بدأت الدورة الرئاسية الثانية للرئيس الإيراني حجة الإسلام محمد خاتمي، في ما سمي بالجمهورية الثالثة، والتي نتجت عن صناديق الانتخابات في جو أكثر هدوءا من الجمهوريتين السابقتين، تحت تأثير الصراع القائم بين الإصلاحيين الساعين إلى التغيير والانفتاح من ناحية، والمحافظين الداعين إلى مقاومة التغيير والوقوف بالمجتمع على حاله التي أرستها الثورة، ونادت بها من ناحية أخرى. ونحن ـ على الضفة الأخرى من الخليج ـ ربما لا نستبين الأهمية التاريخية لهذه الثورة، وقدرتها على الفعل التاريخي في منطقتنا، برغم أن أحداثها وأخبارها صارت تتردد بصورة يومية في الوسائط الإعلامية، حتى بدت ظاهرة معتادة وعادية في نظر كثيرين، في الوقت نفسه الذي يتجاوز فيه تأثير هذه الثورة تصورات هؤلاء بكثير. فالثورة الإيرانية ربما تمثل آخر ثورة جماهيرية كبرى تحدث في عالمنا، وقد تجيء أهميتها في المرتبة الثالثة، مقارنة بأحداث الشرق الأوسط في القرن العشرين، بعد سقوط الدولة العثمانية وقيام دولة إسرائيل. ولقد حدثت في إيران، في العشرين سنة الماضية (عمر الثورة) تغييرات جذرية وتحولات «ثورية» بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، وليس بالمعنى المجازي الذي اعتاده العقل العربي في تسمية الانقلابات العسكرية المختلفة بـ «ثورة». كما أن التأثيرات التي نتجت عن أحداث هذه الثورة لم تكن حبيسة حدودها السياسية، أو وقفا على المجتمع الإيراني. وقد نكون حتى الآن غافلين عن استكشاف الآثار الحقيقية والعميقة لهذه الثورة، في مسيرة التحولات في الشرق العربي والإسلامي، خاصة أن السياق التاريخي الذي أفضى إلى اندلاع هذه الثورة يعزز من قيمتها بوصفها ثورة حقيقية ينطبق عليها ما ينطبق على الثورات الكبرى في مسيرة التاريخ البشري. لعلنا لا نبالغ إذا رأينا أن الثورة الإيرانية تضاهي ثورتين كبيرتين حملت كل منهما منظومة أيديولوجية واسعة تجاوزت حدود إقليمها، وانطلقت في آفاق العالم الشاسعة وأثرت كل منهما في مئات الملايين من الناس، وتبوأت مكانا ملحوظا ليس في كتب التاريخ فحسب، ولكن أيضا في العقل الجمعي لشعوب العالم، وتربعت في أعلى درجة من الضمير الإنساني العام. أولى هاتين الثورتين هي الثورة الفرنسية التي أطاحت بحكم البوربون المستبدين، والثانية هي ثورة البلاشفة الروس التي أسقطت حكم آل رومانوف. وإن كانت الثورة الأولى قدمت للعالم شعار «الحرية والمساواة والإخاء» الذي أصبح منطلقا وقاعدة للمنظومة الديمقراطية التي يتطلع العالم كله إلى الانضواء تحت مظلتها، فإن الثانية قدمت للعالم فكرتي المجتمع اللاطبقي وعمومية الملكية. وتجيء الثورة الإيرانية لتحقق في محيطها الإسلامي ـ ومنه العربي بالطبع ـ تجربة بعيدة الأثر والتأثير، خاصة أنها تمضي بعد عشرين سنة ـ قدُما نحو مستوى أعلى من النضج يمنحها القدرة على تحقيق المعادلة بين تطلعات الثورة وملابسات الواقع وضرورات التاريخ. لا شك في أن الأفكار الكبيرة التي جاءت بها الثورتان الفرنسية والروسية قد انداحت واتسعت دائرتها وتسارع سريانها عبر التاريخ، إلى أن ساعدت ـ في مراحل لاحقة ـ على الإطاحة بأنظمة حكم متعددة، ما بين صغيرة وكبيرة كان يجمعها دائما الفساد السياسي والاستبداد والقهر لشعوبها، بل لقد