بين الصيف والترحال والسفر في حياة الناس هنا رابطة قديمة ليس للوفرة المادية أو المدنية الحديثة فضل في نشأتها كما قد يتبادر الى الذهن أو يزعم البعض. فمنذ ان كانت معالم هذه الارض رمالاً وبحراً وبضع خيام مشيدة من جريد النخل وللرحيل عن مدن السواحل موعد لا يخلفه كلما هدأت ثورة رياح الشمال وكفّت أمواج البحر عن اجتياح الشواطئ والاندفاع مزمجرة بين «سكيك الفرجان» متسللة الى أحواش البيوت عبر الأبواب الخشبية والفرج التي تتخلل «الدعون» تلك الحيطان التي لا تمنع ريحاً ولا تحفظ همساً، فإذا ما عاد الهدوء الى صفحة البحر وامتد الافق فسيحا وعادت الامواج تتكسر على رمال الشواطئ خجلى وعزّت نسمة الهواء في تلك المدن الساحلية بعد ان اثقلتها رطوبة البحر تاقت النفوس الى «المقيظ» فشدّ سكان السواحل الرحال الى الواحات و«البرائح» مصائفهم المعتادة حيث الرمال الناعمة ومزارع النخيل وآبار المياه العذبة، وحيث النسائم الخالية من الرطوبة على ما يخالطها احياناً من «سَهَامٍ» يلهب الوجوه نهاراً حتى اذا ما سجى الليل تحول الى هواء بارد منعش اين منه موجات الصقيع التي تقذف بها أجهزة التكييف الحديثة في وجوهنا فتشل حركتنا وتعطّل مفاصلنا وتجمدنا كما تفعل البرادات بتلك اللحوم المجمدة المحفوظة التي دفعت بها المدنية الى قائمة طعامنا فأورثتنا امراضاً وعللاً لم يعرفها الآباء والأجداد في تلك الايام.. أيام البرائح ومزارع النخيل. وكما كان الرحيل الى المصائف وسيلة للراحة والبعد عن مناخ المدن فقد كان السفر ذات يوم وسيلة من وسائل الكسب عندما كانت لقمة العيش شحيحة، وفي سبيل الحصول عليها ركب قاطنو هذه الارض ظهور السفن فجابوا مياه الخليج وتنقلوا عبر مرافئه على الضفتين، ثم عبروا مضيق هرمز ليرتادوا موانئ الهند وعدن وافريقيا مسجلين ملاحم رائعة في مصارعة امواج البحر العاتية ومجابهة رياحه العاصفة التي اذا ما هبت تلاعبت هي والموج بسفنهم ترفعها تارة وتهوي بها الى الأعماق تارة، لتظل نجاتهم مرهونة بلطف الخالق ومهارتهم في التعامل مع تلك الغضبة.. فما أشقها من حياة، اليابسة فيها شحيحة، والماء فيها لا يؤمن جانبه. ثم دار الزمن دورته فطوى معه صفحة تلك الأيام وتغيرت معالم الصورة على وجه الأرض، واختفت مشاهد لتستقر في اروقة المتاحف وبين جنباتها، وتوارت خلف جدران القرى التراثية مظاهر كانت ذات يوم هي نبض حياة الناس وروح معيشتهم واحاديث صباحاتهم الجميلة ومجالس السمر في لياليهم المقمرة. وبعد ان كان السفر في الماضي مشقة او قطعة من العذاب كما وصفه الحديث الشريف أصبح اليوم متعة وراحة يتسابق الى الفوز بها ذو اليسار وذوو العسرة، ويدخر لها الناس طوال العام من الأموال ما يذهب في بطون شركات الطيران والفنادق والمطاعم والمقاهي ومراكز التسوق ومدن الألعاب. تقول دراسة نشرت مؤخراً ان هناك ما يقرب من مليون سائح خليجي يحلقون كل عام في اجواء العالم ليحطوا رحالهم في دول اوروبا واسيا والقارة الاسترالية فاتحين جيوبهم وبطاقات ائتمانهم لينفقوا ما يزيد على خمسة مليارات من الدولارات تلتهمها جيوب وبطون اولئك الذين يعرفون من اين تؤكل الكتف، خاصة بعد ان تراكمت الشحوم على اكتافنا وغدونا صيداً «سميناً» شهياً لكل قناص ماهر وغير ماهر، ولا ادل على ذلك من اننا نذهب كل عام الى عواصم كبرى ومدن فيها من العلوم والثقافة والفنون كنوز، وبها أماكن تحمل من عبق التاريخ ورائحة التراث والحضارة الكثير، غير اننا ما ان نحط رحالنا بتلك الديار حتى نلقي كل ذلك خلف ظهورنا، فلا