الآن.. يبدو أن الخلاف بين الرئيس الأمريكي بوش الابن والسفاح الذي يتولى منصب رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يكن إلا مسرحية رديئة حرص الاثنان على أن تتم أمام عدسات التلفزيون معتمدين على السذاجة العربية، التي ستتصور من الخلاف التلفزيوني أن أمريكا عدلت سياستها وخففت من إنحيازها الأعمى والأطرش وأحيانا الأخرس.. إلى جانب إسرائيل! وبالفعل هلل البعض في الجانب الفلسطيني والعربي لما حدث، واعتبروا أن الخلاف العلني حول مستوى العنف الذي تشهده الأراضي الفلسطينية هو المدخل لإجبار إسرائيل على استئناف المفاوضات ووقف المذابح اليومية للشعب الفلسطيني.. بينما الأمر في الحقيقة لم يكن إلا محاولة لستر النظم العربية أثناء محاولة تمرير مشروع العقوبات الذكية على العراق . وعندما رأت واشنطن أن المحاولة لن تتم وأن موسكو ستمنع تمريرها في مجلس الأمن .. ظهر الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية على حقيقته بالرضوخ التام لشروط شارون وإعطائه كل الدعم وهو يقود حربه لنسف أي إمكانية للسلام في المنطقة ولتركيع الفلسطينيين وتهديد العرب واستخدام ما يشاء من قوة عسكرية لخلق أمر واقع جديد في المنطقة. وكانت رحلة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول للمنطقة هي التجسيد العملي لاستسلام الإدارة الأمريكية أمام شارون. واضطر وزير خارجية الدولة الأعظم لابتلاع ما قاله عن ضرورة وجود مراقبين لوقف إطلاق النار، بعد رفض شارون لذلك وإذعان الإدارة الأمريكية وإصدارها لبيان يكذب ما قاله وزير خارجيتها الذي اضطر بعد ذلك لابتلاع الإتفاق الذي توصل إليه حول جدول زمني لوقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات، وكانت النهاية بائسة حين اضطر الوزير الأمريكي لإعلان أن شارون وحده هو الذي سيقرر مستوى الهدوء المطلوب لكي يبدأ السير نحو استئناف المفاوضات بعد أن تثبت السلطة الفلسطينية جديتها (!!) وتحصل من السفاحين الإسرائيليين على شهادة حسن السير والسلوك!! كان هذا يعني إطلاق يد شارون في تنفيذ مخططاته، وكان يعني أيضا موافقة أمريكا على وأد الاتفاق الذي أبرمه رئيس المخابرات الأمريكية بنفسه مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وكان يعني ـ ثالثا ـ أن كل المطلوب أمريكيا هو إضاعة الوقت أو ـ إن شئت الدقة ـ إعطاء شارون الوقت المطلوب لإنجاز المهمة التي جاء من أجلها.. وهي القضاء على الإنتفاضة وضرب أي إمكانية للمقاومة الفلسطينية ثم إجبار الفلسطينيين على القبول بما يطرحه من حل مرحلي يتم وضعه موضع التطبيق على مراحل تمتد لسنوات طويلة ، يغلق فيه أي باب للحديث عن القدس أو حق العودة ، ويقتصر الأمر على (كانتونات) فلسطينية متفرقة في الضفة والقطاع تحيط بها المستوطنات من كل جانب. ولم يكن ممكنا أن يترك شارون الفرصة ..وكشف مجلس الوزراء الإسرائيلي عن هويته الحقيقية كعصابة من القتلة تجتمع لبحث قوائم الاغتيالات التي ستنفذها ضد الفلسطينيين ، وتستعد لتوسيع عملياتها وتوجيه ضربة عسكرية لمؤسسات فلسطينية قيل إنها تشمل أربعين هدفا استراتيجيا فلسطينيا بهدف تفكيك السلطة الفلسطينية وتصفية قياداتها وعلى رأسهم عرفات جسديا أو سياسيا أو طردهم للخارج. كما تستعد لتصعيد عملياتها ضد لبنان والقوات السورية، وربما كان هذا الجزء الأخير وراء رحلة شارون الأوروبية التي يحاول فيها (تسويق) ضربة جديدة على الحدود اللبنانية ترفضها العواصم الأوروبية وخاصة باريس. ولا يعفي أمريكا من المسئولية أن