تسللت هذه الأفكار في ضمائر الشعوب فنهضت تطالب بحقها في المشاركة في الحكم، وتصر على أن يكون لها نصيبها في تقرير مصائرها ورسم مستقبل حياتها.. وقد اندلعت شرارة التحرر الشعبي بقوة على أثر انتهاء الحرب العالمية الثانية. وحتى بالرغم من الفشل الذي لقيته ثورات كثيرة في تطبيق الشعارات التي نادت بها، إلا أن الشعوب ظلت متأهبة لم تتوان في المطالبة بالمزيد من الحرية والديمقراطية والاشتراكية، من الصين إلى كوبا في الأربعينيات والخمسينيات، ومن الجزائر إلى زامبيا في الستينيات والسبعينيات، وأخيرا تخللت الديمقراطية نسيج دول وشعوب الاتحاد السوفييتي السابق، كما وصلت إلى جنوب أفريقيا. وبطبيعة الحال كانت هذه الأمواج المتلاحقة من التغيير نتيجة للأفكار العظيمة والنضج العقلي وارتقاء الوعي والمُثُل قبل أن يكون نتيجة طلقات الرصاص. في هذا السياق التاريخي تأتي الثورة الإيرانية لتقدم مثلا آخر مهما، فلقد أطاحت الثورة الإيرانية بحكم ملكي استمر حوالى ألفين وخمسمائة سنة، واستطاعت التأليف بين مفهومين كان من المستبعد، في السابق، أن ينصهرا في بوتقة واحدة، وهما «الجمهورية» و«الإسلامية»، أو «الديمقراطية» و«الشريعة». وقد بادرت الثورة الإيرانية ـ بعد نجاحها ـ إلى تصدير أفكارها خارج حدودها (وهو ديدن الثورات عبر التاريخ) فنجحت قليلا وأخفقت كثيرا، فيما كانت تخوض صراعا طويلا ومريرا في الداخل بغية تحقيق الاستقرار وضرورات الحياة. إيران في السنوات التي سبقت الثورة، كانت محط تأثير غربي بالغ وعميق، وخاصة من جهة الولايات المتحدة. ففي الوقت الذي كان يخوض جيرانها العرب صراعا ضاريا مع إسرائيل، كانت هي تحتضن ـ تحت قيادة الشاه السابق ـ كل مظاهر العصر الغربي المشوه، بدءا من ترشيح ملكة جمال إيران للمشاركة في مسابقة جمال العالم (سنة 1973) إلى تصور بسط إمبراطورية شاهنشاهية على الجيران الأقرب. ولقد كانت أكبر شوارع إيران تسمى بشارع روزفلت أو تشرشل، وتحاك السجاجيد الإيرانية الجميلة وتزين بصورة الشاه أو صورة زعيم غربي. لكن الأمر تغير إلى النقيض تماما، فبعد الثورة ـ وكردة فعل طبيعية ـ تغيرت أسماء الشوارع إلى القدس وحتى الإسلامبولي بل وشارع بوبي ساند: القائد الإيرلندي الذي صام حتى الموت في سجون بلفاست، في تواصل ربما لم يكن صحيا وقتها مع الجيران العرب المسلمين أو مع العالم، وفي المرحلة الأولى من الثورة، أو قل الجمهورية الأولى (السنوات العشر الأولى)، دخلت الثورة الإيرانية في صراع عسكري قاسٍ ومرير، سمي لاحقا في تاريخنا الحديث بحرب الخليج، وفي الوقت نفسه نظرت إيران إلى جيرانها على أنهم مصدر للعداء، فقابلتهم بالمثل، واستفادت ما استطاعت أن تستفيد منه من تأجيج القوى المحلية التي كان بعضها رافضا للوضع القائم أو السياسات المتبعة، ولكن ذلك لم يستمر إلا لفترة قصيرة، وسرعان ما تبين لأهل الرأي في الثورة الإيرانية أن ذاك الطريق قد لا يؤدي إلى نتيجة إيجابية، بل قد يشوه مسيرة الثورة تاريخيا، وكان يمكن أن تأخذ الثورة الإيرانية هذا المنحى لفترة طويلة، فتخرج عن كونها ثورة بالمعنى المتعارف عليه عبر التاريخ، لتصبح قوة مشاغبة في المنطقة على أكبر تقدير، ولكنها بسبب ريادتها لم تفعل.