السؤال العربي القديم الجديد الذي لا يزال يتكرر على ألسنة الكثير من الناس: متى يضع العالم العربي حدا لعملية الهبوط والسقوط؟ لقد تساءل كل جيل من الاجيال العربية ان كنا قد وصلنا الى نهاية طريق الهبوط وبدأنا طريق النهضة والتنمية، دون ان يكون هناك جواب واضح على هذا السؤال. فالسقوط العربي الذي سعى العالم العربي لتجنبه في اعقاب وقوع البلاد العربية تحت الاستعمار ثم سعى لتجنبه في اعقاب هزائم العرب في مواجهة اسرائيل خاصة في الاعوام 1948، 1967، لم يؤد الى نهضة. فكل ما حاولنا ان نتجنبه كعرب حتى الان قد وقعنا فيه، فإذا بالطريق الذي سلكه العالم العربي على مدى عقود القرن الماضي لم يؤد الا الى مزيد من التراجعات. ولو نظرنا للسياسة في البلاد العربية كأحد مسببات هذا التراجع لتبين اننا امام سياسات عربية تخضع في معظم ما تقوم به لردود الفعل، وفي اغلب الحالات تنطلق من العاطفة لا من الحسابات. وبينما نجد ان معظم دول العالم تخضع كل سياسة لمنطق الربح والخسارة ولمنطق الحاضر والمصالح الراهنة والمباشرة، نجد في المقابل ان الكثير من السياسات العربية تخضع لمنطق التمنيات والتوقعات دون المقدرة على رفد هذه التمنيات بخطط واقعية وبحسابات حقيقية وبفرق عمل منسجمة وبدعم من المجتمع الاكبر. لهذا فالقرار السياسي العربي، أكان في صنع الحرب ام في صنع السلم ام في ممارسة الانفتاح الاقتصادي ام في عملية الاستثمار في التعليم، لا يخضع لحسابات مباشره تعود بالنفع على المجتمع الاوسع. فلو نظرنا مثلا للحرب العراقية الايرانية من الصعب ان نكتشف مصالح الشعب العراقي ثم الايراني من جراء ما حصل، وان نظرنا للغزو العراقي لدولة الكويت وما ترتب عنه لما وجدنا مصالح العراق او مصالح الامة العربية، ولو نظرنا لاحداث سياسية كثيرة وممارسات اقتصادية متراكمة لما استطعنا ان نفهم مصلحة الدولة العربية من تلك التوجهات، هكذا نجد انه بينما يحاسب السياسي في المجتمعات الديمقراطية على الذي قدمه لمجتمعه ولمدينته ولاقتصاده، ويحاسب على عدد الوظائف التي امنها لبلده ونمط التعليم الذي حققه، وعدد المدارس التي فتحها، نجد ان السياسي العربي لا يحاسب على عدد المعارك الشخصية التي سببها وعلى عدد الحروب التي بدأها وعلى عدد الازمات الاقتصادية التي حلت على الناس بفضل غياب الخطة والجدية في صنع القرار. ومن مظاهر التراجع العربي التركيز المبالغ فيه على دور الاطراف الثالثة في مصائبنا، وذلك كطريقة مفيدة لتغييب واخفاء دورنا ودور سياسيينا في مراكمة مشكلاتنا. فبينما في الغرب يقيم السياسي بشكل مباشر على عطائه وعلى دوره، نجد في الوضع العربي ان الاسهل هو لوم الاخرين على كل فشل وسقوط. ان لوم الاخرين من غير العرب ولوم العوامل الاخرى على مصائبنا يعكس جانبا من الصورة، ولكن تقديمه على انه كل الصورة يمثل احد المظاهر السلبية التي تحولت لمناخ دائم يبعدنا عن تحمل المسئولية واصلاح اوضاعنا. وقد نتج عن هذا التركيز المبالغ فيه على العوامل الخارجية ان تحولنا لامة تعيش دور الضحية. بل ان الشعور بالضحية والشعور الدائم بوجود من يتآمر على العرب اصبح بحد ذاته نمطا من انماط عدم تحمل الدول العربية المسئولية تجاه المصير الذي يعيشه العالم العربي اليوم. ورغم قناعتنا بوجود دور للغرب في الكثير من تراجعات العرب، ومع وضوح ما فعلته اسرائيل ومازالت تفعله في الواقع العربي وتجاه الشعب الفلسطيني، الا ان العالم العربي لم يعمل على استغلال الفرص التاريخية والسياسية التي جاءته عبر العقود الماضية لتغير الموازين، كما فعلت الكثير من الدول الاسيوية. فالاستقلال عن الغرب في الخمسينيات كان فرصة كبيرة للتقدم والسير في طريق البناء، الا ان العالم العربي اضاع هذه الفرصة في انقلابات وثورات وحروب اهلية واقليمية انتهت الى نتائج لا تقل سوءا عن تلك التي سببها العهد الاستعماري. وثورة النفط العربي في السبعينيات كانت فرصة تاريخية اهدرناها بصراعات وحروب وهدر اقتصادي. واهدرنا الفرصة التي نتجت من جراء بروز عالم جديد يعتمد على العقل والعلم لا الصناعة والحديد والصلب، اذ كان بإمكان العالم العربي ان يستغل هذه الفرصة لردم الهوة مع الغرب ولكنه لم يستغلها حتى الان. ويبقى الامل بأن استمرار عملية التراجع في العالم العربي قد تكون العامل الرئيسي الذي قد يسمح ببروز جيل من السياسيين والمفكرين والممارسين القادرين على قيادة العالم العربي نحو نهضة جديدة استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت