اظن ان من الصحيح القول ان استقلال الفرد وحريته الفكرية وشعوره بالكرامة وقدرته على الابتكار ينبغي ان تكون من القيم الرفيعة للمجتمع البشري. وتعتبرها مجتمعات بشرية كثيرة على هذا النحو. وللتنشئة اساليب او طرائق. يمكن لطريقة من طرق التنشئة أن تنشأ على الشعور بالكرامة الانسانية وعلى ممارسة الحرية والابتكار والانطلاق الفكري واستقلال الفكر وعلى تأكيد الذات والاعراب عن الشخصية وتوكيد الحضور الذاتي وعلى ممارسة النقد. هذه هي طريقة التنشئة الديمقراطية التقدمية السليمة. من شأن طريقة التنشئة هذه ان تنشئ فردا ناقدا مناقشا مجادلا محاورا، مقلبا للامور، دارسا لها. طريقة التنشئة هذه تولي الأهمية لحقوق المرأة باعتبارها مخلوقا وفردا له حقوق في المجتمع والدولة. وهي تؤهل المرأ لأن يكون اكثر توازنا وموضوعية ورشدا في نظرته. وتتجلى هذه الصفات في أنه في فكره يوجد هامشا لاحتمال خطئه ولاحتمال صواب آراء الآخرين. وهو اكثر استعدادا للاصغاء الى قول الآخرين. وتتجلى هذه الصفات ايضا في انه لا يعتبر من يخالفه الرأي خصما له وفي انه لا يعاقب من يخالفه الرأي، وفي انه لا يعتقد بأنه يحتكر المعرفة وفي انه يعتقد بأن المرجعية الاجتماعية المشتركة اعمق وابعد من مجرد التماثل في الرأي، اي أنه يمكن ان تكون هذه المرجعية قائمة رغم اختلاف الرأي. وطريقة التنشئة هذه تؤهل المرء لان يكون اشد حساسية حيال افكار الاخرين وشعورهم، ولان يكون اكثر انضباطا في اصدار احكامه وفي تقييماته. وتؤهل المرء ايضا لأن يكون له قدر أكبر من فصل ذاته عن الموضوع. وبطريقة التنشئة هذه يزداد اقرار الناس بأهمية الجهد الشخصي في اكتساب المكانة الاجتماعية وفي جمع الثروة المادية وفي اداء الوظائف الحكومية وغير الحكومية في شتى المجالات، ويقل اهتمام الناس بالعادات والتقاليد بوصفها مصادر لتلك المكانة وعوامل في جمع الثروة واداء الوظائف. وبازدياد قيمة المجهود الشخصي في تحقيق المكاسب تضعف النظرة التقليدية التي تعتبر ان المرأة والصغير اقل حكمة واقل حقا واقل جدارة بتولي المسئولية. وبإشاعة هذه الطريقة يزداد الوعي العام بأهمية الحوار بوصفه وسيلة لتحقيق التماسك الاجتماعي ولتحقيق التواصل الفئوي والطبقي وبوصفه وسيلة لمحاولة التوصل الى الاحكام السديدة الرشيدة، ويحل الحوار محل اسلوب الفرض والاملاء والاستبداد بالرأي. وبإشاعة هذه الطريقة في التنشئة يتعزز وينتشر الرأي في ان التوصل الى معرفة الحقيقة هو نتيجة عملية فكرية يستطيع ان يشارك ويسهم فيها الناس من كل الطوائف والاجناس والفئات والطبقات، وفي ان الملكات اللازم توفرها لاكتشاف الحقيقة ملكات تكتسب وفي انه، بالتالي، يمكن أي امرئ ان يدلي بدلوه في عملية محاولة التوصل الى الحقيقة ولان يشارك في اتخاذ القرار مشاركة بناءة ولان يكون عضوا فاعلا في شئون المجتمع الذي يعيش فيه. وفي طريقة التنشئة الديمقراطية لا يقتصر الارسال في الاتصال بين طرفين على طرف واحد. وبهذه الطريقة يؤدي التحاور والتناقش دورا اهم واكبر ويكون اي طرف اكثر انفتاحا او اقل انغلاقا على الاستمتاع الى النقد وتؤدي المنجزات المكتسبة دورا اكثر اهمية في النهوض الاجتماعي. وفي الابتكار والابداع واكتشاف المجهول نفع للشعب. ويصعب تحقيق هذه دون الملكة النقدية التي تشكل حافزا لها. ـ استاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة