إذن فللوزارة سحر خاص ولمنصب صاحب المعالي الوزير، أي وزير بريق يجذب القلوب ويخطف لمعانه الأبصار، صحيح أن الوزارة في عصور سبقت ـ سواء في الدولة العباسية في بغداد أو دول المماليك في القاهرة ـ كان لها وجهها الآخر، كان وجها متغيرا قاتم الاكفهرار ـ إلا أن هذا الوجه المربد لم يفقد الوزارة جاذبيتها ولا أنفض عنها كثرة العشاق، ومنهم ـ كما أسلفنا في حديث سبق ـ السيد عبده مشتاق، الشخصية التي أبدعها الثنائي الساخر في صحافة القاهرة: الكاتب أحمد رجب والكاريكاتوريست مصطفى حسين. وتاريخ الأشواق الوزارية حافل بالحكايات والطرائف.. ففي الزمان القديم كان الخليفة عباسيا أو فاطميا ـ أو كان السلطان سلجوقيا أو تركيا أو مملوكيا ـ يقلب ظهر المجّن كما يقول التعبير البليغ على وزيره الهمام ـ وكان القوم يقولون في ذلك الحين: لقد تغير خاطر ولي النعم. وساعتها يتحول الوزير الى متهم.. ويفاجأ بأعوان ولي النعم وقد (كبسوه) على نحو ما كان يقول مؤرخو ذلك الزمان وأنجزوا عملية (استصفاء) وهي نوع من مصادرة الأملاك واحتلال العقارات والتنقيب عن الجرار الفخارية المدفونة في باحات البيوت وقد امتلأت حتى الفوهة بسبائك الذهب الابريز وبعدها تساق حاشية المسئول المسكين الى بيوت الشقاء فيما يتحول هو من وزير خطير الى نفر يشار اليه إن أشير ـ بلفظة المذكور أعلاه. ولكن عندما جاء عقد الستينيات من القرن التاسع عشر بدأ الخديوي اسماعيل باشا في مصر في إنشاء مؤسسة اسمها النظارة، وهي مجلس الوزراء بالمعنى الحديث، وأعضاؤها هم جناب النظار أي الوزراء ويرأسها دولتلو ناظر النظار وهو بالطبع رئيس الوزراء ومن عجب أن يتولى مثل هذا المنصب الرفيع قوم من الأجانب كان أبرزهم وأشهرهم بوغوص بيك ونوبار باشا وكلاهما كان من جالية الأرمن، ما زال اسم بوغوص مسجلا على أحد الكباري ـ الجسور ـ القديمة في منطقة رمسيس والعباسية بالقاهرة فيما يظل اسم نوبار باشا علما على أحد الشوارع المهمة في حي الوزارات بالعاصمة المصرية ولم يكن صدفة أن الاسم القديم للشارع كان يقول إنه شارع الدواوين، ويستطيع أي متصفح لكتب التاريخ العامة أن يطالع صورة الخواجة نوبار رئيس وزرائنا منذ نحو 140 عاما وقد ارتدى البدلة العثمانية الفاتحة اللون المقفولة الأزرار وكانوا يسمونها (سطمبولية) فيما يحكم فوق رأسه الأشيب طربوشا قصيرا على آخر موضة في ذلك العصر، والطريف أن نفس كتب التاريخ تحكي لنا كيف أن ضباطا ثائرين من مجموعة الزعيم عرابي باشا صادفوا دولتلو نوبار باشا ناظر النظار على سن ورمح وبلغ بهم الغضب على اسلوب حكمه وعلى ممالأته للأجانب أن انتزعوه عنوة من عربته الفارهة التي تجرها الخيول المطهمة ثم أنزلوه الى أرض الشارع وأوسعوه ضربا ـ رقعوه علقة ساخنة ـ كما يقول التعبير الدارج، وكان ذلك على مقربة من حي الوزارات القاهرية وكان الفصحاء يسمونه دوائر لاظوغلي محاكاة من جانبهم للتسميات المقارنة في الدول الأخرى، دوائر داوننج ستريت في لندن أو هوايت هول في واشنطن أو قصر الاليزيه أو الكي دورسيه في باريس.. والطريف أيضا أن تحادثت القاهرة، وهمست كتب التاريخ بدورها عن أن العلقة الساخنة التي تلقاها نوبار باشا الأرمني كانت بعلم وتدبير أكبر رأس في البلاد وهو الخديوي اسماعيل شخصيا، ولكن من تحت لتحت كما يقولون، إذ كان الخديوي سعيدا بالتشفي في ناظر نظاره وقد تلقى ما تيسر من الركلات واللكمات جزاء وفاقا على استسلامه أمام شروط الأجانب وخاصة الدائنين والمرابين مما أضعف شوكة الخديوي وجعل سلطاته ضحية الاستضعاف والتحجيم.. والله أعلم. ومع سنوات العقد الثاني من القرن العشرين صار اسم الناظر هو الوزير وصدر في عهد السلطان حسين كامل وقد حكم مصر في الفترة 1914 ـ 1917 مرسوم سلطاني بتحديد وتقنين الألقاب الوزارية الرفيعة ليصبح رئيس الوزراء هو صاحب الدولة فلان باشا ويصبح الوزير هو صاحب المعالي. ويصبح أعلى لقب يحمله المدنيون هو صاحب المقام الرفيع ويصبح حامله هو رفعة فلان باشا وكان مقصورا على أفراد بعينهم لايتجاوزون أصابع اليد الواحدة وأشهرهم كان زعيم الوفد مصطفى النحاس باشا. وحين كانت التعديلات الوزارية تتم وفي غمار الشائعات واندلاع بورصة التعيينات والتخمينات والتوقعات كان الخياطون يكلفون بالبقاء في حالة طوارئ لزوم الاعداد السريع للحلل المزخرفة المزركشة المرقشة التي كانت تسمى (بدلة التشريفة) وهي التي يحرص مرشحو الوزارة المحظوظون على ارتدائها يوم المثول في الحضرة الملكية وحلف اليمين. وكم من باشا مشتاق الى المنصب الوزاري المنشود هام به الشوق واستبدت به الآمال العذاب الى أن يصبح صاحب معالي فأمر حائكه بأن يعد بدلة التشريفة الموعودة من باب لعل وعسى، أو من باب أمانيّ أن تسنح تكن أجمل المنى، وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا، نداعبها وتداعب خيالنا وتراود أحلامنا ومع ذلك فما انطبق حساب الحقل ـ كما يقول اللبنانيون ـ على حساب البيدر ولا جاء الهوا سوا كما يقول المصريون وظلت بدلة التشريفة قابعة في قعر الخزانة وظل الهاتف القاسي القلب لا يرن بجرس استدعاء لمشاورة الباشا أو البيك العاشق الولهان. وبمناسبة المشاورات الوزارية.. ظل القوم يبحثون يوما في شعاب مدينة القاهرة عن مثقف مصري كان مرشحا لدخول وزارة المرحوم ممدوح سالم وزيرا للاعلام، كان الفقير ـ كاتب السطور ـ مسئولا يومها عن الصحافة والاعلام برئاسة مجلس الوزراء ومن ثم كان من مهامه المشاركة في البحث عن الأستاذ عبدالحميد عبدالغني ـ عليه رحمة الله ـ الذي رشحوه ليكون وزير الاعلام الجديد.. لم تنجح اتصالاتنا لا في بيته ولا في أي أماكن اعتاد الرجل أن يتردد عليها، وانقضت ساعات قبل أن نيأس من البحث وقبل أن يسلم رئيس الوزراء أمره الى الله والأمر الواقع ويقرر الابقاء على وزير الاعلام السابق في منصبه القديم. كان عبدالحميد عبدالغني مثقفا بارزا في مرحلة ما.. واتخذ لنفسه لقب عبدالحميد الكاتب، والتحق بالسلك الدبلوماسي وربما اعير بهذه الصفة للعمل في الأمم المتحدة حيث أمضى سنوات طويلة دفع الرجل ثمنها إذ كادت جماهير القارئين تنساه اللهم إلا بضع مقالات كان ينشرها في الاهرام بين حين وحين عن السلم العالمي وقضايا السلاح النووي وما الى ذلك. وعندما عاد بعد التقاعد في السبعينيات ظل محتميا بالظل بعيدا عن بؤرة الأحداث، وحين رشحوه لوزارة الاعلام لم يجدوه ولم يكن الهاتف الموبايل المحمول قد اقتحم حياة الناس ولا عكر صفوها بعد واتضح لنا في الصباح التالي أن الاستاذ عبدالحميد ـ الكاتب كان قد أمضى ليلة صوفية في مسجد السيدة زينب بنت الامام علي رضي الله عنها. وضاعت الوزارة على الرجل الطيب مع ذلك فليس كل من يطلب الوزارة شخصا طامعا ولا هازلا، ليس كل من يطمح الى المنصب الوزاري من فئة (عبده مشتاق) إياه، هناك من يريد أن يكون وزيرا لأنه يريد أن يكون مصلحا أو يشعر أن لديه ما يقدمه الى الوطن والناس. هنا نصل الى سيرة رجل كان من أشهر الشخصيات في مصر وأشدها غرابة وطرافة أيضا.. وكان اسمه الدكتور محجوب ثابت. وهو موضوع الحلقة الختامية من هذه السلسلة من الأحاديث.