«لامفر من الاعتراف بحقيقة ان حياة المستوطنين أصبحت قاسية للغاية، وأغلبهم لايعرفون اذا غادروا منازلهم مااذا كانوا سيعودون اليها سالمين أم لا ؟». هكذا كتبت صحيفة هاآرتس الاسرائيلية يوم الخامس عشر من مايو الماضى، ملخصة واقعا بات يطارد كل الاسرائيليين الذين كانوا قد ألقوا باصواتهم الى جانب الارهابى ارييل شارون بعد ان وضع على رأس برنامجه الانتخابى، توفير الأمن وايقاف ماأطلق عليه العنف الفلسطينى. وماكتبته هاآرتس يقترب كثيرا مع العديد من المقالات التى نشرتها الصحافة الاسرائيلية وتحدثت عن حالة هلع تجتاح اليهود ودفعت اعدادا كبيرة الى مغادرة الكيان الصهيونى والاتجاه الى بلدانهم الاصلية التى كانوا قد قدموا منها. هكذا انقلب السحر على شارون الذى وصل عدد القتلى من الاسرائيليين فى زمن توليه الحكم على قصر تلك الفترة الى اكثر مما فقدته اسرائيل فى بعض المغامرات العسكرية الخارجية التى تقوم بها بين الحين والاخر خصوصا فى لبنان، الأمر الذى دفع المجتمع الاسرائيلي الى التساؤل عما جلبه شارون، هذا الدموى الذى جلب باصراره على تدنيس الحرم القدسى الشريف، نقمة العرب والمسلمين والشعب الفلسطينى المناضل، وهى تلك النقمة التى جنى حصادها الارهابى الاسبق ايهود باراك بعد ارغامه على اجراء انتخابات مبكرة فى وقت تقلصت شعبيته تماما ولاقى مرارة الهزيمة الساحقة، وهى التى تكاد تطيح بالارهابى الاكبر ارييل شارون فى الوقت الحالى. واذا كان الكتاب اليهود انفسهم يصفون الحال الذى وصل اليه الوضع فى المناطق التى تحتلها اسرائيل وكذلك فى الداخل الاسرائيلى من سيادة الاحساس بالفزع، فى الوقت الذى يطارد فيه الخوف كل اسرائيلى وبشكل غير مسبوق منذ ولادة الكيان العنصرى الصهيونى على الارض الفلسطينية الى درجة ان عوزى بيترمان كتب مقالا فى هاآرتس يقول فيه «ان اسرائيل تعيش منذ حوالى تسعة أشهر فى وضع حرج وصعب، وصفه شيمون بيريز بانه يمثل خطرا حقيقيا على الوجود الاسرائيلي، وبشكل لم يسبق ان وصل الى هذه الدرجة منذ حرب عام 1948. ولكن الانتفاضة الباسلة لم يتوقف تأثيرها على الناحية الامنية فقط، فقد سددت ضربات موجعة للاقتصاد الصهيونى، فمعدل الخسارة بسبب كساد الموسم السياحى وتقلص معدل النمو الذى كان متوقعا، بلغت اكثر من اربعة مليارات دولار، كما تراجع تدفق رؤوس الاموال من الخارج، وارتفع معدل البطالة وتوقف معدل البناء بعد ان اصيب هذا القطاع ايضا بالشلل التام. فهل بعد ماانجزته تلك الانتفاضة الباسلة يمكن ان يتم التفريط بها فى اية مساومات وهى التى استطاعت ان تحقق باعتبارها الورقة التفاوضية الوحيدة بيد الفلسطينيين ماعجزت عنه سنوات من المحاولات اليائسة لارساء سلام وتعايش مع كيان عنصرى سرعان ما ينقض الاتفاقات التى يوقعها. الأمل الباقي من هنا فان هناك ضرورة ملحة للابقاء على جذوة الانتفاضة مشتعلة، واستخدام كافة الامكانيات المتاحة ومنها العمليات الاستشهادية التى كانت وراء الهزة الكبيرة التى اصابت المجتمع الاسرائيلى ودفعت الكثير من العائلات الصهيونية الى الهروب بعيدا، فى الوقت الذي أوقف الكثيرون من المهاجرين الجدد خاصة الذين كانوا يتأهبون لمغادرة الاتحاد الروسى الى تل أبيب الى التراجع وتفضيل البقاء فى بلادهم، فهل هناك أكبر من هذا يمكن ان يحدث، وهل تعتبر الموافقة على اخمادها تلبية لمطالب امريكية اسرائيلية ملحة عملا حصيفا، أم اضاعة لورقة مهمة أخرى بعد اضاعة العرب خلال سنواتهم الاخيرة العديد من الأوراق التفاوضية ؟. ان مجرد طرح الاسرائيليين لأسئلة عن جدوى بناء المستوطنات، بعد ان تسببت فى كل تلك العمليات الجهادية للمقاومة الفلسطينية وماأنزلته من خسائر فادحة فى الجانب الاسرائيلى، بل وطرح الاسئلة من جانب قطاع كبير من المهاجرين القادمين حديثا الى تل أبيب، عن جدوى الاستقرار فى منطقة كاد الامن ان ينعدم فيها، مجرد طرح مثل تلك التساؤلات فى هذا الوقت، هو مكسب بحد ذاته خاصة فى عهد شارون الذى اعتبرالتوسع فى بناء المستوطنات أحد أهم أهدافه، وبعد مرور سنوات من الدعاية اليهودية حول أرض الميعاد التى تعد يهود العالم بالمن والسلوى، وتؤكد على ان النزوح من كافة دول العالم