إيران الثورة تبينت الفرق بين الثورة والمشاغبة، فالثورة تقدم الأفكار وتصنع النموذج، فكان أن قدمت ـ على الأقل منذ انتهاء حرب الخليج، وربما منذ بداية الدورة الثانية لرئاسة الرئيس هاشمي رافسنجاني ـ طريقا آخر تعمق واتسع بوصول خاتمي إلى سدة الرئاسة، ثم عُزز هذا النهج من جديد بعد أن قرر الشعب الإيراني اختيار خاتمي رئيسا للمرة الثانية قبل أسابيع خلت. إيران منذ الثورة تضاعف عدد سكانها تقريبا، فقد كانوا حوالى أربعة وثلاثين مليونا من البشر عند اندلاعها، وأصبحوا اليوم حوالى خمسة وستين مليونا، وهي الدولة الثالثة في العالم المصدرة للنفط، وتملك ثاني احتياطي للغاز بعد روسيا، ويسكنها بشر قدموا مساهمة مشهودة في الحضارتين الإنسانية بعامة والإسلامية خصوصا، وبها تعددية عرقية ولغوية، وهي تقع في مكان الوسط بين الشرق البعيد والشرق القريب وأوروبا. وفي الوقت الذي ضربت فيه رياح التغيير أنحاء العالم الأربعة على امتداد سنوات القرن العشرين، كانت هناك منطقة واسعة لم تشهد التغيير الموازي والمواكب لما حدث في العالم، هذه المنطقة هي المنطقة الإسلامية، والتي تشكل دولها حوالى ربع دول العالم، وتمتد من إندونيسيا على المحيط الهادي إلى المغرب على الاطلسي، ومن كازاخستان الباردة في أواسط آسيا إلى الخليج الدافئ، ومن مناطق الجفاف في الصومال إلى نيجيريا في الهلال الأفريقي الخصيب، كما أن العالم يحتوي على مسلم واحد من بين كل خمسة من البشر على هذه الأرض، ولكن مع الأسف هناك عدد ضخم من هؤلاء مهمشون خارج دائرة المشاركة السياسية التي تمارسها شعوب أخرى. وفي مناطق كثيرة في العصر الحديث، ويعيش هؤلاء في بلاد موبوءة بالدكيتاتوريات والتسلط الفج. بهذا المعنى فإن الثورة الإيرانية بما حققته حتى الآن تعتبر آخر الثورات الكبرى في هذا العصر، فهي في النتيجة تحقق عمليا ما أطلقته أيديولوجيات سابقة في الغرب تبنتها أو قبلتها شعوب كثيرة. مثل غيرها من الثورات الكبرى، قدمت الثورة الإيرانية أيديولوجية جديدة للساحة السياسية العالمية، في منطقة امتلأ تراثها بحالات قاسية من الممارسة السياسية كسجن المعارض أو طرده من بلاده أو قتله في الخفاء. لقد قدمت هذه الثورة الإسلام (الذي تؤمن به وتمارسه شعوب المنطقة) كوسيلة سياسية من أجل الدفع باتجاه المشاركة الأوسع في تسيير الدولة، لقد قدمت تصورا، بل نهجا محددا، إلى المسلمين، وهم آخر جماعة من البشر لاتزال خارج بوابة عصر المشاركة، فإن تفعل إيران ذلك فهو إنجاز عظيم، وعلى الرغم مما أطلق في الغرب من ادعاءات مفادها أن إيران ترتد بمجتمعها إلى قرون عديدة سابقة، أصبح هناك من يعترف، بعد كل هذه الدورات الانتخابية والتغيرات السلمية والمؤسسية، بأن هناك إمكانا لتنظيم معارضة من الناحية التكتيكية ومن ناحية الأهداف المحققة في بلاد إسلامية دون أن يراق على جوانبها الدم، أو تُملأ زنازن السجون، وكلما نضج قبول المعارضة في إيران أصبح المثال أقرب إلى أن يُحتذى ويُحترم. لقد أصبحت إيران اليوم توليفة مبتكرة من القواعد الإسلامية والقانون الغربي الحديث، كما أصبح هناك انتخابات لكل الأعمال العامة أو معظمها على المستوى القومي والمحلي، وأصبح من حق كل الإيرانيين التصويت نساء ورجالا، ممن هم فوق الخامسة عشرة من أعمارهم، كما حدد زمن معروف للرئاسة لا