موجات الإنتفاض الفلسطيني لا تقصد لذاتها ، وإلا كانت مجرد (هوجات) شعبية جماعية تظهر وتخبو بلا معنى ومضمون ، تثور هذه الموجات عن وعي جمعي عقلاني عميق بجدواها لتصحيح، خلل ما يعتور المسار السياسي للقضية الوطنية في لحظة تاريخية سياسية معينة ، وهي في كل حال بعض من تجليات المقاومة الفلسطينية الممتدة للغزوة الصهيونية الاستيطانية في فلسطين ومحيطها العربي. ولكن كيف يتأتي التعرف على ما إذا كانت واحدة من هذه الموجات المتتالية قد حققت أهدافها ، ولم تذهب بتضحياتها الجسيمة بلا صدى حقيقي على القضية الأم ؟.. هناك مشروعية لإطلاق مثل هذا الاستفهام في المرحلة الراهنة ، التي تشهد عملية عض أصابع ، بين المتأملين في حصاد سياسي يكافئ إنتفاضة الأقصى وبين الساعين إلى الإنتكاس بأصحابها وقضيتهم ، وإدخالهم مجددا في دائرة أوسلو وأحابيلها العقيمة. المنهجية المقترحة في هذا المقام ، والأسهل في حقيقة الأمر ، هي التي تأخذ بالمقارنة بين حال القضية قبل الإنتفاضة وبعدها ، ويفترض أن تشمل هذه المقارنة بالذات ، النظر في مواقف ومواقع الأطراف المنغمسين في عملية التسوية، وما إذا كان هؤلاء قد اعتبروا بتفاعلات الإنتفاضة ورسائلها إليهم.. وبالطبع ، فإنه كلما لاحظنا إقتراب بعض هذه الأطراف من نوازع المنتفضين وأهدافهم كان ذلك أدعى للقناعة بأن الحصيلة تبدو موفقة ومبشرة بالنسبة لحال القضية. أما ثبات المواقف أو إنتكاسها ، فإنهما يعنيان العكس. الطرف الفلسطيني المفاوض لا ينبغي استثناؤه من هذه المطالعة ومقياس إنعكاسات الإنتفاضة بالنسبة له يقوم على أبعاد كثيرة منها بلا حصر: مدى تبنيه لبرنامج المنتفضين ، أقله في حدود الشرعية الدولية الفلسطينية ، ومدى دفاعه عن هذا البرنامج داخل قاعات التفاوض- إن كان ثمة تفاوض - وخارجها - ومستوى حرصه على عدم الإنصياع لكل ما يعرضه عليه شركاء التفاوض الآخرون ، لاسيما ما ينذر بالسوء على الجبهات الداخلية الفلسطينية. وقبل ذلك وبعده ، درجة قناعته بأن المزاوجة بين الإنتفاضة (المقاومة) والتفاوض هي أقوم السبل وأقصرها لإنتزاع الحقوق الوطنية وتعزيز جانبه بالمفهوم الاستراتيجي. هام جدا ألا تحدث أية قطيعة أو إنفصال بين الإنتفاضة والتفاوض إن يكون عطاء الإنتفاضة وما أعلنت عنه من قدرة فلسطينية خارقة على إرادة المواجهة ، حاضرين في ذهن أي توجه فلسطيني - أوعربي - للتفاوض والذين يودون اختبار تداعيات إنتفاضة الأقصى ، لديهم الآن فرصة محددة لمتابعة ما يجرى من تحركات سياسية ، والتحقيق من فحوى الأداء الفلسطيني والعربي ، فإن ظهر أن هذا الأداء يكرر ذاته وكأن الإنتفاضة لم تحدث ، فلهم أن يترحموا على تضحياتها وألا يتوقعوا عائدا مجزيا لها. وأسوأ من ذلك ما يتعلق بالأثر المستقبلي لهذه المعادلة. فالعودة ، أو الإنتكاسة في الحقيقة ، إلى دائرة ما قبل 29/9/2000 ومحاوراتها المراوغة ، قد يحبط المنتفضين وأنصارهم أقله في الأجل المنظور. ذلك بأن هؤلاء ربما فقدوا الثقة في نمط الإنتفاضة ذاته ، والمقاومة بالتداعي ، طالما أن تضحياتهم الكبيرة لا تؤخذ بعين الاعتبار على طاولات التفاوض. وطالما أن مفاوضيهم يعيدون إنتاج أساليبهم ، فيتحركون وكأن ظهرهم إلى الحائط. وسوف تظهر آثار سلبية أخرى فلسطينيا ، إذا ما تم التفريط في العناق النسبي ، الذي برز في غمرة الإنتفاضة بين السلطة الفلسطينية ومعارضي صيغتي مدريد وأوسلو ، حتى وإن كان هذا الوفاق تكتيكيا ، لقد جبت الإنتفاضة كثيرا مما علق بثوب الداخل الفلسطيني، ولم يفرق الإرهاب الإسرائيلي بين فصيل وفصيل. وستكون إحدى أوقع تجليات الإنتفاضة وجدواها طويلة الأجل، هي إستمرار قوة الدفع نحو الحد المشترك والقواسم العامة التي إئتلفت حولها القوى الفلسطينية داخل السلطة وخارجها. مازال الوقت مبكرا للحكم على الكيفية التي سوف تستلهم بها السياسة الفلسطينية إنتفاضة الأقصى ، وإن بدا الإصرار على التوازي والتوازن بين الأمني والسياسي في التعامل المقبل مع إسرائيل ، وعدم الهرولة في إتجاه ضبط المعارضة مع استبصار قدر من التنسيق معها ، من المؤثرات المبشرة. ويصدق هذا على الصعيد العربي أيضا. صحيح أن السياسات العربية أظهرت ما يثير الظن برغبتها في طي الإنتفاضة ولم تمد لها حبلا متينا من الدعم المتدفق.. لكن لا دلائل على أن العودة إلى مراوغات ما قبل الإنتفاضة والمرور عليها مر الكرام ، خيار مفضل عربيا، ولعل موقفي القاهرة والرياض واضحان في هذا الإطار. وكما هو منتظر ومتوقع ، يحاول الإسرائيليون أساسا، والأمريكيون بدرجة أقل ، إبراز الثبات في المواقف والإتجاهات. والايحاء بأن الإنتفاضة حدث عارض أو أعمال عنف ، يجب تجاوزها بل وإن أمكن معاقبة الشعب الفلسطيني وسلطته عليها. وتصر إسرائيل على أن إدخال الشريك الفلسطيني في رحمتها والرضاء عنه ، لن يكونا إلا بعد إعلانه الولاء والطاعة والعودة إلى سيرته الأولى قبل الانتفاضة. وتقديرنا أن الموقف الإسرائيلي يتظاهر بالصلابة. فالإنتفاضة حدث ذو مغزى بالنسبة لشعور المستوطنين بالأمن والاستقرار ، ومستوى الهجرة إلى الكيان الصهيوني ومنه، والإزدهار الاقتصادي ، ونظرة الإسرائيليين للذات وللعرب.. وغيرها من الأبعاد التي لا تظهر تداعياتها عاجلا.. وأهم من ذلك أن الإنتفاضة هزمت إلى حد ملموس نظرية (شارون هو الحل). غير أن ترجمة هذه التحولات إلى سياسة سلمية تخدم النزوع الفلسطيني التحرري ، ستحتاج بعض الوقت. وربما ارتهنت بالحيثية التي سيتصرف بها الشريك الفلسطيني ومن ورائه الظهير العربي. ـ كاتب فلسطيني