تقودنا اقدامنا الا الى تلك الشوارع التي لا تنام، ولا يهدأ لنا بال ان لم نيمم شطر حدائقها الشهيرة.. نتسكع على بحيراتها ونتلذذ بإطعام طيورها، وتأسرنا متاجرها الكبرى فنملأ حقائبنا ببضائعها التي تزخر متاجرنا واسواقنا بمثلها وافضل منها سعراً وجودة. وكلما أزف الصيف قمنا بشد الرحال الى الأماكن نفسها لنمارس الطقوس نفسها ونمشي في الشوارع نفسها ونشتري البضائع نفسها في عرض مسرحي مكرر نجيد تمثيله بغباء نحسد عليه.. الشيء الوحيد المختلف الذي نفعله هو أننا ننفق كل عام أضعاف ما أنفقناه في الأعوام السابقة عن طيب خاطر وبلاهة لا ينافسنا فيها أحد. مخطئ من يعتقد ان السفر هو مجرد انتقال في المكان، فالسفر حالة نفسية قبل ان يكون حالة بدنية، اذ ربما سافر المرء حاملاً معه همومه وهواجسه وأفكاره فلم ينل من سفره سوى المشقة والتعب. ورغم وعورة الطرق وشح الوسائل فقد حبذ العرب قديماً فكرة السفر ودعوا الى التغرب عن الأوطان، وعدوا للسفر فوائد خمس حددها الإمام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه في أبيات مشهورة حفظتها الذاكرة تقول: تَغَرَّبْ عن الأوطانِ في طلبِ العُلا وسَافِرْ ففي الأسفارِ خمسُ فوائدِ تَفَرُّجُ هَمٍّ واكتسابُ معيشةٍ وعلمٌ وآدابٌ وصُحْبَةُ ماجِدِ فإن قِيْلَ في الأسفارِ ذلٌّ ومِحْنَةٌ وقَطْعُ الفيافي وارتكابُ الشدائدِ فموتُ الفتى خيرٌ له من مقامِهِ بدارِ هوانٍ بين واشٍ وحاسدِ هكذا نظر العرب قديماً للسفر وعرفوا له فوائده التي أخذنا منها نحن واحدة هي «تفريج الهم» ولم ندرك بقيتها إلا فيما ندر، فهل تراها وفرة العيش وسهولة الحصول على العلم والمعرفة واكتساب الآداب ثم ندرة الأماجد في زماننا هو ما جعلنا لا نحفل بالفوائد الأخرى، أم لأن السفر لم يعد تلك الرحلة الشاقة التي كان العرب يحسبون لها حساباً ويعدون لها العدة ويرون فيها ذلاً ومحنة وقطعاً للفيافي وارتكاباً للشدائد؟ ومع كل تلك المشقة التي عاناها العرب في أسفارهم فقد تفنن شعراؤهم في الحث على السفر واستخرجوا لنا صوراً تبغِّض إلينا المقام الطويل بالأرض وتحبب الى نفوسنا الارتحال والتنقل، فهذا شاعر ـ اختلف الرواة في تسميته ـ يقول: سَافِرْ تَجدْ عِوَضاً عَمَّنْ تفارقُهُ وانْصَبْ فإن لذيذَ العيشِ في النَّصَبِ إني رأيتُ وقوفَ الماءِ يفسدُهُ إنْ ساح طابَ وإنْ لم يَجْرِ لم يَطِبِ والأُسْدُ لولا فِراقُ الغابِ ما قَنَصَتْ والسَّهمُ لولا فِرَاقُ الْقَوْسِ لم يُصِبِ والتِّبْرُ كالتُّرْبِ مُلْقيً في معادِنِهِ والعودُ في أرضِهِ نوعٌ من الحَطَبِ وهذا أبو تمام يقول: وطولُ مقامِ المرءِ في الحيِّ مُخْلِقٌ لديباجتيهِ فاغْتَرِبْ تَتَجَدَّدِ فإني رأيتُ الشمسَ زِيْدَتْ محبةً إلى النّاسِ إذ لَيْسَتْ عليهم بِسَرْمَدِ هكذا تبارى شعراء العربية في ترويج فكرة السفر والارتحال في الماضي كما تتبارى اليوم وكالات السفر والشركات السياحية في طرح برامجها وعروضها المغرية التي يعود منها البعض حامداً مسروراً، بينما يذوق منها البعض الأمرين ويرضى من الغنيمة بالإياب. ويظل هناك سفر من نوع آخر هو على النفس أكثر مشقة من كل الاسفار، عانى منه شاعرنا العظيم أبوالطيب المتنبي فكان الارتحال الدائم قدره، وكان نصيبنا منه هذا الكنز العظيم من الشعر الذي خلّفه لنا، ومنه نغترف هذين البيتين ليكونا مسك ختام هذه الرحلة: إذا تَرَحَّلْتَ عن قومٍ وقَدْ قَدَرُوا أن لا تفارقَهم فالرَّاحِلُونَ هُمُ شَرُّ البلادِ مكانٌ لا صديقَ بِهِ وشَرُّ ما يَكْسِبُ الإنسانُ ما يَصِمُ