دخلت الفضائية الاسرائيلية الموجهة باللغة العربية مرحلة التنفيذ بعد اعتماد وزارة الخارجية الاسرائيلية ـ صاحبة المشروع ـ مبلغ خمسة ملايين دولار كميزانية اولية لاعتماد تشغيلها، وقد اشار البيان الذي صدر في الاسبوع الماضي عن اعتماد ميزانية التشغيل الى ان الهدف الاساسي لهذه الفضائية الاسرائيلية الموجهة للعرب هو بيان وجهة النظر الاسرائيلية للشعوب العربية في القضايا المثارة بين اسرائيل والعرب لا سيما في مرحلة الصراع الدقيقة والخطيرة القائمة الآن. شيمون بيريز وزير الخارجية الاسرائيلي وصاحب التاريخ الطويل في الارهاب والاجرام البارد، حينما اتخذ قرار انشاء هذه الفضائية كان يخطط لدور خطير ستقوم به هذه الفضائية في مرحلة ما زال الاعلام الرسمي العربي يعيش في طريق الضبابية والبعد عن الشفافية، وفي الوقت الذي كان ينبغي فيه على المسئولين عن الاعلام الرسمي العربي ان يدركوا خطورة المرحلة وان يعوا ان مرحلة تخدير الشعوب وتزييف الحقائق والاطناب في مديع الحكومات لم تعد مجدية في ظل الاعلام المفتوح، فإن وزراء الاعلام العرب في اجتماعهم الاخير في بيروت اظهروا ان معظمهم ما زال يدور في اطار الاعلام الشمولي والبعيد عن معايشة الواقع وإدراك حاجة الشعوب الى الانفتاح الاعلامي والشفافية ومحاولة استعادة الثقة التي فقدتها في الاعلام الرسمي العربي، وإدراك ان المواجهة مع اسرائيل الآن عربيا اصبحت سياسية واعلامية بعدما اعلن العرب انهم ليسوا على استعداد للدخول في مواجهة حربية مع اسرائيل التي تقتل الفلسطينيين ليلا ونهارا تحت سمع العالم وبصره ثم تنجح في اقناع الغرب بأنها تفعل ذلك دفاعا عن نفسها من الارهابيين العرب. اننا نستطيع ان ندرك حجم المخاطر التي يمكن ان تسببها الفضائية الاسرائيلية الجديدة اذا علمنا ان نشرة الاخبار العربية التي يقدمها التلفزيون الاسرائيلي تشاهد على نطاق كبير، وان اسلوب الصهاينة في بث السم في العسل وتزييف الحقائق وتشكيك الشعوب العربية في حكوماتها والايقاع بين الحكومات وبعضها البعض وبين الشعوب وبعضها ومحاولة عزل الفلسطينيين عن امتدادهم العربي والاسلامي وتقديم جزء من الحقيقة مخلوطا بحجم كبير من الاكاذيب ـ كل هذا اسلوب اعلامي صهيوني رخيص تقوم به اسرائيل من خلال نشرة اخبار واحدة تبثها الآن وتشاهد عربيا على نطاق كبير كما ان هذا اسلوب رخيص تتبعه اسرائيل من خلال اذاعتها الموجهة باللغة العربية من عشرات السنين والتي كان يستمع اليها العرب بعدما فقدوا المصداقية في اعلامهم الرسمي، كل هذا يعطينا مؤشرات على ما سوف تكون عليه الفضائية الاسرائيلية الجديدة التي لن يفلح العرب في ابطال مفعولها وصرف الناس عن متابعتها الا بدفع الاعلام الرسمي الى مزيد من المهنية والشفافية والمصداقية واكتساب ثقة الشعوب وعدم معاداة الخطوات الجريئة التي قامت بها بعض الفضائيات العربية واستطاعت من خلالها ان تستحوذ على ثقة المشاهد العربي وعلى اهتمامه. ان واقعنا الاعلامي العربي مؤسف فمعظم الفضائيات العربية اصبحت تركز على محاور ثلاثة كلها تصب في النهاية في تهميش اهتمامات المشاهد العربي وتدمير ثقافته ووعيه واهتمامه بقضايا وطنه وأمته. اما المحور الاول: فهو استنساخ البرامج القائمة على التسلية المعلوماتية التافهة، وترويج ثقافة الربح الكبير والمريع دون عناء او تعب، وهذه ثقافة خطيرة ومدمرة ان نجد الملايين تعيش على مفهوم الربح دون عناء واكتساب المال دون كد او تعب، ولكنهم في الاصل يخسرون الملايين عبر المكالمات المطولة التي تستنزف اموالهم وتدفعهم لحياة الوهم المدمرة بدلا من حياة الابداع والتعب والسير في الطرق السوية لاكتساب المال، وبعد ذلك يعيشون وهم الثقافة في معلومات لا تزيد علم الانسان ولا تضر بجهله. اما المحور الثاني: فهو محور الفتيات اللائي يقدمن برامج رخيصة من على السرير تارة او من ناد ليلي يتمايل فيه الراقصون والراقصات مع مكالمات هاتفية مليئة بمستوى متدن من الحوار، والمكالمات الهاتفية التي اشبه ما يكون الحوار فيها بالكلمات المدفوعة لدغدغة المشاعر. اما المحور الثالث: فهو يتمثل في الكثير من المحطات الرياضية وبرامج الرياضة التي اخذت اكثر من حجمها، فالرياضة شيء مهم وحيوي في كل أمة لكن تحويلها الى ان تصبح هي هم الناس ليلهم ونهارهم فهذا تدمير لمقدرات اي أمة ولمستقبل اجيالها. هكذا تواجه الفضائيات العربية الفضائية الاسرائيلية المقبلة، فإذا لم يتحرك المسئولون الرسميون عن الاعلام العربي لإدراك خطورة الامر الواقع فإنهم دون شك سوف يخسرون المعركة. ـ كاتب وإعلامي مصري