من المسلم به اليوم ان المجتمع الصناعي الذي ساد طيلة القرن العشرين قد أخذ في التراجع ليترك المجال أمام مجتمع المعلومات، وخاصة في البلدان التي راهنت مبكراً على القطاع الالكتروني والاقتصاد اللامادي. لقد استشفت مختلف المختبرات ومؤسسات البحث ملامح هذا المجتمع الجديد منذ ربع قرن وتوصل الباحثون جميعاً إلى استنتاج واحد وهو ان عهداً جديداً قد حل قوامه الإعلام والمعرفة إلى جانب المادة والطاقة. إن هذه الاعتبارات هي التي ستساعدنا على فهم التحولات العالمية الكبرى واستيضاح الرهانات والقضايا الدقيقة التي ستواجه البلدان الصاعدة في بداية هذا القرن، وسيكون بناء هذا المجتمع المتميز بمشاركة كل الأطراف، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني الذي ستضطلع بقسط وافر في رفع التحديات المنتظرة ومنها تحديات الشغل. ذلك ان الجمعيات الكبرى ستضطلع بدور ملموس في تشغيل العديد من الطاقات وستنشط اقتصاديا في الكثير من المجالات، كما ان الكثير من الجمعيات غير المشغلة ستساهم بقدر كبير في تهيئة الأرضية الملائمة لازدهار مهن جديدة ونماذج متطورة للعمل وستشارك بحجم ملموس في مختلف مجالات الانتاج والاستثمار والتكوين والإعلام. وسنحاول فيما يلي التعريف بالآليات الجديدة التي ستساعد على توسيع نشاط المنظمات غير الحكومية من جهة، ثم نتعرف من جهة أخرى على مظاهر النشاط التي ستخصص فيها مكونات المجتمع المدني، وذلك قبل استنتاج بعض الحلول الملائمة. الآليات الجديدة يقوم مشروع الطريق السريعة للمعلومات والاتصال كما سبق لنا شرحه في اعمدة هذه الصحيفة، بالاعتماد على الشبكات التفاعلية ذات الدفق العالي والنطاق الواسع، كما انه يتجسم بالتقاء المعلوماتية والهاتف والتلفزيون ومزج الصور المتحركة مع الصوت والنص المكتوب والمعطيات الرقمية، ومن المنتظر ان تمر هذه الطريق بكل بيت وان تدخلها عبر جهاز الحاسوب والتلفزيون والشاشة حيث سترتبط عالمياً أغلب العائلات بشبكة الانترنت قبل سنة 2020. وبذلك سيتيسر تبادل المعلومات في أي مكان وبمختلف الأشكال، وستساعد الوسائط الاعلامية مهما بعدت المسافة على انجاز الكثير من الخدمات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما سيصبح بالامكان توظيف هذه التجهيزات في مجالات السياسة الدبلوماسية والدفاع الوطني وغيرها. وتتمثل المشاريع النموذجية التي حددت لتحقيق هذه الأهداف في تكثيف تدفق الإعلام وتبادل البيانات واختيار المشاريع التي تتكامل فيها الفوائد الاقتصادية والاجتماعية وتساعد على بروز أسواق واسعة لتبادل المنتجات الثقافية الجديدة وخلق حاجات غير معهودة. ومن الوسائل التي ستبرز أكثر من غيرها في نشاط المؤسسات والجمعيات تمكن الاشارة إلى البريد الالكتروني والمحاضرات عن بعد، ذلك ان الوثائق والمعلومات سوف تتخلص تدريجيا من الورق الذي أصبح معرقلاً لكثافة تدفقها، وبالتالي فإن النشاط الذي كان يعتمد على الورق والتوزيع الواسع للوثائق المكتوبة هو الذي سيكسب أكثر من غيره بما توفره الشبكات الالكترونية من سرعة وجدوى وانخفاض في التكلفة. فالمراسلة الالكترونية ستيسر التوزيع على عدد كبير من الأطراف المعنية والابلاغ الآلي للمعلومات المخزنة إلى من يرغب فيها، كما انها ستساعد على جمع التبرعات والربط السريع بين الأعضاء المشاركين، ومثل هذه الامكانيات من شأنها ان تفتح آفاقاً فسيحة لتطوير العمل الجمعياتي وتكثيفه، وقد يطول تعداد أوجه الاستعمالات الممكنة ولكل ان يوظفها بحسب حاجاته أو تطوراته وطبيعة العمل الملائمة لنوع نشاطه. وفيما يتعلق بالمحاضرة عن بعد فإننا لن نقتصر مستقبلاً على ارسال النص المكتوب أو الصورة غير المتحركة، فمواعيدنا الثنائية والجماعية ستكون عبر جهاز الحاسوب باقتسام الشاشة بين المتحاورين، وسيكون في متناول الطرفين تبادل مختلف المعلومات والآراء والمشاركة في تحرير البيانات والنصوص في اتجاه أو آخر وفي كل مكان، دون حاجة إلى تجهيزات كبرى أو شبكات خاصة. لقد أصبحت الجمعيات الغربية بمختلف تخصصاتها وأهدافها تعتمد على شبكة الانترنت باعتبارها مصدراً ثرياً للاخبار التي تتصل بنشاطها مثل وقائع المؤتمرات المهمة، والوثائق التي تنشرها الوزارات، والاحصائيات حول التعليم والصحة وغير ذلك من مشاغل الحياة. فقد اعتمدت هذه المنظمات شبكة الانترنت لتنظيم برامج تثقيفية لأعضائها ولشرائح اجتماعية معنية بنشاطها من أجل ابلاغها مختلف المعلومات المتعلقة بسير الجمعية بملفاتها وبمشاريعها وبرامجها. وبطبيعة الحال فإن المنظمات الأهلية العربية ستستفيد من هذه التقنيات حين يصبح لها باب وعنوان على شبكة الانترنت، فيدخلها من شاء ويتحاور عبرها العضو المشارك مع زملائه وهو في بيته ويطلع على الأخبار أو البيانات الموجهة ويشارك عن بعد في الاجتماعات وكل ذلك بأقل التكاليف، أما الفريق التنفيذي للجمعيات فإنه سيتخلص من الاشكاليات العديدة التي يواجهها يومياً والتي تتمثل في صعوبة الاتصال بالمشتركين والتوزيع البريدي البطيء والمصاريف اللازمة للطباعة والمداومة المملة. وبصورة عامة فإن نظام التحاور عن بعد والمحاضرة عبر الشبكات سيصبح العنصر الحاسم في تنشيط الجمعيات التي يرتكز نشاطها على الاجتماعات العامة والاتصال المسترسل بالجمهور. لقد أدركت المجتمعات المتقدمة منذ البداية ما يمكن ان تجنيه من فوائد من تقنيات الاتصال الحديثة في معالجة القضايا الملحة التي تواجهها الانسانية على الصعيد الاجتماعي. ولذلك اهتمت المجموعة الدولية والاقليمية بالدراسات والبحوث لاستجلاء الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية لمشروع الطريق السريعة للاتصالات، فجاءت كل الاستنتاجات مؤكدة ضرورة توزيع الأدوار بين القطاعات الثلاثة مبرزة في الوقت ذاته الوظائف الجديدة التي تنتظر قطاع المجتمع المدني الذي تؤلفه الجمعيات والمنظمات الأهلية. الاقتصاد اللامادي لقد أحدث الاقتصاد اللامادي انعكاسات متعددة وفي الوقت ذاته في الفرد والمؤسسة والادارة والجمعية، وقد يغطي خمسة مجالات محورية من الضروري ان تنصهر ضمنها بصفة متناسقة وتدريجياً المؤسسات وأصحاب الكفاءات والمستعملون. ففي خصوص تبادل المعلومات الالكترونية أصبح الانخراط بشبكة الانترنت من الحاجيات الأساسية للجمعية أو للمؤسسة والمواطن عموماً، إذ ان استعمالها أضحى شرطاً من شروط كسب القدرة الاضافية من حيث الكلفة والسرعة إلى جانب الامكانيات المتاحة لتطوير التشغيل والتصدير. أما المجال الثاني فهو يتعلق بتبادل الخبرات والخدمات عبر الطرق الالكترونية حيث عرف رقم معاملات التجارة الالكترونية في العالم، أي البيع والشراء عبر الانترنت، انفجاراً فاق كل التوقعات وتبين ان شبكة الانترنت خلقت سوقاً عالمية لتجارة السلع والخدمات لم يسبق لها مثيل من قبل ويمكن لتنظيمات مهنية ان تلعب دوراً مهماً في تنظيم هذا النشاط الجديد. ويتصل المجال الثالث بالدفاعات الالكترونية عبر الانترنت، وهي حلقة أساسية لتطوير التعامل في الاقتصاد اللامادي وتمثل مجالات واسعاً لتنمية خدمات ومهن جديدة ذات قيمة مضافة عالية وسيسمح ذلك بتكثيف المواقع الاقتصادية العربية وتنمية رقم معاملاتها وتيسير تسجيل الطلبة في الجامعات إلخ..كما سيتيح هذا النظام الجديد للعمليات فرصاً كبيرة للاستفادة من هذه الخدمات والآليات كتجديد اشتراك الأعضاء وتوزيع النشرات وابلاغهم آخر المعلومات المتصلة باجتماعاتها وبرامجها. أما الهدف الرابع فهو يتصل بإحداث انماط جديدة من العمل حيث أصبح العمل عن بعد يشهد حركة متسارعة، إذ ان ملايين من العمال والاطارات يمارسون نشاطهم عن بعد بمؤسسات متواجدة في مختلف أنحاء العالم، وقد برزت في السنوات الأخيرة خدمات على الخط في بعض الاختصاصات تتطلب خبرات عالية غير متوفرة بالقدر الكافي، وتطورت من جهة أخرى خدمات متعددة في هذا الاتجاه، ويتطلب هذا النشاط قدراً كبيراً من المرونة، وقد تستطيع الجمعية أكثر من المؤسسة التفاعل مع الطلب في هذا المجال. ويخص المجال الأخير تطوير الذكاء واستغلاله وتقاسمه، وذلك عن طريق توفر وسائل تكنولوجية للمتعاملين عبر الشبكة للحصول على الحلول للاشكاليات المطروحة بفضل وجود مزودي خدمات الذكاء، ويمكن للجمعيات العلمية ان تستفيد كثيراً من هذه الآليات. دور متميز للجمعيات ان العمل الجمعياتي في المجتمع الاعلامي سوف يكتسب مظاهر جديدة ومتنوعة في النظام الاقتصادي الجديد، كما انه سيتسم بخصوصيات متفاوتة حسب مستويات الممارسة والنشاط، ويتضح من مختلف البيانات المتعلقة ببناء مجتمع المعرفة ان الوضع يتجه نحو اعادة توزيع الأدوار بين مختلف الأطراف الاجتماعية، بحيث تضطلع المصالح الحكومية بمهام أبرزها: ـ السهر على تماسك العمل بين القطاعات والتنظيمات الكبرى. ـ تشجيع المبادرة في مجالات الاستثمار والتصدير والبحث والدراسات. ـ التخطيط الشامل وانشاء البنى التحتية. ـ التحاور مع الحكومات الأجنبية لتنسيق وتحديد اطار المشاركة والتعاون في وضع الاتفاقات الدولية. أما القطاع الخاص فيتعين عليه ان يضطلع بمهام أخرى، مثل: ـ تكثيف صناعات الاتصال. ـ انتاج وتوزيع وتسويق البرامج. ـ القيام بتطوير الخدمات عن بعد وتسويقها للعموم. وهذا يعني ان كل ما لم تشمله هذه الاعتبارات يعود الى مختلف مكونات المجتمع المدني والجمعيات، . ويمكن حصر تدخل الجمعيات في مجالات التشغيل عبر مستويين، مباشر وغير مباشر، وينتظر ان تتمثل هذه المبادرات خلال السنوات المقبلة في: ـ تنشيط الجمعيات المدرسية داخل مختلف المناطق وربطها بمراكز الانترنت. ـ انتاج برنامج التعليم عن بعد (برامج تعليمية، تثقيفية، وقائية، ترفيهية). بالتكامل مع الجامعات وجمعيات الاتصال والتربية. ـ انتاج اقراص الليزر (حدز.) حول برامج تربوية ودروس علمية. ـ صيانة أجهزة الحاسوب وتقديم خدمات مشابهة للمنظمات الأهلية والعائلات. ـ فتح مراكز عمومية للانترنت لفائدة الشباب. ـ تقديم خدمات مطبعية (كتابة النصوص، التسفير، نسخ، اقراص الليزر). ـ التكوين وتدريب الطلبة على الحاسوب والانترنت. ـ تعزيز طاقة الجمعيات المشغلة في مجالات التنمية وتسديد القروض الصغرى ومساعدتها على التصرف الاداري والمالي. ـ تسيير بوابة شاملة للخدمات الجمعياتية واصدار نشرة الكترونية اعلامية لفائدة الجمعيات. ان هذه الأمثلة ما هي الا نماذج من النشاط الذي يمكن للجمعيات ممارسته في مختلف التخصصات وما هذه المعلومات الا مؤشرات عامة لعلاقة الجمعيات بمجتمع المعلومات اضافة الى دورها المتميز فيما يتصل بعلاقاتها مع مختلف الشرائح الاجتماعية من الطفولة الى العجز وذلك فضلا عن استعمالات شبكة انترنت لتكثيف صلات التعاون والتكامل بين الجمعيات المجاورة والمتجانسة. ان المجتمعات العربية كغيرها من المجتمعات سوف تستفيد من شبكات الاتصال وهي تنتظر الكثير من المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية من حيث تكثيف الحوار وتدعيم روح التآزر والتضامن وترسيخ التعددية الفكرية وفتح قنوات جديدة للمساهمة في الخلق والابداع. على أن انتشار هذه الشبكات وتطور نوعية الخدمات الاعلامية قد لا يخلو أحيانا من السلبيات ولذلك فان للجمعيات والمنظمات غير الحكومية دورا حاسما في مجابهة مظاهر الانحراف من خلال المشاركة في وضع الادبيات ومواثيق الشرف الملائمة والسهر على احترام هذه التدابير. ـ خبير اعلامي عربي