متتابعة وتحمل من الأسماء ما لا رأت عيناي ولا سمعت أذناي. ولم أستطع سوى القفز من نوع إلى نوع لأفهم هذا الاختيار الصعب الذي ينبغي أن أقوم به. وقرأت بسرعة أنواع الشاي ذات النكهة، فوجدتها محصورة في الأسود والأخضر، وأن أنواعها تكتسب النكهة من تطعيمها بزيت معين وقطع من الفواكه أو بتائل الزهور المجففة، ولذلك فهناك «شاي المانجو، وشاي السينشا «مايشبه البرتقال» وشاي الشمام والشاي الأبيض، وشاي البندق الملكي، وشاي البرقوق، وشاي الماندرين، وشاي القرفة، والخوخ، والكمثري، والرمان..» ومضيت أقرأ، وكلما ازدادت القراءة ازاداد شعوري بالحيرة، فقلت لنفسي: خذ شاي «الإيرل جراي» الأسود، وتخلص من ورطة الاختيار، فوجدت أن هذا النوع الذي كنت أحسبه بسيطا يتكون من عشرة أنواع، منها «إيرل جراي اليشب، وايرل جراي التوت، وايرل جراي ميدان هارفارد، وايرل جراي الزهرة الزرقاء، وايرل جراي شارع شارلز، وياسمين جراي.. إلخ» ولم يفتنى ملاحظة أن بعض هذه الاسماء تشير إلى فواكه وبعضها إلى أماكن. ولما كنا في مكان بالقرب من ميدان هارفارد. وأغلقت الكراسة ووضعتها في حقيبتى حتى أكمل قراءتها في المنزل. ولما رآني صديقي أتنفس الصعداء، ابتسم قائلا: إذن قررت أن تطلب النوع المحبب، فأشرت برأسي بعلامة الإيجاب، وسرعان ماجاءت الفتاة الظريفة ضاحكة العينين، وأخبرناها بمانريد، فذهبت إلى الفتى الواقع أمام الأدراج، ففتح أحدها، وقام ببقية خطوات عمله. وجاءت الفتاة حاملة برادين من الماء الساخن، مع كل منهما فنجان فوقه مصفاة جميلة مغموسة في الماء، وكان علينا وضع كمية الشاي فوق المصفاة، وقلب الساعة الرملية الصغيرة، والانتظار إلى أن تتساقط ذراتها الرملية مؤذنة لنا بإنقضاء الوقت الذي يحتاج اليه خليط الشاي لاكتمال نكهته. وبعد أن التزمنا بالوقت، مددت يدي إلى فنجاني، وارتشفت عدة رشفات لأرى ما الفرق بينه وبين الشاي الذي أشربه مع الفطور، فلم أجد فارقا كبيرا. لكن هذا الإحباط لم يمنعني من الثرثرة الطويلة مع صديقي عن السيد مخترع فكرة هذه المحلات مع زوجته التي تشاركه عشق الشاي. ولله في خلقه شئون.