في الأيام القليلة الماضية أغلقوا عليهم أبواب فندق محترم في بريتوريا عاصمة جنوب أفريقيا. كانوا فريقا من الدبلوماسيين والسياسيين وأهل القانون عكفوا طيلة أيام الأسبوع الماضي على اضفاء اللمسات النهائية على وثيقة تشكل أهمية محورية بالنسبة لقارة أفريقيا.. مستقبلها وشعوبها وساستها وحكامها على السواء. حملت الوثيقة عنوانها الذي بات شعارا يتردد على أكثر من لسان وهو.. «ماب». والكلمة في مفردات الانجليزية تعني بداهة الخارطة ولكنها في الأصل تكوين من حروف عبارة في الانجليزية تفيد معنى له دلالة لافريقيا.. والعبارة تقول: خطة عمل الألفية. وأما الألفية فهي بالطبع القرن الجديد - الحادي والعشرون من تاريخ البشرية الميلادي. وأما خطة العمل فتتعلق بهدف انعاش الاقتصاد والأنشطة الاقتصادية لقارة افريقيا وهي خطة تقرر طرحها على اجتماع قمة منظمة الوحدة الافريقية الذي التأم عقده منذ أيام في العاصمة الزامبية لوساكا ليضم رؤساء دول وحكومات أفريقيا، طلبا لتعليقاتهم وارائهم بشأن خطة - العمل. وأما خطة أو مشروع «ماب» للالفية فهو في مجمله مستوحى من مؤتمر قمة الالفية الذي عقدته الجمعية العام الماضي في نيويورك، حيث اشارت القمة الدولية وقتها الى استعداد المجتمع العالمي كي يمد يد العون للقارة السوداء من أجل انعاش اقتصادها وترشيد استثمار مواردها وتفعيل الطاقات التي تحفل بها والسير قدما على طريق التنمية والتقدم والعدل والديموقراطية. بنات أفكار مبيكي وعلى وجه التحديد - تقول مجلة «الايكونومست» البريطانية «عدد 13 يوليه الحالي» جاءت خطة ماب المذكورة من بنات أفكار رئيس جنوب افريقيا ثابو مبيكي - خليفة الزعيم التاريخي نيلسون منديلا الذي مازالت تراوده أفكار اقرب الى الطموحات وتخايله رؤى أقرب الى الاحلام وهو يلخص هذا كله في عبارة تنشرها «الايكونومست» على الوجه التالي: نهضة أفريقيا «افريقان رينسانس» وكان من حسن المصادفة ان شارك في هذه الرؤية النهضوية عدد آخر من الرؤساء الأفارقة منهم عبدالعزيز بوتفليقة رئيس الجزائر «اعانها الله في محنتها الراهنة» ومنهم أوبسانجو رئيس نيجيريا، ومن ثم عمدوا الى تشكيل أكثر من مجموعة عمل تعكف - كما أسلفنا في صدر هذا المبحث - على وضع أجندة افريقية يتمثل هدفها الاستراتيجي في أمر غاية في الأهمية هو: - اثبات التزام القيادات الافريقية العليا بالديموقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة تفشي الأوبئة «الايدز بالذات» واصلاح الهياكل والمسارات الاقتصادية بحيث يقتنع العالم بهذا الالتزام ومن ثم يمد يد العون على شكل مساعدات مالية ومعونات اقتصادية ونقل لثمار التكنولوجيا.. الى افريقيا بحيث تكون البداية أن يوظف العالم استثماراته على أرض القارة كي تتخذ خطواتها على طريق الانتعاش. وعود توني بلير من ناحية أخرى كان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في مقدمة القيادات العالمية التي ابدت اهتماما بآفاق هذا الانتعاش الافريقي المرتقب، قال بلير خلال حملته الانتخابية التي جددت مقامه في مقر رئاسة الوزراء البريطانية 10 دوننج ستريت انه على استعداد لانشاء شراكات مع افريقيا اذا ماعمدت زعاماتها الى وضع مخطط كبير وطموح علمي لاصلاح الأمور. وفي ضوء هذه التصريحات أو بالأدق هذه الوعود اتخذ الرئيس مبيكي مبادرته واصدر زملاؤه الرؤساء الآخرون تعليماتهم بوضع الخطة «ماب» لعرضها على قمة لوساكا.. حيث وعد رئيس جنوب أفريقيا بدوره بعرض نتائج هذا الالتزام الرئاسي على رئيس الوزراء بلير ومن ثم يقوم المسئولان،الافريقي والبريطاني بعرض الخطة كاملة على قمة مجموعة الدول الصناعية الثماني المتقدمة خلال انعقادها المقرر أن يتم في مدى أيام قليلة في جنوه بإيطاليا. خمسة محاور أساسية يبقى السؤال الهام: ماهي أبرز معالم خطة النهضة.. الانتعاش الافريقية - ماب؟ في معرض الاجابة عن السؤال.. نعرض فيما يلي لأبرز المحاور الخمسة التي تتآلف منها هذه المبادرة الافريقية: أولا:اقرار السلام والأخذ بمزيد من التحول الديموقراطي في سياسات الحكم. ثانيا: احترام حقوق الانسان. ثالثا: الاستثمار في البشر بمعنى أن يتوفر للمواطنين الافارقة تعليم أرقى وخدمات صحية اكفأ وأفضل. رابعا: تنويع الأنشطة الاقتصادية وتشجيع التبادل التجاري سواء بين دول القارة الافريقية أو بين افريقيا والعالم الخارجي خامسا: مكافحة انتشار الأمراض ودعم التكنولوجيات الجديدة تعزيزا للتطوير العلمي على مستوى النظرية والتطبيق. - في هذا السياق لا يفوت المحللين الدوليين المعنيين بـ «الشأن الافريقي» أن يلاحظوا انقسام القيادات الافريقية الى رأيين أو الى تيارين أساسيين: - الأول: تيار يقول بأن الأمر يقتضى تفاهما بين مجتمع المانحين الدوليين الذين يقدمون المساعدات للقارة السوداء وبين أهل القارة انفسهم.. تفاهما يقوم على التزام كل طرف.. المانحون يقدمون المساعدات ويعملون على تخفيف أعباء الديون الباهظة عن الكاهل الافريقي المشتعل اصلا بأعباء مواريث التخلف. فيما يرتب الافارقة على أنفسهم التزاما تمثل المحاور الخمسة السالفة الذكر حده الأدعى وعلى أساس مبدأ ان نساعد أنفسنا حتى يساعدنا الآخرون. الثاني وهو تيار اكثر راديكالية كما يمكن ان نسميه.. ويؤمن بأن تقديم المساعدات الى افريقيا لا ينطلق من مجرد الشهامة الاخلاقية أو مروءات التطوع والايثار الخيري.. بقدر ما انه واجب تاريخي لابد وأن تنهض بتبعاته الدول الغربية بالذات كي تعوض القارة المهيضة عن سنوات.. بل عقود وقرون الاستغلال الاستعماري والنهب الامبريالي لثرواتها وامكاناتها وقدراتها. وهنا يطبق مبدأ آخر مغاير تماما للمبدأ الأول - مبدأ يقول.. أن حقوقنا ردت الينا.. كلها أو بعضها وهذا هو أضعف الايمان. في هذا السياق أيضا يشير المراقبون الى الاجتماع الذي التأم عقده مؤخرا في القاهرة حيث حاول المسئولون الافارقة ايجاد نوع من التوازن المرهف بين التيارين. والمشكلة أن افريقيا لا تزال تعاني من اثار الاستعمار الجديد.. وهناك من قادتها - روبرت موجابي مثلا، وهو رئيس زمبابوي ـ من لا يزال يقول أن التركة الكولونيالية التي ورثتها أقطار افريقيا هي سبب أدوائها ومكمن العلل التي مابرحت تصيب هياكلها الاقتصادية والاجتماعية. أزمة حقوق التملك والمشكلة من جانب آخر أن من أركان مجتمع المانحين في أوروبا أو في أمريكا من يصر على النيل من زعماء افارقة متشددين أو وطنيين متطرفين تحت شعارات التصدي للديكتاتورية.. ومن أركان مجتمع المانحين ايضا - في بريطانيا على وجه الخصوص ـ من يشن حملات ضد رئيس زيمبابوي بالذات تحت شعارات احترام حقوق التملك لاسيما وأن ذلك البلد الافريقي يعاني حاليا أزمة تتمثل في أن هذا الاحترام - وهو في ظاهره أمر طيب ومطلوب - يعني تكريس وتثبيت وتجذير امتلاك، بل واحتكار بقايا المستوطنين البيض في