الفكرة الشائعة عنا نحن العرب، اننا امة نكتب الانشاء ولا نصنع الاشياء، وأننا خبراء في «الكلامولوجيا» لا في التكنولوجيا، وأننا ظاهرة صوتية فنحن نجعر كثيرا ونفكر قليلا، ومع اننا لا نكف عن الكلام فيندر ان نقول جديدا لأن ذلك يتطلب ان نفكر وهي مهمة كفت عقولنا عن القيام بها منذ زمن فلم تعد من ضرورات الحياة. ولعل الأوان قد آن لكي نضيف لكل هذا اننا بسبب كل هذا اصبحنا امة وسواسة، لا نستطيع ان نتنفس الا في مناخ من الشكوك والهواجس، فإذا لم تحد ما يدعو لذلك، اختلقته اختلاقا واستسلمت له بكل طاقتها وكفت نهائيا عن البحث عن الحقيقة، بل وحرصت على ان تستبعد كل معلومة تشككها في هذا الشك، لأنها تستمتع به في ذاته وتجد فيه اثارة تخرجها من ملل حياتها وركودها وما تعيشه من نكد أزلي، ثم انه وهو المهم يتيح للعقل العربي ان يستمتع بأجازته المستمرة. ومنذ سنوات طويلة شغفت بتأمل هذه الظاهرة فيمن ألتقي بهم من الناس، الذين يخضعون لما يسميه علماء النفس بالوساوس المتسلطة، وهي حالة تتفاوت من حيث الشدة وأبسطها وأشهرها هي «الشخصية الموسوسة» التي نلتقي بها كثيرا في حياتنا والتي يتسلط على صاحبها شعور بأن كل ما يأكله، مليء بالميكروبات فيصر على غسل الخضروات بالماء والصابون عشر مرات، او يغسل يده بالمطهرات كلما صافح انسانا، او يكرر الوضوء لظنه انه أخطأ في بعض خطواته او ان شيئا قد حدث فنقضه. في الحالات المتوسطة تبدو الامور اكثر تعقيدا، وكان من بين هؤلاء صديقي القصاص الموهوب الراحل «يحيى الطاهر عبدالله»، الذي كان لديه وساوس متسلطة قوية، بأن هناك مؤامرة تستهدف حياته، وأن الامبريالية الامريكية تسعى للقضاء عليه، بسبب نشاطه السياسي وأتذكر انني خرجت معه ذات يوم في منتصف السبعينيات من منزل احد الاصدقاء ومعنا اخرون من الكتاب والادباء وكنا نسير في شارع هاديء خافت الاضاءة، لا تمر به السيارات الا نادرا حين ظهرت فجأة من منحنى الطريق سيارة مسرعة، لابد ان سائقها لم يكن يتوقع ان يجد في عرض الطريق سابلة، وخلال ثوان كنت قد جذبت «يحيى» من يده لنقتحم سياجا على الجانب الآخر من الطريق. ولولا ذلك لكانت السيارة بالقطع قد صدمتنا، وبعد ملاسنات متبادلة بيننا وبين السائق، مضينا في طريقنا ليمضي «يحيى» بقية الليلة، يشكرني على العمل البطولي الذي قمت به حين انقذته من محاولة الاغتيال التي قامت بها السي. آي. أيه، لتصفيته بدنيا. ومع ان المديح اثلج صدري، الا انني لم اجد مبررا واحدا يدفع السي. آي أيه، للتآمر على «يحيى» اذ لم يكن يقوم بأي نشاط سياسي في ذلك الحين ولعله لم يقم به بشكل جدى في اي وقت وكان ذلك ما قلته له، لافتا نظره الى ان هناك اخرين من المشتغلين بالعمل السياسي ممن يعادون الولايات المتحدة ولا يكفون عن التنديد بسياستها وقيادة المظاهرات ضدها، قد يكونون اولى بمثل هذه الرعاية من السي. آي . زيه، ولكنه تجاهل كل ما قلته، وبدأ يروي لي في تلك الليلة وفي كل لقاءاتنا التالية شواهد اخرى من النوع نفسه على هذه المؤامرة، كففت بعد سماعها عن مناقشتها بالمنطق واستسلمت للاستماع اليها بشغف باعتبارها حالة فنية يتقصمها «يحيى» وارهاصا بولادة قصة او رواية جديدة، وذات