يعلن وزير خارجيتها فور عودته من الشرق الأوسط أن الفلسطينيين والإسرائيليين يتمسكون بمواقف متصلبة تقود إلى فشل المبادرات التي تقدمها واشنطن ولا يعني أمريكا أن تساوي بين الجلاد والضحية. ولا أن تطالب كل الأطراف بضبط النفس، فشارون يقود حرب إبادة الشعب الفلسطيني وهو يرفع شعار ضبط النفس على اعتبار أن ما هو قادم سيكون أكثر بشاعة . لا يعفى أمريكا من المسئولية شئ من ذلك، فشارون أو غيره لايمكن أن يشن حرب الإبادة التي يخوضها إلا بموافقة أمريكية. واليمين واليسار الإسرائيليين اللذين يتحالفا الآن في ضرب أي بارقة أمل في تسوية سياسية حقيقية مع الفلسطينيين لن يستمرا في ذلك المخطط إذا قالت واشنطن: لا، والأسلحة التي تضرب بيوت الفلسطينيين وتغتال شبابهم وتهدد بضرب لبنان هي أسلحة أمريكية في الأساس، والدولة العبرية لايمكن أن تتحمل خسائر الحرب إلا بالدعم الاقتصادي والسياسي الأمريكي. ولا يعفى أمريكا من المسئولية أن تنسحب من دورها كشريك في عملية السلام ، وأن تترك الفلسطينيين في مواجهة إسرائيل لكي تنتزع بالقوة الاستسلام الكامل لشروطها . لأن واشنطن تعلم أن هذا النهج لايمكن أن يقود لسلام حقيقي. ولا يعفى أمريكا من المسئولية أن تقول أنها حاولت وفشلت، فليس ذلك صحيحا على الإطلاق، وما عرضته في كل الأحوال لم يكن يلبي الحد الأدنى الذي يصنع السلام، بما في ذلك مقترحات كلينتون التي كانت في حقيقتها مقترحات باراك.. إن شروط العملية التي قادتها أمريكا منذ مؤتمر مدريد كانت تقوم على قاعدة أساسية هي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية مقابل الاعتراف بإسرائيل ضمن حدود الرابع من يونيو 67 لكن ما فعلته إسرائيل بمباركة أمريكية واستهتار القيادة الفلسطينية وتقديمها للتنازلات المجانية.. هو تفكيك هذا الأساس الوحيد الصالح للتسوية السياسية، وكانت كارثة إتفاق أوسلو هي البداية للسير في هذا الطريق الذي استغلت فيه إسرائيل كل شيء.. بدءا من سوء الإتفاق إلى غفلة المتفاوضين إلى الدعم الأمريكي لإسرائيل والضغوط العربية والدولية على الفلسطينيين لكي تتوالى التنازلات ولكي يصبح المنهج هو الوصول لاتفاق، ثم التفاوض للوصول لإتفاق آخر لتنفيذ الإتفاق السابق! وهكذا.. من مدريد إلى أوسلو، ومن أوسلو إلى شرم الشيخ، ومن نيويورك إلى القاهرة.لينتهي الأمر بإتفاق وزير الخارجية الأمريكي لتنفيذ الاتفاق الذي توصل إليه مدير المخابرات الأمريكية ، لكى تبدأ فترة هدوء ، ثم استقرار ، ثم اطمئنان، لكي نبدأ في التفاوض من أجل العودة إلى الأوضاع التي كانت سائدة قبل إندلاع الإنتفاضة قبل 28 سبتمبر الماضي.. وكأن الأوضاع يومها كانت غاية في الكمال، وكأن هذا هو السلام المنشود، أو الخطوة الأساسية التي ستؤدي إليه!! إن الموقف في المنطقة خطير، وشارون قد إتخذ قراره بإنهاء المسيرة الحالية الساعية لتسوية سياسية ، والتواطؤ الأمريكي مع العجز العربي يفتح له الباب واسعا لتنفيذ مخططاته. وفي مواجهة ذلك لن يجدى العرب استجداء السلام أو السلامة، ولن ينقذهم إلا موقف متكامل يقوم على عدة محاور أهمها. - إن الإنتفاضة الفلسطينية لابد أن تبقى ، ولابد أن تكون صوتا واحدا لشعب لن يسقط السلاح إلا بإستقلاله. ـ إن الدعم العربي للشعب الفلسطيني لا ينبغي أن يتأخر. وعلى الحكومات العربية أن تدرك أن إنكسار الإنتفاضة وإنتصار شارون سوف يفتح أبواب جهنم على الكثيرين. فالأطماع الإسرائيلية لن تتوقف عند حدود فلسطين، والعواصم العربية ستدفع ثمن السقوط الذي يكشف عجز الأنظمة. ـ إن أي تحرك عربي ينبغي أن ينصت جيدا لما أعلنه الأمير عبد الله ولي عهد السعودية من أن إسرائيل بحاجة إلى السلام بأكثر من حاجة العرب إليه ، وستكون خسارتها فادحة وغلطتها قاتلة إن أضاعت فرصة السلام. ـ إن إسرائيل ليست وحدها التي تحتاج للسلام في المنطقة بأكثر مما يحتاجه الجميع. فأمريكا ينبغي أن تدرك أن حاجتها أكثر من الجميع لاستقرار الأوضاع في هذه المنطقة الاستراتيجية. ـ واستقرار الأوضاع لن يتحقق بالنسبة لأمريكا ـ ببقاء أساطيلها بالمنطقة، ولا بإستمرار الحصار على شعب العراق، ولا بالتواطؤ مع إسرائيل ضد العرب. ـ إن ثبات الداخل الفلسطيني في وجه العدوان الإسرائيلي البشع، لابد أن يرافقه موقف عربي يقوم أساسا على التنسيق الكامل بين القاهرة ودمشق والرياض.وهذا المحور الثلاثي مطالب اليوم بإعلان موقف حاسم يحمل أمريكا مسئوليتها كاملة ويطالبها بموقف واضح يلتزم بالشرعية الدولية ويحترم المبدأ الذي بدأت به عملية التسوية السياسية تحت الإشراف الأمريكي وهو مبدأ الأرض مقابل السلام، وينهي عملية جر الفلسطينيين والعرب إلى دهاليز التفاصيل التي تغيب فيها الحقائق ويتأجل فيها الحسم في القضايا الكبرى. إن العواصم العربية الثلاث مطالبة اليوم قبل الغد بإعادة جوهر القضية إلى مائدة المباحثات مع واشنطن، ومطالبتها بالوفاء بتعهداتها وبالتطبيق الكامل للمبدأ الذي أطلقته في مؤتمر مدريد أي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية، مقابل ضمان أمن إسرائيل داخل حدود الرابع من يونيو. إن العواصم العربية الثلاث قادرة ـ بمثل هذا الموقف ـ على استرجاع زمام المبادرة من شارون وعصابته، وعلى وضع الجميع أمام مسئولياتهم، وأولهم أمريكا التي ينبغي أن تفهم جيدا أن تهربها من مسئولياتها يعني إعطاء حكومة السفاحين الإسرائيلية إشارة الموافقة على جريمتهم المستمرة التي تهدد بإشعال المنطقة كلها. كما ينبغي أن تفهم أن المقاومة ستبقى ما بقي الاحتلال، وأن إشعال الموقف والتهديد بالحرب أو الإقدام عليها لن يحل المشكلة بل سيخلق أوضاعا تهدد مصالح دول العالم وتنسف المصالح الأمريكية في المنطقة. ـــ أسئلة حائرة.. في أزمة النبأ إغلاق صحيفة الفضائح (النبأ) ومحاكمة صاحبها أمام القضاء المصري قد يغلق ملف المشكلة التي شغلت الرأي العام في الأسابيع الماضية، ولكن تبقى الأسئلة التي مازالت تبحث عن إجابات. ـ لماذا حصل السيد (مهران) صاحب الصحيفة على ترخيص صحيفة بسهولة، بينما العوائق كلها توضع أمام من يريد إصدار صحيفة جادة؟ ولماذا يكافأ الرجل على نجاحه في ميدان صحافة الفضائح بمنحه ترخيصا بصحيفة يومية بعد الأسبوعية؟ ـ من أين جاءت كل هذه الأموال التي أنشأ بها مطبعة حديثة وأسطولا من 70 سيارة للتوزيع ؟ هل هي بأموال البنوك . وكيف . ولماذا؟ ـ هل ستكون المصادرة والاغلاق فقط هي الحل .. أم أن المزيد من الحريات الصحفية، وخاصة في مجال الإصدارات الجادة، هي السبيل لاستعادة الحيوية والحوار الجاد المسئول عن قضايا الوطن ؟ ـ بغض النظر عن تسلل صحافة الفضائح إلى الكثير من الصحف والمجلات بما فيها القومية، فإن نظرة جديدة للصحافة القومية أصبحت مطلوبة بعد أن خنقها الجمود لسنوات طويلة .. فهل يتم ذلك، ومتى؟ ـ إن إصرار الرئيس مبارك على عدم اللجوء لإجراءات استثنائية اثناء أزمة (النبأ) كان أمرا طيبا ومشكورا فهل يفهم الجميع الرسالة وينتهي الحديث عن تعديلات قانونية تشدد العقوبات وتحاصر الحريات أو تسلب اختصاصات نقابة الصحفيين ؟ ـ نائب رئيس تحرير جريدة «اخبار اليوم» المصرية