منذ بضعة اسابيع عقد عضواً مجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك تشارلز سكومر وهيلاري كلينتون مؤتمراً صحفياً لاهباً لادانة ما اسمياه «التحريض الفلسطيني ضد اسرائيل». واشار سكومر الذي كان يتحدث بالاصالة عن نفسه وبالنيابة عن هيلاري كلينتون الى ان اتفاق وقف اطلاق النار بين الاسرائيليين والفلسطينيين وعلى الرغم من ان رئيس المخابرات المركزية الامريكية جورج تينيت هو الذي قاد المفاوضات للتوصل اليه، الا انه قد لا يمثل الا توقفاً ظرفياً للعنف بسبب التالي: «مادام ياسر عرفات يعلم الشبان الفلسطينيين على كراهية اليهود بطريقة لا تختلف عما فعله الالمان في الثلاثينيات.. فلن يكون هناك سلام اذن». وبالتالي اعلن سكومر انه وهيلاري كانا يراسلان الرئيس الامريكي جورج بوش لحثه على «الضغط على ياسر عرفات للتوقف عن استخدام الخطابة الكريهة المعادية لاسرائيل في البيانات الفلسطينية الرسمية والكتب المدرسية والصحف، ولجعل ذلك الاتفاق الاساس لأي محادثات مستقبلية». والدليل الذي اختاره سكومر لاثبات هذا التحريض الفلسطيني، هو «كتاب الصف السادس الابتدائي: فلسطين بلادنا، والذي وضعته السلطة الفلسطينية». وقال سكومر ان هذا الكتاب يؤكد ان «لا بديل عن تدمير اسرائيل» وان «كل فلسطين لنا». وتكرر هذا الزعم في بيان صدر عن مكتب سكومر الاعلامي، ويذكر هذا البيان المقطع المذكور اعلاه وانه يرد في الكتاب في اعلى «صفحة عنوان الجزء الاول» في: فلسطين بلادنا. ويصف الكتاب بأنه «منهج الزامي ضمن مناهج السنة السادسة الجديدة في المدارس الفلسطينية». ورداً على اسئلة الصحفيين في مؤتمرها، زاد عضوا مجلس الشيوخ من اتهاماتهما مشيرين الى ان هذه الكتب مستخدمة في «كل المدارس» كما قال سكومر، فيما اضافت هيلاري بأنها «الزامية». لكن المشكلة الكبيرة في هذه القضية كما قدمها كل من سكومر وهيلاري هي انها محض اختلاق ولا اساس لها سوى التشويه. وفيما يلي الحقائق: ـ ليس هناك كتاب مدرسي فلسطيني للصف السادس يدعى «فلسطين بلادنا». ـ منذ عام 1967 اصبحت الكتب المدرسية الوحيدة التي تدرس في الضفة وقطاع غزة هي الكتب الاردنية والمصرية التي توافق عليها سلطات الاحتلال الاسرائيلي. ـ بعد اوسلو، سمح للسلطة الفلسطينية وللمرة الاولى بانتاج موادها التربوية الخاصة. لكن بسبب تكلفة ذلك لم تتمكن السلطة الفلسطينية حتى الان سوى من اصدار كتب مدرسية للصفين الاول والسادس. ـ لا تتضمن كتب الصف السادس اي كتاب بعنوان «فلسطين بلادنا». بل ان هذا الكتاب غير موجود في اي مدرسة فلسطينية. ـ هناك موسوعة اسمها «فلسطين بلادنا». وهذه الموسوعة هي من وضع المؤلف الفلسطيني مصطفى دباغ. وقد كتبت عام 1947 واعيد اصدارها من جديد عام 1988. ـ ان كتاباً بعنوان «لغتنا الجميلة» من منهج الصف السادس الرسمي للسلطة الفلسطينية يتطرق في الواقع لحياة مصطفى دباغ. وفي تطرق الكتاب لحياة هذا المؤلف فإنه بالكاد يذكر انه ألف موسوعة تسمى، فلسطين بلادنا. ـ لقد توقف طبع هذه الموسوعة حالياً وهي متوفرة الان لا في الضفة الغربية ولا في قطاع غزة. واي مراجعة لكتب هذه الموسوعة تؤكد ان ليس هناك اي عنوان يقول «لا بديل عن تدمير اسرائيل!». اذن من اين حصل سكومر على هذه المعلومات التي بنى عليها ادعاءاته الكاذبة تلك؟ في نوفمبر وديسمبر في عام 2000، نشرت مجموعة تطلق على نفسها اسم «يهود من اجل الحقيقة الان» اعلانات تحريضية في الصحف الامريكية والاسرائيلية. وحملت هذه الاعلانات عبارة: «لا بديل عن تدمير اسرائيل» وادعت انها ترويسة على صفحة العنوان لكتاب: «فلسطين بلادنا» والتي تمادت في دعواها لتقول ان هذا كتاب مدرسي «وهنا كان الادعاء مؤكداً في الطباعة» للسلطة الفلسطينية يدرس في منهاج الصف السادس. ومن الواضح ان المعلومات لهذا الاعلان قد اتت من اعمال مجموعة اخرى تدعى «مركز مراقبة وقع السلام». وهذه المجموعة التي انطلقت من هذا الخيط الواهي بأن كتاباً مدرسياً من منهاج الصف السادس الذي تدرسه السلطة الفلسطينية قد اتى على ذكر كتاب بعنوان «فلسطين بلادنا»، اتهمت السلطة الفلسطينية بأنها ادرجت الكتاب (وهو تعبير مخادع يمكن ان يوحي للقارئ العابر بأن هذا الكتاب انما يستخدم للتدريس بالفعل). وكانت مجموعة فلسطينية مستقلة تقودها الدكتورة حنان عشراوي قد دققت تقرير «مركز مراقبة وقع السلام» هذا الذي يتضمن كل المقاطع العدائية التي يدعي وجودها في «فلسطين بلادنا» وتوصلت لنتيجة مفادها ان ليس هناك أي عبارة «لا بديل عن تدمير اسرائيل» ولا اي عبارة اخرى نسبت للكتاب المذكور موجودة فعلاً. اضف الى ذلك ان هذه العبارات غير موجودة قطعاً في اي كتاب تدرسه السلطة الفلسطينية في منهاج الصف السادس. بعد كل ذلك يمكن تتبع كذبة سكومر الى اصلها. الخطوة الاولى: تقرير مركز مراقبة وقع السلام حول كتاب «لغتنا الجميلة» وذكره لمصطفى دباغ وموسوعته «فلسطين بلادنا». وهكذا اشار المركز الى ان كتاب «فلسطين بلادنا» قد «ادرج» في المنهج الفلسطيني. ثم قدم المركز مقاطع ادعى انها من الكتاب، لكن هذه المقاطع غير موجودة لا في طبعة 1947 ولا في طبعة 1988 من هذا الكتاب. الخطة الثانية: اخذت جماعة يهود من اجل الحقيقة الان، هذا المقطع «لا بديل عن تدمير اسرائيل» وجعلت منه ترويسة لاعلان مناوئ للفلسطينيين في الصحف. ووصفته بأنه مأخوذ من كتاب «فلسطين بلادنا» وكررت هذا التلفيق بالقول ان الكتاب قد تم «ادراجه في مناهج السلطة الفلسطينية». الخطوة الثالثة: وسع سكومر من هذا التلفيق بتشويه الحقيقة مرة اخرى. ففي بيان هذا السيناريو تحول «فلسطين بلادنا» الى كتاب الزامي في المنهج الفلسطيني. والادعاءات التي تقدم بها سكومر في مؤتمره الصحفي ما هي الا تلفيق ايضاً، لكن اكثر ما كان مسيئاً في تعليقات عضوي مجلس الشيوخ هو انحيازهما الواضح ونيتهما المعادية للسلام ومحاولاتهما السافرة لاستخدام القضية بأسرها بهدف رسم صورة الشيطان في شخص رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات. اذ ليس هناك في ملاحظات الاثنين اي ذكر للافعال التحريضية من جانب الاسرائيليين، مثل: ـ وصف الحاخام الاسرائيلي عوفاديا يوسف الفلسطينيين بأنهم «ثعابين سامة» وان «العرب يجب ان يبادوا». ـ وصف رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات بأنه «قاتل مصاب بداء الكذب». ـ استمرار استخدام شارون لكلمتي «يهودا والسامرة» حين الحديث عن الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذه الكلمات تستخدم بهدف دقيق هو اظهار ان هذه الاراضي انما هي اسرائيلية. ـ استخدام الجيش الاسرائيلي والصحف الاسرائيلية لخرائط تحمل اسم «ارض اسرائيل» للتأكيد على ان الضفة الغربية وقطاع غزة اراض اسرائيلية. ـ لقد اظهر سكومر وهيلاري انحيازاً واضحاً وعجزاً في تقدير الامور عندما قبل التلفيق من جانب الجماعة المناصرة لاسرائيل على انه حقائق. وضاعفا من خطئهما حين ضخماً هذا الادعاء الزائف في كلامهما امام الصحافة وفي رسالتها للرئيس بوش. وبفعلهما ذلك اساءا لمنصبيهما كعضوين في مجلس الشيوخ وللمسعى وراء الحقيقة والسلام. ان ما هو مثير للقلق في هذا السياق ليس هو التلفيق الذي دأبت هذه الجماعة المؤيدة لاسرائيل على اطلاق مزاعمها بشأنه ولا بتوظيف هذا التلفيق من جانب اثنين من اعضاء مجلس الشيوخ الامريكي. بل هو حقيقة ان هذا التلفيق لم يجد الرد عليه حينما وقع لأول مرة في نوفمبر 2000 واننا سمحنا له بالتنامي ليتحول الى حملة. وكان يجب اتخاذ اجراءات فورية لدحضه. لقد حول الاسرائيليون وأنصارهم من الامريكيين هذا العمل التحريضي الى صناعة. اذ ان قضيتهم هذه تفرخ كل اسبوع تحريضاً جديداً من كاريكاتير في صحيفة عربية الى بيانات لقادة عرب او مقتطفات من كتب. ومنذ سنوات ونحن نتحدث عن ضرورة اخذ المسئولين العرب لهذه الحملة على محمل الجد والمساعدة في التصدي لها، عبر مساعدتنا في الحصول على هذه المصادر التي تذكرها الدعاية الداعمة لاسرائيل لذا ان كانت هذه التهم حقيقية فعلاً (كما هو الحال مع سكومر). ـ عبر توثيق الافعال الاسرائيلية التحريضية من جانب زعمائها الدينيين والسياسيين والوثائق الحكومية الرسمية والكتب المدرسية. والحقيقة البحتة هي ان هذه الحملة التحريضية ما هي الا سلاح اسرائيلي استخدم بفعالية ضد الفلسطينيين بسبب واضح هو انها لم تجد من يتصدى لها. لم يكن هناك من يعري التلفيقات والمبالغات والكذبات الاسرائيلية. ولم يكن هناك ايضاً من رسائل الاسرائيليين عن اعمالهم التحريضية. اننا بحاجة لرد فاعل.. فهذه القضية لن تتلاشى من تلقاء نفسها. بل يجب التصدي لها قبل ان تتسبب بمزيد من الضرر للقضية العربية في الولايات المتحدة الامريكية. لقد اجتمعت مؤخراً بالرئيس عرفات وكبار مستشاريه وحثتهم على العمل معنا لايجاد هذا الرد. ولابد من فعل ذلك. رئيس المعهد الامريكي العربي