مرة وفي ختام مرويات عديدة من هذا النوع، قلت له: انا مش عارف المخابرات الامريكية بتهملني ليه.. ما تتوسط لي عندهم عشان يتأمروا علي! وفي ذلك اليوم سحب يحيى وشاح البطولة الوطنية الذي كان قد منحه لي، وأضاف اسمي الى اسماء عملاء المخابرات الامريكية وحرمني شرف ان اكون احد الذين تطاردهم وتسعى لتصفيتهم بدنيا. ولم يكن الاحساس المبالغ فيه بالمطاردة بعيدا عن المناخ السياسي الذي كان سائدا في مصر الستينيات، التي وصلت فيها الهواجس الامنية لدى السلطة الناصرية الى ذروتها، وقراءة عابرة للأعمال الفنية والأدبية بل والمسرحية خلال تلك الحقبة وما بعدها، تكشف عن ان افتقاد الامن، والاحساس المبالغ فيه بالملاحقة يكاد يكون هما مشتركا للشعراء والروائيين وكتاب المسرح، ولم تكن مشاعر الاكتئاب التي حطت على أدباء مثل «يوسف ادريس« و«صلاح جاهين» سوى بعض التجليات النفسية للهزيمة المريرة التي وقعت في عام 1967 والتي القت بكثيرين من قمة جبل المباهاة القومية، والاعتزاز بما كانوا يظنون ان الوطن قد حققه من احلامهم، الى جب الهزيمة والاحباط والانكسار، وكان الاثر اقوى، لدى الذين كانوا اكثر اقتراباً من السلطة الناصرية، واكثر مراهنة عليها.. ممن فاجأتهم الهزيمة على غير انتظار او توقع. وكان من اعجب النماذج البشرية التي التقيت بها من هذا النوع، رجل عجوز، كنت التقي به عادة، في قاعة الاطلاع بمبنى دار الكتب القديم، وكان ينتظم في الحضور في ساعة محددة كل يوم، ولا يكف عن طلب مجلدات صحف قديمة وموسوعات ودوائر معارف وخاصة مجلدات «الوقائع الرسمية». وذات مرة تطفلت عليه، سألته عن الموضوع الذي يبحث فيه، فروى لي قصة طويلة، خلاصتها انه فقد كل المستندات التي تدل على وجوده على قيد الحياة، وان جهة مجهولة، قد اخفت جميع الاوراق التي تدل على ذلك، من شهادة ميلاده الى شهادة تخرجه من الجامعة، ومن شهادة تطعيمه ضد الجدري الى وثيقة زواجه من زوجته، التي ذهب لزيارتها يوماً فوجد في غرفة نومها رجلاً غريباً، ولما سألها عنه قالت انه زوجها، ولما احتج بأنه هو زوجها، طالبته بابراز ما يدل على ذلك، وقالت انها سمحت للرجل الغريب الذي لا تعرفه بدخول غرفة نومها، بعد ان قدم لها وثيقة زواج تحمل اسميهما. واضاف الرجل رداً على سؤال مني انه يأتي للبحث عن مستندات رسمية تثبت انه مواطن وانسان كان ولايزال على قيد الحياة. وانه كان يبحث في مجلدات الوقائع الرسمية، عن اسمه ضمن قوائم المعتقلين السياسيين، لأنه اعتقل في عهد محمد علي باشا الكبير وفي عهد الخديوي اسماعيل وفي عهد ابراهيم عبدالهادي باشا وفي العهد الحالي. ولم اعلق على ما قاله الرجل، الذي الهمتني شخصيته احدى شخصيات روايتي «مجموعة شهادات ووثائق لخدمة تاريخ زماننا». وكان من بين ما شغفت به كذلك، حالة الهستيريا الجماعية والتي تصيب الناس احياناً، فتدفعهم الى ترديد شائعات لا يمكن لمن يملك ابسط قدر من التفكير السليم، ان يصدقها، الا اذا كان في حالة نفسية غير ملائمة، خاصة ان ذلك يمكن ان يقود الى حالة من الهستيريا الجماعية، قد تترتب عليها كوارث عامة. فقبل هزيمة يونيو 1967، بشهور قليلة، بدأت وزارة التربية والتعليم، مشروعاً لتسجيل