الى اسرائيل، يعد واجبا دينيا على جميع اليهود تلبيته. وعلى الرغم من هذا الحشد الضاغط على السلطة الوطنية الفلسطينية، لوقف الانتفاضة تحت مسميات عدة، وتحت لافتات امريكية تبدأ بتقرير لجنة ميتشيل الذى قبلته السلطة الوطنية رغم مايشوبه من عدم الحيادية، وليس انتهاء بخطة أو ضغوط رئيس جهاز الاستخبارات الامريكية جورج تينيت الذى جاء الى المنطقة، واضعا نصب عينيه ضرورة وقف الانتفاضة الفلسطينية باى ثمن وباسرع وقت ممكن، قبل ان تحقق تلك الانتفاضة العظيمة نصرها المؤزر الذى كانت نتائجه قد لاحت فى الافق، باحداث هزة ضخمة فى بنية حكومة الارهابى ارييل شارون كان يمكن لها فى النهاية ان تنتهى بالقاء الدموى الارهابى الى خارج السلطة، كما سبق لها ان القت بالدموى الآخر باراك بعيدا بعد ان أحرقت أوراقه، وأحرقته سياسيا. افزاع الصهيوني وتظل حالة الخوف والهلع التى صدرته الانتفاضة وعملياتها الاستشهادية الى داخل اسرائيل، من اهم الانجازات التى حدثت على الساحة الفلسطينية فى السنوات الاخيرة، فالخوف لم يعد فلسطينيا فقط، بل وصل الى كل بيت اسرائيلي، حيث الكل خائف من الخروج من باب منزله، والاسواق شبه خالية خوفا من السيارات المفخخة والاستشهاديين الابطال، وحيث الحياة داخل المستوطنات قد تحولت الى جحيم مقيم نهارا وليلا. عن هذه الحالة يكتب دانى بن سيمون فى صحيفة هاآرتس» ان الامر تجاوز شعور المستوطنين بالخوف، ولكنهم بدأوا يتسربون بعد ما ملوا طريقة العيش فيها، بعضهم غادرها بشكل دائم، والآخرون غادروها بشكل مؤقت الى ان تمر عاصفة الغضب، وهذه الظاهرة ظهرت بشكل واضح جدا فى مستوطنات شمالي قطاع غزة، فنصف منازل مستعمرة «دوجيت» أفرغت من سكانها، والحي الجديد فى مستوطنة «يانيت» ظل يتيما وفارغا، وفى جنوبى «غوش قطيف» شيدت الدولة مائة فيلا مزودة باسطح قرميدية حمراء، لم تسكنها سوى 15 عائلة فقط، بعضها يفكر فى الرحيل، وفى «كفار دروم» التى كان يعيش فيها أكثر من 30 عائلة، لم يبق سوى عشر عائلات فقط». ويستطرد الكاتب قائلا: ان الوضع فى مستوطنات غور الاردن ليس افضل حالا، فقد اغلقت روضة اطفال فى مستوطنة «نعمه» لعدم توفر الاطفال، وفى «بافيت» شيدت فيلات جديدة وكان اصحابها يخططون لسكنها، لكن اندلاع الانتفاضة اجهض حلمهم، وبقيت البيوت خاوية على عروشها، حتى انهم لم يعودوا يجدون مستأجرين لها بأبخس الأثمان». ويضيف الكاتب «انه فى ظل الجمود الذى فرضه الوضع الأمنى على المستوطنات فمن الصعب عدم الشعور بالغضب من الأحاديث الفارغة حول الخطر الكامن فى تجميد المستوطنات، فهذه المستوطنات ليست مجمدة فحسب، فهى دائما آخذة فى فقدان عدد كبير من سكانها». والان فى ظل تصاعد التهديدات بشن حرب جديدة ضد العرب، وتزايد تصريحات شارون ومساعديه من جنرالات الدم ضد الفلسطينيين فى الوقت الذى تتحدث بعض المقالات التى تنشرها الصحافة الصهيونية، عما أسمته بخطأ أوسلو الذى سمحت اتفاقيته باقامة كيان للسلطة الوطنية الفلسطينية الأمر الذى نقل الصراع من تونس حيث المقر السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية الى داخل الاراضى المحتلة، ثم امتد الى الاراضى التى تم احتلالها فى العام 1948، وعندما قام عرب الثمانية والاربعين بالتضامن الى جانب ابناء شعبهم الفلسطينى، والوقوف بصرامة فى وجه رئيس الحكومة الاسرائيلية السابق ايهود باراك. فى ظل هذا التصعيد الذى يترافق مع نزعة عدوانية تصاعدت بشكل لافت، معتمدة على التفوق الاستراتيجي الذي تتمتع به اسرائيل فى الوقت الحالى، وهو مايؤهلها وفقا لبعض المحللين الى خوض حرب ضد العرب، واعادة التفاوض معهم الى نقطة الصفر، الى جانب طرد السلطة الوطنية الفلسطينية من جديد الى تونس، فان المأزق الذي لاتستطيع اسرائيل الخروج منه او ايجاد حل له، هو الانتفاضة، التى فشلت كل الوسائل التى استخدمها الكيان الصهيونى حتى الان لوقفها، مهما بلغ حجم وضراوة تلك القوة. ان الانتفاضة هى الأمل الوحيد الباقى الذى يجعل الشمعة مضيئة فى يد العرب وهم يسعون الى تحقيق السلام العادل فى المنطقة، بعد استرداد حقوقهم وأراضيهم المحتلة من ذلك الكيان الاسرائيلى العدواني الغاصب. ـ كاتب مصرى