حينما رفعت سماعة الهاتف، جاءني صوت يقول: «أردت ان أقول لك مرحباً، وأن أحيي بصدق ما تكتبين» ثم امتد الحديث فيما بعد لساعة من الزمن تقريباً، كان الوطن هو مظلة الحديث، وكان شبابه وأبناؤه، ومؤسساته ورجاله المخلصون هم حدوده، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، وحيثما مر على ترابه بشر وتوالت أجيال، وشمخ رجال بأسمائهم وأفعالهم ونساء بجهادهن وصبرهن وتألقهن. هو أحد المسئولين في احدى المؤسسات الهامة في المجتمع، لديه معرفة واسعة وإلمام جيد، وحديثه مليء بالاضاءات والمقترحات.. وكان أغلب الحديث ينصب على دور الجمعيات ذات النفع العام في الإمارات، لم يكن حديثاً في المطلق والعموميات، بل حديث في الخاص والدقيق من المعرفة بالواقع والأشخاص، وأظن اننا بحاجة إلى حوار العلم والعقل أكثر من حاجتنا للحوارات العشوائية الضاربة برأسها على كل الجدران والأزقة دون تحديد أو تفصيل أو تمييز في الأدوار والأسباب والنوايا. تحدث الرجل عن تجربة مر بها مع رجل أجنبي في دولة أجنبية تعرف عليه فأراد الأجنبي ان يفاجئ صاحبنا بهدية.. فقدم له فيلماً مصوراً لرحلة غوص تقطع الطريق من دبي إلى (بومباي) يقودها نوخذا (هندوسي)! وتمارس على ظهرها طقوس الطعام وتظهر الأزياء الهندية على انها من تراث الإمارات!! وطبعاً لم يكن الانجليزي يدور بخلده ان هذا (النوخذا) لا علاقة له بهذا التراث وبأننا لا نأكل الجاباتي على ظهر سفينة الغوص قديماً!! حكى لي هذا الأخ هذه الحكاية ليسألني: ألسنا نحن الأولى بإنتاج فيلم كهذا، نعرف تفاصيله فنحفظها بصدق وتحفظنا بحميمية؟ الجمعيات ذات النفع العام، ما دورها؟ ما علاقتها بالشرائح الإنسانية ذات الصلة بنشاطها؟ بالطلاب، بالمحاسبين، بالأطباء، بالمحامين، بطلبة الإعلام، برجال المجتمع المخلصين، بتراثنا، بتاريخنا، بـ..، بـ... هناك من يستغل الوطن والعمل التطوعي، ويخترق القانون، مستفيداً من جو الغفلة، وتكالسنا، فلماذا لا نتحاور ونتلاقى، ونكف عن اتهام بعضنا بعضاً، ومحاربة بعضنا بعضاً، والإعراض عن بعضنا بعضاً؟ لدينا أجيال من الرجال والنساء يختزنون تاريخ البلد، بكل مناطقه واماكنه، ويشكلون مدارس تثقيفية وتوجيهية وتحصينية لشباب اليوم، فلماذا لا تستضيفهم الجمعيات وتعقد لهم ندوات ولقاءات مع هؤلاء الشباب ليستمعوا لهم ومنهم ويتعلقوا بهم فلا ينقطعون عن جذورهم ولا يدخلون في تيه (المنبت) الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى!! ولدينا رجال ونساء صنعوا أمس الوطن، ويومه، وتاريخه وعلاماته الفارقة، حرفه ومهنه، هم تجار وصناع سفن ونواخذة، وشعراء، ومؤرخون، ورحالة، وصيادون، وأصحاب مهن مختلفة.. لماذا لا يستضيفهم التلفزيون، ويؤرخ حياتهم، وتستضيفهم الجمعيات يحكون تجاربهم، وتكرمهم جهات حكومية أو أهلية كما تكرم كثيرين لم يقدموا لهذا الوطن شيئًا سوى أنهم برعوا في هذا المجال أو ذاك في بلادهم؟. أليس هؤلاء أولى بالتكريم، هم أو أبناؤهم أو أحفادهم، إن كانوا قد غادروا الحياة؟ لنؤسس تاريخنا ولنكتب جهاد انساننا بشكل وفيّ وصحيح.. لأننا بذلك نقول لهذا الوطن: صباح الخير.. نحن نحبك كل لحظة.