حضرت الى لندن لقضاء الصيف ومتابعة آخر التطورات في مجال العلوم الإنسانية في الفلسفة والثقافة والصحافة وما يتصل بها في شئون حياتنا الثقافية والسياسية في العالم العربي والاسلامي والوقوف على القضايا الاقتصادية في أوروبا، باعتبار أن لندن تمثل مركز أوروبا وهذا ما تلمسه بوضوح في حركة السياحة النشطة التي تموج بها لندن هذه الأيام من كل أنحاء العالم وذلك على الرغم من أن الجو في لندن غير مشجع فالحرارة مرتفعة والرطوبة كذلك والأسعار في ارتفاع جنوني كما ان لندن مدينة كلاسيكية من حيث طراز المباني والعادات والتقاليد فليست ذات جو خلاب يغلب عليه الزهور والخضرة مثل هولندا وليست بها شواطئ جميلة مثل اسبانيا وليست عريقة في الفنون كباريس وروما وليست غنية بالآثار كمصر لكن على أية حال لندن مركز أساسي من مراكز الحياة السياسية والاقتصادية في أوروبا التي تستعد الآن لتحتل مكان الصدارة في السياسة العالمية وكذلك في الاقتصاد بسحب البساط من أقدام واشنطن العاصمة الأمريكية. ذهبت الى جامعة لندن وتقابلت مع الدكتور محمد عبدالحليم مدير مركز الدراسات الاسلامية بجامعة لندن وهو من الاساتذة المخضرمين اذ انه يعمل بها منذ اكثر من ثلاثين عاما واسس اخيرا بجهوده الفردية مركز الدراسات الاسلامية منذ حوالي خمس سنوات وذلك بعد انشاء كورس الدراسات الاسلامية بمنحة من الملك فهد بن عبدالعزيز عاهل المملكة العربية السعودية، والمركز يمنح درجة الماجستير في العلوم الاسلامية للطلبة الانجليز كما يصدر عن المركز مجلة «الدراسات القرآنية» وهي الأولى من نوعها في العالم الغربي الذي تخرج فيه من جامعة عريقة كجامعة لندن مجلة بهذا المستوى عن الدراسات القرآنية وهي مجلة نصف سنوية يكتب فيها كبار الباحثين والمفكرين العرب والأجانب وقد صدر منها أربعة أعداد والمجلة تحتوي على قسمين الأول باللغة العربية والآخر باللغة الانجليزية. وحينما أهداني الدكتور عبدالحليم العدد الأول من المجلة قال لي تصور كم نسخة توزع من هذه المجلة في العالم العربي؟ قلت له لا أدري؟ كم يا دكتور فقال لي خمس نسخ ثلاث نسخ اشتراك لاسرائيلي ونسخة تشترك بها طالبة من البحرين واخرى لهيئة الأوقاف بالكويت تدرس الفكر الاسلامي والجامعات الاسلامية على كثرتها كجامعة الازهر وغيرها ليس لديها اشتراك في المجلة كما ان جامعة الازهر رغم عراقتها ليس لاستاذ منها حتى الآن مقال واحد في الاعداد التي صدرت على الرغم من أن المجلة تحتوي على كبار الباحثين والمفكرين أمثال تمام حسان عميد اساتذة اللغة العربية في العالم العربي وجوزيف فان اس عميد المستشرقين الالمان وغيرهم من أمريكا واستراليا ودول اوروبية عديدة لهم اسهامات بحثية في المجلة. وفي واقع الأمر لم ادهش مما قاله الدكتور عبدالحليم وذلك لمعرفتي أن الحياة الثقافية في العالم العربي الآن في ادنى مستواها فلا يمكن مقارنتها بالوضع منذ خمسين عاما مضت صحيح أن نسبة التعليم الآن مرتفعة قياسا على المرحلة الماضية لكن مستوى الثقافة الآن متدني عنه في ذلك الحين بدرجات كبيرة والا فأين امثال طه حسين وعباس العقاد ومصطفى المنفلوطي وحسين هيكل ولطفي السيد ومحمد التابعي وجبران خليل جبران ومطران خليل مطران وايليا ابو ماضي ونجيب محفوظ ويوسف ادريس ومحمود شلتوت ومصطفى المراغي ولويس عوض فهؤلاء كانوا قمما كل في مجاله وكانوا على اتصال وثيق في معظمهم بأحدث الاصدارات في الغرب كما ان مكتبات كمكتبة جامعة القاهرة كانت تحتوي على كل الاصدارات سواء كانت كتبا أم مجلات علمية وثقافية متخصصة ولكن الوضع تغير الآن منذ اكثر من عشرين عاما فلا تجد تحديث في قوائم الكتب ولا تجد دراية للقائمين على امر المكتبات والحياة الثقافية ببلادنا بما يدور في العالم من حولنا ومن ثم لم يكن جديدا علي أن تكون النسخ الأربع التي توزع في العالم العربي والشرق الاوسط من مجلة عن الدراسات القرآنية تصدر من قلب جامعة لندن تذهب ثلاث منها الى اسرائيل علما بأن العالم العربي يحتوي على عشرات بل مئات من كليات الشريعة وأصول الدين والدراسات الاسلامية في مصر وغيرها من البلدان العربية والاسلامية مع أن المجلة مشهورة ومعلومة لمن يرغب الاشتراك بها من أفراد وهيئات فعليه الاتصال بمركز الدراسات الإسلامية بجامعة لندن. هذه الأمور تعكس لك حالة اللا مبالاة والسلبية التي تسيطر على الشارع العربي والتي ظهرت بصورة واضحة في انتفاضة الشعب الفلسطيني دفاعا عن ارضه ومقدساته ففي بداية الانتفاضة هبت الجماهير العربية غاضبة ثم بعد أيام هدأت الشوارع وذهب الغضب وانس الجميع الى الراحة والخلود واصبحوا يتابعون ما يحدث في الاراضي الفلسطينية وكأنه في أمريكا اللاتينية، ان التردي الثقافي الذي تعكسه حادثة بسيطة مثل مجلة الدراسات القرآنية بجامعة لندن والتي كان من الأولى ان تذهب معظمها الى الجامعات العربية والاسلامية والتي تصدر منذ خمس سنوات أو يزيد توضح ببساطة أننا منعزلين عن العالم رغم التقدم التقني والتكنولوجي الهائل الذي قرب المسافات بين ارجاء المعمورة وجعل الخبر ينتشر من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب في لحظات ومن اقصى الشرق الى اقصى الغرب ولكن يبدو ان حياتنا الثقافية والعلمية في واد آخر ولا يمكن ارجاع ذلك بضعف الامكانات أو قلة الميزانيات المرصودة للبحث العلمي في بلادنا انها حالة تعكس بوضوح أننا رضينا أن نعيش منعزلين عن الحياة من حولنا في الثقافة والسياسة والاقتصاد اننا فقط نأخذ من الغرب أسوأ ما فيه من رقص وغناء ماجن ونغمض أعيننا عن الأنشطة الثقافية والعلمية المهمة التي يموج بها الغرب والتي سر تقدمه وحيويته في جميع المجالات. ـ كاتب مصري جامعة الامارات