زمبابوي - ومعظمهم من أصل بريطاني وكلهم من اخلاف المستعمرين الانجليز الاوائل لروديسيا الجنوبية «الاسم الاستعماري القديم لزمبابوي» - لأفضل وأخصب الاراضي في تلك البلاد، وعلى حساب الأفارقة السود.. اهلها الشرعيين والأصليين الذين عانى اسلافهم المباشرون من استغلال في الاستيطان الاستعماري الذي بدأ منذ أوائل القرن العشرين وربما قبل ذلك بقليل ثم كتب عليهم أن يظلوا راسفين في قيود الغبن والتخلف والحرمان.. لا يملكون ارضا ولا ينعمون براحة بل مازالوا يستغلون اجراء كادحين في المزارع التي ورثها البيض عن تركة الاستعمار والاستغلال. هكذا يكاد الوضع في زيمبابوي يختزل ويجسد احد أخطر الازمات المستحكمة التي تواجهها أفريقيا. مزارعون بيض مالكون للأرض وفي حوزتهم صكوك الملكية المشروعة والموروثة التي ينادي الجميع باحترامها. مواطنون سود يعانون اوضاع الاجراء المعدمين غير المالكين الذين لا يحوزون شيئا اللهم الا واقع الحرمان وشظف العيش وانقطاع الأمل في المستقبل ومازالت المعارك مستمرة.. تحت السطح وفوق الأرض. معارك تصفها «الايكونومست» في تحليل نشرته بأنها من أجل الوصول الى حلول وسط. ومن ثم فإن المشكلة تتلخص حاليا في ايجاد صيغ يمكن أن تقبلها زعامات أفريقيا على اختلاف انتماءاتها ومن ثم يمكن أن «تبيعها» لشعوبها. اذا استخدمنا المصطلح الشائع في دنيا الاعلان أو في قاموس السياسة الأمريكية.. كما يكون من شأن هذه الصيغ، في الوقت نفسه، أن تقنع زعامات العالم - وقيادات مجتمع المانحين ومقدمي المساعدات الإنمائية الرسمية بأن افريقيا جادة - هذه المرة بالذات - في تصميمها على السير قدما في طريق الاصلاح وصولا الى هدف الانتعاش المنشود. بيد أن الصورة ليست على هذا القدر من الوردية وانتعاش الآمال لأن الساحة مليئة بمشاريع سابقة اجهضت ومخططات ماضية لم تنفذ وآمال محبطة لم تجد طريقها يوما الى حيز التنفيذ. فشل خطة لاجوس وهل ينسى العالم مثلا..خطة لاجوس التي أعلنوها عام 1980 وسط ضجيج اعلامي وتهليل دعائي وكأنها طوق الانقاذ الأخير لقارب افريقيا كي يجذبه الى شاطئ الأمان.. وفي هذا السياق لا تتورع أوساط الغرب عن القاء اللوم في هذا الفشل على عاتق زعامات افريقيا نفسها على اساس أن من هؤلاء الزعماء من تملص من التزاماته وربما كان فيهم من وضع توقيعه اليوم على وثائق الالتزام ثم عاد الى بلده ليجد نفسه معزولا من سدة الحكم.. هذا ان أتيح له سبيل العودة أصلا.. أو اذا كتبت له النجاة بل الحياة من الأساس. ويرتفع اصبع الاتهام أكثر وأكثر حين يقول مجتمع المانحين: أن زعماء افريقيا كانوا قد أعلنوا عن قبول التزاماتهم ووعدوا بتنفيذ الاصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة منهم.. ولكنهم كانوا يشرعون أقلامهم الفاخرة للتوقيع على الوثائق.. فيما كانت عيونهم مسلطة على أموال المعونات المرتقبة الطائلة.. وما أن تدفقت أموال المعونات.. حتى تم تناسي الالتزامات والنكوص عن التعهدات ووضع الوثائق في ملفات النسيان. ولم يقتصر الأمر على حكاية الاهمال والنسيان أو حتى التراجع عن الالتزامات.. لقد أسيء استخدام أموال المعونات.. فمنها ماذهب الى جيوب المحاسيب ومنها ماتم ايداعه في حسابات شخصية وسرية في بنوك سويسرا.. ومنها ماصرف على مشاريع تتسم بالمظهرية والابهة أو في أقل القليل تصدر في التنفيذ عن مبدأ الانتقائية حيث الاصلاح والتنمية والتعمير