منذ استقلال السودان في العام 1956 عن السيطرة البريطانية وهذا البلد لم يشهد استقرارا يهييء لاهله مساحات رحبة للبناء واستغلال الثروات الطبيعية التي حباها الله له، ورغم ان هناك فترات هادئة في تاريخ السودان السياسي الا ان التمرد في الجنوب ومطالبات الاستقلال ظلت تثير التوترات، ورغم قيام نظام قائم على التعددية الحزبية والاستقلالية الا ان السودان ايضا شهد من الانقلابات ما لم يشهده بلد عربي، وطيلة تلك السنين ظل السوداني يحلم بالأيام الهادئة التي تمكنه من وضع يديه في التربة الغنية بالمواد الخام لينتج اقتصادا قويا ويعيد تأهيل نفسه ليسهم بدور قوي وفاعل في مسيرة البناء والنهضة العربية الاشمل. طحنت السوداني سنوات طويلة من الخلافات والتوترات، شيء من الداخل واشياء من الخارج، وبدلا من ان تخضر الارض بالأحلام جفت واستبدلت خضارها باليباس. ومنذ ايام لاحت تباشير شيء من الوفاق بين الحكومة وتجمع المعارضة على مشروع الوفاق الذي تقدمت به مصر وليبيا، وبالأمس انفجر الوضع في الجنوب من جديد، وكأنه قدر للسوداني البسيط الذي يجلس على طرف ارض شاسعة وغنية بالخيرات ان يبقى اسيرا للانتظار الذي طال. وليس السوداني وحده الذي ينتظر انفراج ازمات هذا البلد الغني بخيراته وبأهله الطيبين وانما كل عربي موقن بأن حل ازمة هذه الامة وصراعها المرير ضد من يريدون لها الخنوع والذلة في وحدتها وفي عافية بلدانها وصحة شعوبها واستقرارها الذي يمكنها من البناء ورفع همومها عن كاهل اجيالها المقبلة على تغيرات لا يعلمها الا الله سبحانه. ليس السوداني وحده من يريد ان يستريح من عناء نصف قرن من الزمان واكثر، وليس وحده من يريد سودانا معافى بل نحن الذين تلقيناه درسا سعيدا في كراريس الدراسة ومنهاج درس الوحدة العربية، صوت واحد ومصير واحد وخيرات من الخليج الى المحيط ومن الفرات الى النيل واحلام امة واحدة. أما ان الاوان للسوداني البسيط ان يفلح ارضه بهدوء ومياه نيله تنساب بالاحلام في استقرار؟ اما ان الاوان ان يلتف الفرقاء على الثوابت الكبرى للوطن الكبير دون ان يبقى في وثيقة الوفاق بند او جملة او كلمة تعيد التوتر وتثير فتنة؟ تباشير الوفاق التي لاحت منذ ايام يجب ان تعبر فوق التوترات، والسودان في النهاية بنسيجه الاجتماعي والسياسي ليس وبالا حينما تلتقي القلوب بنبض الارض والنيل واقدم الاشجار التي ضربت جذورها في تاريخه، بل مكسبا يعضد جسد هذه الامة، الجسد الذي نالت منه يد الغدر ما نالت وما زالت. نحتاج السودان الآمن على اجياله ومستقبله بقدر حاجتنا في هذا الزمن لنهوض جسد هذه الامة وشموخ قامتها.