فصائل دم تلاميذ المدارس، لسبب لا اذكره، لعله استكمال البيانات الصحية عنهم، استعداداً لأي حادث طارئ قد يتعرض له احدهم، وبعد ايام من بدء تنفيذ المشروع. سرت بين الناس شائعة بأن الحكومة تسحب دماء الاطفال، لكي تخزنها في بنوك الدم، وبعد ايام اخرى كانت الشائعة قد اصبحت حقيقية، فاذا بالامهات يحتشدن حول المدارس لكي يخرجن اطفالهن منها، ثم يمنعونهم من الذهاب اليها، وتطلب الامر اسابيع، حتى هدأت الخواطر، ووجد الناس شيئاً اخر يثيرهم، حين تصاعد التوتر بين مصر واسرائيل، وبدأت الاجراءات التي انتهت فيما بعد الى وقوع الهزيمة. ولم تكن تلك اول حالة من حالات الهستيريا الجماعية التي تصيب الناس، وان لم تكن كلها بمثل هذه الحدة. ومن بين نماذجها الذائعة، شائعة انتشرت بقوة، في منتصف الثمانينيات، بأن هناك عصابة تخطف الاطفال، وتذبحهم، لتقدم دماءهم، قرباناً، لكشف كنز «قارون» المدفون في قاع البحر التي تحمل اسمه.. وقد ظل الناس يرددونها لشهور، ويضيفون اليها، واخرى انتشرت عند وفاة النجم السينمائي الراحل «صلاح قابيل» بأنه كان في اغماءة لم ينتبه لها المحيطون به فظنوه قد مات ودفنوه وهو حي، وانه افاق من اغماءته بعد دفنه، واخذ يدق على جدران المقبرة وسمعه بعض السابلة، وان القبر قد فتح في اليوم التالي، فوجدوه يجلس القرفصاء الى جوار بابه. وكانت اخر الشائعات من هذا النوع، هي شائعة سرت بأن في الأسواق، نوع من الاحزمة تنبعث منها موجات كهرومغناطيسية تصيب الرجال الذين يستخدمونها بالعقم، لم اكد اسمعها حتى ادركت ان وراءها منافسات تجارية، لكنها وجدت تأييداً قوياً، حين اضاف اليها الذين اطلقوها خبراً بأن مصدر هذه الاحزمة هو «اسرائيل» لتتلقفها الصحف فتنشرها وتعلق عليها، على نحو اغرى احد نواب مجلس الشعب بأن يقدم سؤالاً للحكومة، حول ظروف تسرب هذا النوع من الاحزمة الى الاسواق. ومع انني كنت اتوقف امام هذه الحالة من الهستيريا الجماعية التي تدفع الناس لترويج او تصديق بعض الاخبار التي تكذب نفسها بنفسها، واتخذ منها دليلاً على ان حالة من الاجهاد النفسي العام، وراء ذلك، ضمن اسباب اخرى سياسية واقتصادية على رأسها انهم خضعوا لسنوات طويلة، لاعلام قادر وفاجر، افقدهم الجانب الاكبر من حاستهم النقدية، فقد كنت اتخوف دائماً، من ان يستغل متآمر حقيقي هذا الاستعداد لتصديق كل شيء. لكي يضفي على واحدة من تلك الشائعات سمة طائفية تكون بمثابة الشرارة التي تحرق السهل كله، اما المهم فهو انها ـ لتكرارها على فترات متقاربة ـ قد اصبحت دليلاً على مدى السذاجة والسطحية التي اصابت عقلنا الجمعي. ربما لهذا السبب، لم ادهش، لتلك الهستيريا التي اخذت تفتش عن مؤامرة وراء مصرع الفنانة اللامعة «سعاد حسني» وترجح احتمال مقتلها على كل احتمال اخر، وفي سبيل تأكيد ذلك، اشترك كثيرون في اصطناع وقائع لم تحدث، عن مذكرات «سعاد حسني» التي كتبتها، وروت فيها اسراراً سياسية بالغة الخطورة، خشى الذين تمسهم من نشرها فدبروا مؤامرة قتلها، مع ان كل المحيطين بملابسات هذا الجانب الدامي من حياة «سعاد حسني» وحياة مصر قبل عام 1967، يعلمون انها اخر من يفكر في اذاعته، ويعرفون ان معظم اطرافه الاخرى قد انتقلت الى رحاب الله منذ سنوات. ولأن الخضوع لهذه الحالة من الوساوس المتسلطة، تدفع اصحابها الى تجاهل الحقائق البسيطة الظاهرة، بحثاً عن اسرار تغذي شكوكهم، فقد تناسى الجميع، حقيقة ان «سعاد حسني» كانت تعالج من حالة مرضية، سرعان ما تحولت الى حالة اكتئاب نفسي، خاصة بعد ان زاد وزنها، واصيبت بحالة من الشلل في جانب وجهها، وفقدت كل امل في ان تعود كما كانت فتاة احلام الجماهير التي اجبتها، ومنحتها عواطف بلا حدود على امتداد ثلاثين عاماً، فهربت من مصر، ومن الخريطة العربية كلها، وفضلت ان تعيش في الخارج، حيث لا يعرفها احد حتى لا ترى في عيون الناس، نظرات اشفاق على ما فعله الزمن بصورتها الجميلة. في مثل حالة «سعاد حسني» النفسية، فإن الانتحار هو الاحتمال الاول والارجح الذي يقفز الى الذهن، وهو ما رجحه الطبيب النفسي المصري الذي كان يعالجها في لندن، وان كان قد اعتذر عن الافاضة في تفاصيل المرض. احتراماً لسر المهنة وتقاليدها، ومن حسن النية المفرط الى حد السذاجة، ان يتصور احد ان المنتحر يفاضل بين اساليب الانتحار، ليختار اسهلها واقلها تعذيباً له، او بين اماكنه ليفاضل بينها، اذ يكون في حالة فقد فيها السيطرة على نفسه تماماً، قد تدفعه لالقاء نفسه من الدور العشرين في مبنى مرتفع، او امام قطار او سيارة مسرعة، وقد يطلق الرصاص على رأسه، او يتناول ـ عامداً ـ دواء قاتلاً، ولعل اقرب الامثلة، مما حدث لسعاد حسني، هو حادث انتحار الكاتبة الشابة «اروى صالح» منذ سنوات قليلة بينما كانت تعالج من حالة اكتئاب حادة وكانت في حالة عادية تماماً عندما غادرت منزل اسرتها لتزور شقيقتها، لتغافلها وتفتح النافذة وتلقي بنفسها من الدور السادس! اعلم ان كثيرين ممن يحرصون على اثارة هذا الموضوع، ينطلقون من مشاعر غلابة بالحزن يلومون فيها انفسهم لظنهم انهم تخلوا عن «سعاد حسني» ولم يساعدوها بالقدر الكافي في محنتها التي استمرت سنوات ومن مشاعر دينية جارفة، تعتبر الانتحار كفراً، وتريد ان تنزه عنه انسانة رقيقة وفنانة موهوبة، كانت مركز عواطفهم الموجهة لسنوات. لكن الله غفور رحيم وهو يرفع التكليف عن عباده، اذا كانوا مضطرين، ولم يثبت حتى الان ان هناك منتحراً اخذ قرار الانتحار وهو في حالته العقلية الطبيعية، وغياب العقل الاضطراري ولو للحظة من الاعذار الشرعية المقبولة ـ بإذن الله ـ في الدنيا وفي الاخرة. ولولا تلك الحالة من الهستيريا الجماعية التي تصيبنا احياناً، لما انفلتت الاعصاب، وسادت الشكوك، على نحو انتهى بالاساءة الى «نادية يسري» المواطنة المصرية التي شاء سوء الحظ ان تغادر «سعاد حسني» الدنيا من شرفة شقتها، في حين كان يتوجب علينا ان نعترف لها على الاقل بالجميل، لانها وقفت الى جوارها في سنوات المرارة. وانها ساعدتها بقدر ما تستطيع. رحم الله سعاد حسني، بقدر ما اسعدت ملايين من البسطاء على امتداد عقود: خففت عنهم بعض اكدار الزمان، فانبسطت على جباههم، تجعيدة، اختفت من قلوبهم تقطيبة، ولأن الزمان ـ كما يقول نجيب محفوظ ـ عدو لدود للورود، فقد ماتت سعاد حسني وحيدة.. وغريبة.. وحزينة يزدحم وجهها بالتجاعيد.. ويمتلئ قلبها بالندوب. فياله من زمن وغد حقاً. ـ كاتب مصري