تختص به قبيلة الزعيم أو قرية الرئيس أو جماعات المنتفعين الذين تحولوا بالمعونات الخارجية الى وسيلة للتربح والكسب السهل السائغ والرخيص. مرض إدمان المعونات وهكذا أصيبت الاقطار الافريقية بمرض الادمان ودبت في هياكلها وبنيتها سوسة الفساد. هو ادمان المعونة ويتمثل - كما في حالة مدمن المخدرات - في اتكال الاقتصاد الوطني على حقن الأموال الواردة من الخارج ومن ثم عجز النشاط الاقتصادي الداخلي عن الوفاء لا بالمهام المطلوبة من حيث تقديم الخدمات الأساسية اللازمة للناس، ولا أيضا من حيث سداد التزامات خدمات الديون الخارجية.. وتكون النتيجة أن يظل هذا الاقتصاد دائرا وسط حلقة جهنمية مفرغة لا يستطيع منها فكاكا وانما تزيد معها مديونية الوطن وارتفاع معدلات الفقر بين المواطنين. في اطار هذه الدائرة المغلقة يفرخ ميكروب الفساد الذي لا يصيب الهياكل الاخلاقية ومنظومات القيم التي تمارس دورها اصلا في عمليات الضبط الاجتماعي بل يتعدى الأمر الى تدمير البنى الاقتصادية بإشاعة سلوكيات نهب واستحلال المال العام فما بالك اذا كان مالا أجنبيا يصعب على أصحابه ومانحيه أن يتابعوا مساره بدقة أو يرصدوا مصارفه بإحكام واتقان. هناك من يطرح اقتراحا في هذا الصدد يقول بأن تتم عمليات الرقابة والرصد بصورة متبادلة بين الأقطار الافريقية ذاتها. هذا الاقتراح صاغوه تحت مصطلح مستجد في أجرومية العلاقات الاقتصادية الدوية وهو: رقابة الند أو النظير. وأيا كان الرأي في هذه التصورات، فهي تعكس في تصورنا نظرة نراها مبتكرة ان لم تكن مبدعة في مقاربة مشاكل القارة.. ولعل أفضل ماتتسم به هذه النظرة هو منطلقها الواقعي، لا من أحلام الماضي الموغلة في الرومانسية، سقى الله أيام زعيم رائد مثل كوامي نكروما الذي كان يتصور - منذ أواخر الخمسينات أن جامعة الشعوب الافريقية - أو آصرة الوحدة الافريقية - بأن افريكانزم كانت قاب قوسين أو أدنى من التحقيق والتجسيد وكأنها البلسم الشافي للقارة السوداء من كل ماعانته من مواريث الماضي وعلل الحاضر من أدواء. وفي كل حال فإن خطة «ماب» الافريقية بكل مالها وبكل ماعليها - تشكل خطوة على الطريق الصحيح، بمعنى انها تشهد بأن افريقيا قد أدركت أن ليس بالمعونات وحدها تصلح الأوطان وانما بالمعونات والادارة السياسة والاصلاح الهيكلي في المجالات كافة وبرصد مسارات المعونة الى أين ذهبت وكيف تم انفاقها وما هو العائد الاقتصادي - الاجتماعي الأمثل الذي تجنيه المصالح القومية من ورائها. وكل هذا لن تثنيه مجرد اعلان النوايا في المؤتمرات وتحت الفلاشات.. دع عنك وسط الاقلام الرئاسية الابنوسية الثمينة المشرعة لزوم التوقيع. انما يثبته - كما تؤكد «الايكونومست» - المسلكية التي تبديها الحكومات الافريقية، حين تنهج سياسات رسمية تقوم على اساس التصدي للفساد والاخذ بمبدأ المكاشفة العلنية وتطبيق آليات المساءلة والحساب. هنالك تقطع افريقيا الطريق على شكوك المتشائمين وتدعم حقا مايذهب اليه المحللون المتفائلون بمستقبل التنمية على صعيدها، وفي مقدمة هؤلاء المتفائلين البروفيسور صالح بوكر وهو من كبار الباحثين المتخصصين في الشئون الافريقية في مجلس العلاقات الخارجية بالعاصمة الأمريكية واشنطن، ولسوف نعرض للدراسة التي نشرها مؤخرا وتحوي اطلالة على افريقيا وانتقادا لسياسة أمريكا على صعيدها في الجزء الآخر من هذا المبحث بمشيئة الله. ـ كاتب سياسي من مصر