نخرج كل يوم الى العمل في الساعة نفسها، ونعود في المساء لنتحدث عما قمنا به، وما صادفناه في نهارنا ذاك، ثم لنستعد ثانية لنهار عمل آخر مليء بالصراعات والازمات اكثر من امتلائه بالانتاج والابداع والعمل. ان منظومة المؤسسات والمكاتب واماكن العمل التي ندخل في دواماتها كل يوم صباح مساء، تكشف لنا عالماً معقداً ومتشابكاً من البشر والنفسيات والمصالح والتوجهات، وبمعنى آخر تكشف عيوب ونقائص هذا (الموزاييك) الثقافي والعرقي والانتمائي الذي يحدد في النهاية واقع هذه المؤسسات، ومستقبلها ومستوى انتاجيتها ونوعية العلائق السائدة فيها. وحين تتنفس هذه المؤسسات مناخاً كمناخ العالم الثالث الذي يفتقر الموضوعية والكفاءة وقوانين العمل الثابتة، وتقاليد الادارة الراسخة، وتقوم اغلب اداراته على تركيبة عجيبة من العقليات والتوجهات الفئوية وآليات العمل والتنفيذ الذاهبة وراء المصالح الخاصة، والبدائية غير المبررة في نهاية القرن العشرين، هنا يصبح لموضوع النفسيات والمصالح وانماط السلوك والقيادة اهمية قصوى لابد من الانتباه اليها جيداً. ففي دول العالم المتقدم تتفرد الادارة بعلم يختص بالبحث في سلوك الاشخاص في اطار المؤسسات والمنشآت الادارية، يطلق عليه «علم النفس الاداري» يهتم بدراسة السلوك البشري في المجال الاداري دراسة علمية بهدف تحليله وفهمه ومعرفة اسبابه ودوافعه وبالتالي ضبطه والتحكم فيه... الخ. وبالتأكيد فإن علما كهذا تحتاجه مؤسسات العالم الثالث ـ وأظن ان مؤسساتنا جزء من هذه المنظومة ـ لأنه العلم الذي يمكنه الاجابة عن هذه الاسئلة التي نثيرها يومياً في الدهاليز وخلف الابواب وسماعات الهواتف وأحاديث الاصدقاء، من شاكلة: لماذا يتصرف الزميل فلان بهذه العدائية؟ ولماذا يتخذ المدير هذا الموقف؟ وما سبب هذا التكتل اللااخلاقي ضد فلان؟ ولماذا تحارب المجموعة الفلانية هذا الموظف تحديداً؟ وما هي عوامل بروز من يسمّوْن بأعداء النجاح؟ و... الخ. تساؤلات كثيرة نطرحها في نهاراتنا تكشف عن خلل في العلاقات الانسانية، وعن حالة من الصراع بين زملاء العمل، مما يضطر البعض للدخول مكرهين في دوامات وتفاصيل قاتلة من التبريرات والدفاع وتوضيح المواقف، واتخاذ الحذر واهدار الوقت في نقاشات وتحليلات تلتهم وقت العمل وتقلل الانتاج، وتهدر الكثير من حقوق الآخرين، بينما الصراع يتسع ولا يتوقف ابداً، وكأن هذا الموظف يخرج يومياً لا الى العمل ولكن الى جبهة من جبهات الحرب والقتال، وياليتها حرب نظيفة او نبيلة. ولاشك بأن اول من يجب ان يشعر بأهمية هذا العلم هم اولئك المتجذرون في نسيج المؤسسات من عاملين وموظفين وراسمي سياسات وصانعي قرار، كذلك المتعاملين معها من الخارج بشكل مباشر مثل العملاء والجمهور المتلقي للخدمات، او بشكل غير مباشر كالدارسين والباحثين واهل الاعلام. من هنا يسقط بعض الموظفين اسرى الخوف والتردد والقبول بالظلم..الخ، حيث تعمل بيئة العمل في مؤسسات العالم الثالث على خلق ارضية حركة متخلفة جداً يعاني منها المجتمع بأكمله وليس الموظف فقط، بدل ان تكون ارضية خصبة للانتاج والعطاء لصالح الجميع. Aisha@albayan.co.ae