كتب الله لي في مطلع هذا الأسبوع أن أعيش وأعاين حوادث عنصرية في لندن وباريس. فقد زرت العاصمة البريطانية يومي السبت والأحد الماضيين ورأيت بعيني بعض مظاهر العنف العنصري الذي ضرب محلات تجارية ومنازل يملكها هنود وباكستانيون وعرب بمدينة براد فورد، ورأيت هؤلاء المواطنين المساكين الذين يتعرضون للسلوك الاجرامي لبعض شباب بريطانيا المتهور والمتطرف لمجرد ان وجوههم سمراء، ورأيت غضب الرأي العام البريطاني على شاشة البي بي سي حيث يندد اغلب الناس العاديين بهذه الممارسات، ويعتقدون انها لا تليق بالتقاليد البريطانية العريقة في التسامح العرقي وقبول الاختلاف كظاهرة تثري المجتمع البريطاني في كنف القانون. أما في باريس حيث أقيم فظاهرة السلوك العنصري لمستها هذا العام في افتقاد اليد العاملة بصورة تشل اقتصاد فرنسا وتوقف عجلة التنمية. فلأول مرة هذا الصيف استحال عليّ شخصيا وعلى مئات الالاف من ساكني فرنسا ان نجد سبّاكا يقوم بتركيب او تشغيل او اصلاح المواسير في غرفة حمام، وان نجد عامل بناء يحفر اسسا او يبني بيتاً وأن نجد عاملا فنيا كهربائيا يراجع او يصون تجهيزاتنا او يعيد تنظيم شبكة الكهرباء... او أن نجد بالطبع عاملا بسيطا بدون مهارة يشتغل في الحدائق او يعتني ببستان او مزرعة. اذا احتجت في فرنسا الى أحد هؤلاء فعليك اخذ موعد قبل ثلاثة او اربعة اشهر. هذا وقع لي حين اقتلعت عاصفة الاسبوع الماضي شجرة من أشجار الحديقة ويستحيل وجود عامل لاستكمال قطعها ورميها في النفايات. العامل الوحيد الذي عثرنا عليه كتب اسمنا وعنوان بيتنا في اجندته ووعدنا خيرا بأن يخلصنا من الشجرة المقطوعة في منتصف نوفمبر المقبل! هل تعلمون السبب الحقيقي لهذه الازمة الخانقة التي تعطل فرنسا كلها؟ ان السبب عنصري اساسا لأن القوانين الفرنسية منذ ثلاثة وعشرين عاما اتجهت لايقاف الهجرة تماماً نحو فرنسا تحت ضغط احزاب اليمين المتطرف. وهذا اليمين كان انذاك قويا بل كاد زعيمه جون ماري لوبان يصل الى رئاسة جمهورية فرنسا عندما بلغ نسبة حوالي 20 بالمئة من اصوات الناخبين. فقام الرئيس فاليري جسكار دستان من عام 1978 الى عام 1981 ثم الرئيس ميتران من 1981 الى عام 1994 بسن قوانين «وقائية» ضد الهجرة التي سموها «متوحشة»، ولكن الحقيقة ان القوانين الفرنسية خنقت اقتصاد فرنسا فتوقفت الاشغال في حركة بناء البنية التحتية الضرورية للمجتمع الفرنسي كما رفعت اسعار البناء وما تبع البناء من مهارات الكهرباء والغاز والنجارة والحدادة الى غير ذلك... بل وصل الامر في بعض مدن فرنسا مثل نيس ومرسيليا الى تهديد صحة المواطنين بالتلوث والحشرات والأمراض بسبب فقدان اليد العاملة المهاجرة التي كانت تنظف شوارع المدن وترفع النفايات وتحرقها... فالمواطن الفرنسي بالطبع اصبح يستنكف من العمل الشاق والقذر وقد كان العمال القادمون من افريقيا الفرنكوفونية هم الذين يقومون بأعمال تنظيف المدن منذ الاربعينيات بل ويورثون هذه الوظائف بالبلديات لأولادهم وأحفادهم. اما اليوم فقد انقطع المدد وأصبح العثور على عامل نظافة بسيط يوازي العثور على حامل جائزة نوبل في الفيزياء النووية. وفي بعض المدن تكدست «الزبالة» لأن العنصرية لها قوانينها الغريبة العجيبة التي تعود بالوبال على من سنّوها. ونذكر ادبيات الاحزاب اليمينية المتطرفة والعنصرية في فرنسا حين كانت تكتب صحفها بأن في فرنسا ثلاثة ملايين عاطل عن الشغل وثلاثة ملايين مهاجر عربي وافريقي، ولذلك حسب منطقهم الفاشي الساذج فإن المهاجرين يأكلون خبز الفرنسيين ويحرمونهم من الشغل. وهو منطق اهوج ومغلوط ومغشوش.. لان المهاجر المغاربي او الافريقي لا يجد الا الشغل الوعر والشاق والذي يستحيل ان يقوم به الفرنسي.. حتى اطباؤنا المغاربيون منا هم الذين يسهرون على علاج المرضى الفرنسيين من منتصف الليل الى الصباح وهم الذين ـ بشهادة شرفاء فرنسا ـ يشتغلون في مراكز نجدة المصابين وعلاج مرض الايدز وكبار المحروقين، اي كل ما يدخل في اطار الاعمال الطبية شديدة الصعوبة والحساسية. وقس على ذلك المهندسين وكل الوظائف الاخرى بما فيها الاعمال التطوعية الانسانية التي تجلب شبابنا المسلم في فرنسا من منطلق العقيدة الاسلامية والايمان بالله ومحبة الخير والفضيلة. كل هذه الاكاذيب التي يطلقها اليمين المتطرف ضدنا نسجت شبكة خوف من المسلمين والملونين عموماً ومن الهجرة القانونية المنظمة، الى درجة اطلاق صفة الارهابي على كل مسلم لدى شريحة عريضة من الرأي العام الفرنسي ـ والاوروبي عموماً ـ والنتيجة حرمان الاقتصاد الفرنسي من تلك الطاقات بخسة الثمن في الحقيقة وتعطيل آلية التنمية بدعوى «تنظيم الهجرة». وقلما تجد صوتا جريئاً من الطبقة السياسية الفرنسية يصدح بالحل الحقيقي لهذه الازمة الخانقة، الا وهو اعادة فتح باب الهجرة امام شباب المغرب العربي حتى تنفرج ازمة العمالة ويجد هذا الشباب المسلم القادم من ضفة البحر الابيض المتوسط الجنوبية لقمة عيش كريمة في هذه المجتمعات الغنية والمرفهة والمحكومة بالمؤسسات. ـ أستاذ الاعلام في جامعة قطر