يتعدى ولايتين قوامهما ثماني سنوات، لا يحق للرئيس بعدهما أن يعاود ترشيح نفسه، وقيّضت مقاعد في برلمانها للمسيحيين و اليهود والزرادشت، في اعتراف صريح وعملي بحقوق الأقليات. لقد أعطت الثورة الإيرانية المثال، وبعض من احتذى بها حقق النجاح وبعضهم فشل في استيعاب الفكرة الرئيسة في الثورة الإيرانية، وهي المزج المبتكر والشجاع بين الفكر الإنساني والقواعد الإسلامية. لقد أثرت في منطقة كبرى في العالم الإسلامي، من السودان إلى أفغانستان، ومن حزب الله في لبنان إلى «حماس» و«الجهاد» في فلسطين، بعض التأثير كان ناجحا وأدى غرضا وطنيا، وبعضه لا يزال يراوح في تخبط دون أن يعي الأفكار الرئيسة والممارسة المبتكرة التي أتت بها الثورة الإيرانية. ان أهم السمات التي تجعل الثورة الإيرانية واحدة من الثورات الكبرى هي إقدامها الحثيث على إحداث تغيير جاد ومتأنٍ (معا) يقوم على «أسلمة» مؤسسات المجتمع المدني وتقديم الوجه السمح والعقلاني من الفكر الإسلامي، وهو مشروع فشلت في تحقيقه كثير من الدول في الشرق الأوسط إما نتيجة المغالاة وإما نتيجة التقصير والتهاون. ففي إيران الآن مجتمع مدني يُبنى على أسس جديدة، تبدو ملامحه في معاهد العلم والتعاونيات والنقابات والنوادي واتحادات المعلمين والمهندسين.. إلى آخر القطاعات المختلفة التي تقود حياة المواطنين الإيرانيين. ولقد لاحظ العالم كله أن إيران قد تحولت من مرحلة الإرادة الثورية إلى مرحلة صناديق الانتخاب، ومن التخطيط المقتصر على النخبة الدينية، إلى المشاركة الفاعلة من قِـبل الشعب، كما تحولت من رفض الآخر والتصادم معه إلى القبول به والإيمان بضرورة التعايش إلى جانبه. ولاشك في أن الطريق الإصلاحي الذي ينتهجه محمد خاتمي، والمشروع (الفكري والثقافي والسياسي) الذي يحمله في عقله لبناء مستقبل إيران سواء على صعيد الداخل أو على صعيد العلاقة مع الآخرين، هذا الطريق هو الذي سيحمل إيران في القرن الجديد إلى مكانة عظيمة تليق بمكانتها التاريخية ووضعيتها الجغرافية وعطائها الحضاري، وأخيرا أهميتها وثقلها اللذين تمثلهما بين أقطار العالم الإسلامي. وهذه الصفات التي تحملها إيران هي التي رتبت عليها رسالة ومسئولية تجاه عالمها الإسلامي، وقد لخص لي أحد الثقات الإيرانيين هذه الرسالة قائلا: «نحن نبتكر بينما الآخرون تقليديون». قد لا تتكرر التجربة «الثورية» الإيرانية في العالم الإسلامي، لخصوصيتها من ناحية ولنقص التجديد والاجتهاد في التنظير الإسلامي المعاصر من ناحية أخرى. لكن أكثر ما نخشاه أن تقع هذه التجربة العظيمة، في الدائرة التي وقعت فيها أكثر ثورات التاريخ، وهي أن تعجز الثورة عن تحقيق الضرورات الحياتية واحتياجات المعيشة للقطاعات الواسعة من الجماهير، وهو الأمر الذي يمثل التحدي الأول لكل الثورات التي سقط كثير منها أمام هذا التحدي. فالناس وإن انبهروا بالفكر والأيديولوجيا يظلون في حاجة إلى الرغيف وقطرة الماء النظيفة والمسكن الإنساني وحبة الدواء.. ومن هنا فإنه يتعين على أهل الحكم في إيران السعي إلى تحقيق المطالب الضرورية للجماهير حتى لا تخسر التجربة ـ التي نتطلع إلى بقائها ونجاحها ـ زخمها الفكري، وربما وجودها ذاته. ـ امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت