وقد مضى عام على تولي الرئيس بشار الأسد للسلطة، فلاشك أن الآراء والأفكار التي تنادى بها المشاركون في المنتديات السياسية الخاصة كانت على صواب، حين طالبته بتفعيل وعوده الرامية للتغيير الشامل، والانفراج الديمقراطي والإصلاح الاقتصادي واجتثاث الفساد حتى يصدق إضفاء صفات التميز والتحديث على العهد الجديد، وإشاعة أجواء الأمل والتفاؤل بالمستقبل، أما وجه الخطأ فهو مراهنة أصحاب تلك الآراء والأفكار على تسريع وتيرة وفاء الرئيس بشار بوعوده وكأنه يملك عصا سحرية. صحيح أنها تتجاوب مع قضايا ومطالب وطنيه ملحة، وضرورة مواكبة المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، مما يعني المراجعة الشاملة لعهد والده الراحل الرئيس حافظ الأسد من حيث النهج والتوجهات والممارسات والملفات، وهنا يكمن الحرج في احداث النقلة النوعية المطلوبة عاجلا، وكأن العهد الجديد يحاكم العهد القديم ويدينه أيضا أو هكذا دار في خلد خصومه ومعارضيه فضلا عن أن وعد الرئيس بشار بالمراجعة يظل خطوة في فراغ، إذ لم يلاحقها بوضع الحلول الملائمة للمشكلات الموروثة، إن بقدر ما تحتاجه هذه العملية الشاقة من توافر الجدية والشجاعة والموضوعية، بقدر حاجتها بالتالي إلى الوقت الكافي للدراسة العلمية المتأنية، وإنتقاء الخطط الاسترايجية الأنسب للنهوض وتوفير الآليات والكوادر الشابة المؤمنة بالتغيير والتحديث، خاصة ومن طبائع الأمور أن يستميت الحرس القديم في الدفاع عن مصالحه ونفوذه في السلطة عبر الترويج للأمن والاستقرار في ظل بقاء الأوضاع على ما هي عليه، وإثارة المخاوف من مخاطر الاختراقات المعادية للجبهة الداخلية مع إفساح المجال لمزيد من الحريات الديمقراطية، ويبدو أن ذلك صحيحا على نحو ما تشى به الاحتقانات السياسية والأمنية التي أفرزتها التجربة الوليدة بين الحكومة والمنتديات السياسية رغم تأكيد أصحابها على ولائهم للعهد وحرصهم على الثوابت الوطنية والقومية ! والشاهد أن الرئيس بشار الأسد ليس غائبا عن لعبة الصراع بين القديم والجديد، وبين أصحاب التوجهات التقليدية أو الماضوية وبين الأجيال الشابة ونخبها الفكرية والسياسية وإنحيازه لها بحكم إيمانه المعلن بحتميات المراجعة والتجديد، لكن تظل أولويات قضايا الأمن القومي السورى هاجسة، بالنظر إلى كون سوريا تمثل أحد الأطراف الرئيسية في معادلات الحرب والسلام بالمنطقة، والتمسك كوالده- بإنسحاب الاحتلال الإسرائيلي بلا قيد أو شرط من الجولان إلى حدود الرابع من يونيو عام 1967، وتلويح شارون بضرب الجيش السوري في لبنان وربما اجتياح سوريا بزعم دعمها لحزب الله، وتجدد عملياته العسكرية ضد المستوطنات الصهيونية الشمالية إلى حين الإنسحاب من مزارع شبعا والافراج عن المعتقلين اللبنانين والفلسطينيين والإيرانيين في السجون الإسرائيلية. وإذا كانت إسرائيل قد مارست عدوانها على بطارية للمدفعية المضادة للطائرات ورادار للجيش السوري في لبنان، وإعلان بشار الأسد عن استعداد سوريا للرد في الوقت المناسب الذي تختاره، وليس التوقيت الذي تلوح به إسرائيل لشن حرب شاملة ضد سوريا وفلسطين ومصر، فالقضية إذن المتعين أن يوليها العهد الجديد عنايته تكمن في الدفاع والأمن القومي والزام إسرائيل باستحقاقات السلام، تفوق أهمية الحديث عن شواغل الديمقراطية والتجديد والإنفتاح بالصورة والنسق المطلوب، ولا نقول أنها تلقي هذه الشواغل أو تجبها، وإنما إحكام الضوابط والتوازن بين قضايا الداخل التي يمكن معالجتها على مهل بالوعي السياسي والاجماع الوطني، وبين تحديات الخارج التي يستحيل الإتفاق بداهة مع سوريا على كبح جماحها ولا تأجيل إندلاعها، خاصة مع تصاعد خطورة تصعيد الوضع، وتحرك بعض الاطراف في لبنان لتأزيم العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، وإنتهاك ثوابتها على حين غرة لفصم التلازم بين مساري السلام السوري واللبناني، بدعوى إنتفاء ضرورات الوجود العسكري السوري في لبنان، بعد أن أدى دوره في إخماد نيران الحرب الأهلية، وإنسحاب الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان، لكأن سوريا مقاول بلا أجر للنهوض بمهام تأمين الاستقرار والوحدة الوطنية في لبنان والدفاع عن سيادته ووحدة أراضيه، وهو موقف انتهازي غير مقبول من جانب سوريا ولا من سلطة السيادة ومعظم القطاعات السياسية والشعبية في لبنان، ولعله من هنا كان القرار الحكيم للرئيس بشار الأسد والخاص باعادة إنتشار القوات السورية خارج بيروت وتخليها عن مواقفها للجيش اللبناني، ولعله ضربة لعصفورين بحجر واحد، أن يتحمل الجيش اللبناني مسئولياته كاملة في الدفاع الوطني من جهة، وبطلان الذرائع الإسرائيلية حول دعم سوريا وموافقتها سلفا على عمليات حزب الله، والأهم من ذلك نزع فتيل التوتر الراهن بين القوى السياسية اللبنانية حول الوجود السوري، وإتاحة الأجواء الملائمة للحوار فيما بينها حول إعادة صياغة العلاقات المشتركة على أسس جديدة أكثر ثباتا وقدرة على مواجهة التحديات، والقبول المتبادل بالشراكة المصيرية التي توظف إمكانات البلدين لمصلحة الشعبين. كاتب مصري