لم تعد المرأة جارية تنتظر في مقصورة الحريم.. ولا فندقا نحمل إليه حقائبنا في الوقت الذي نشاء ونغادره في الوقت الذي نشاء.. ولا عملة ذهبية ملفوفة بالقطن نحتفظ بها تذكارا تاريخيا.. ولا وليمة من اللحم والأرز تغوص فيها أوهامنا وعقدنا الشخصية.. وعلى الذين لا يصدقون ذلك أو يعترفون به أن يقطعوا تذكرة في اتجاه مدينة (الملح والنحاس).. أو العاصمة الدائمة لدولة (ألف ليلة وليلة).وعندما يكون الكلام عن المرأة فإن علينا أن نرمي أوراقنا على المائدة بشجاعة وأن نلعب بكل أرصدتنا بلا تردد.. وأن نلعب في الهواء الطلق.. وأن ننهي مرحلة السرية والأحكام العرفية. ونعيد الشرعية للمشاعر والأدوار النسائية. في القاهرة قابلت امرأة عربية لامعة فكت الرهن التاريخي على عقلها وأطلقت لأفكارها ومستقبلها المهني العنان في سماء تحترف صيد الحمام الأبيض.. امرأة وضعت قرنفلة طازجة على صدرها ودخلت بها على حصان أبيض إلى القبائل التقليدية التي ترفض مصافحة المرأة بدعوى نقض الوضوء.. هذه المرأة هي أول قاضية عربية ترقى إلى مستوى محكمة النقض في تونس.. كانت في القاهرة تحاضر في جمعية (النداء الجديد) عن حقوق المرأة في ظل الدستور والنظام القانوني(في بلادها هي جويدة جيجة) وهو ما فجر من جديد قضية سخنت ثم تجمدت وطارت ثم وقعت.. هي قضية جلوس المرأة على منصة القضاء في بلدنا. لقد انتهت مصر إلى هذه القضية قبل أي دولة أخرى حولها.. ففي عام 1951 تقدمت (عائشة راتب) السفيرة والوزيرة فيما بعد بطلب لتعيينها قاضية في (مجلس الدولة).. كانت قد تخرجت في كلية (الحقوق) بتفوق وفي الوقت نفسه كانت تشعر أن عصر مابعد الحرب العالمية الثانية هو عصر يقوم على كلمة سحرية واحدة هي (المساواة).. وهي الكلمة التي فتحت كافة الأبواب أمام المرأة فهبطت مناجم الفحم.. وصعدت إلى السحاب والسماء بالطائرات.. وصنعت الذخيرة.. ودربت وحوش السيرك المفترسة.. وتعلمت فنون القبض على عتاة المجرمين.. فلماذا لا تكون قاضية وفي (مصر) التي تعد جسور التفاهم والحضارة والثقافة عبر البحر(الأبيض المتوسط) بين (الشمال) و(الجنوب).. أو هي محطة (استقبال) كل وافد جديد يجعل الدنيا أفضل وأرقى؟ كان سلك القضاء قد قبل من هم أقل من(عائشة راتب) تفوقا في الدراسة القانونية.. فاحتجت على ذلك.. وطالبت بحقها القانوني والدستوري.. وطعنت على قرار إبعادها أمام (مجلس الدولة) نفسه.. وأصدر الدكتور (عبدالرازق السنهوري) رئيس (مجلس الدولة) في ذلك الوقت حكما يؤكد انه لا مانع دستوري أو شرعي أو قانوني يحول دون تعيين المرأة في سلك القضاة.. وإنما هي اعتبارات الملاءمة التي تقدرها الدولة فهي التي تحدد الوقت المناسب الذي تصبح فيه المرأة قاضية. ومنذ ذلك الوقت والمرأة المصرية لم تكف عن المطالبة بهذا المنصب.. وتكررت الدعوى أمام مجلس الدولة.. ومحكمة النقض.. وتكررت الأحكام نفسها.. ولم يكن مثيرا للدهشة أن يحدث ذلك.. فالذي ينظر هذه القضية في النهاية هم رجال.. يضاف إلى ذلك أن اعتبارات (الموائمة) لم تتغير طوال الخمسين سنة الماضية.. بل يمكن القول أنها ازدادت صرامة.. فنحن قد وصلنا إلى عصر يطالب بإعادة المرأة إلى البيت وحرمانها من العمل وإخضاعها من جديد إلى عصر(شهريار (الذي قتل ألف امرأة وهو ماجعله أكبر بلطجي عرفه التاريخ وعصر(شهرزاد) التي أثبتت أن عقل الرجل ليس في مكانه الطبيعي أحيانا. وبينما كانت المرأة المصرية تلف حول نفسها وحول المحاكم تبحث عن حل لم تتردد تسع دول عربية في تعيين النساء على منصة القضاء دون جدل أو نقاش أو دعاوى قضائية هي: سوريا ولبنان والعراق والمغرب والسودان والأردن وليبيا واليمن وتونس.. بل أن المرأة في سوريا وصلت إلى منصب النائب العام.. والمرأة في تونس وصلت إلى رئاسة محكمة النقض.. وهذه هي بالتحديد(جويدة جيجة). لم تكن (جويدة) هي أول قاضية تونسية.. سبقتها قاضية أخرى هي(آمنة شايتوس) التي لم تستمر طويلا في القضاء وانتقلت بكامل إرادتها إلى السلك الدبلوماسي قبل أن تمسك بملف أول قضية وتحكم فيها.. وهي الآن في سفارة تونس في (لاهاي).. لكن (جويدة) كانت أول قاضية تونسية تجلس على المنصة وتحكم في قضية.. وقد كان هناك من الرجال من يرفض ذلك.. ونجح المعارضون في حشد الصحافة ضد تعيينها في القضاء. وقالوا ماقالوا .. فكان أن رفعت الأمر إلى رئيس الجمهورية وكان الرئيس (بورقيبة) الذي قال: تعامل كما يعامل الرجال.. لها ما لهم وعليها ما عليهم.. وقد كان. لقد تخرجت في كلية(الحقوق والعلوم السياسية) التونسية في عام 1971.. ثم التحقت بـ (المعهد الأعلى للقضاء) في باريس وحصلت منه على شهادته العليا.. ثم اضافت إليها شهادة أخرى هي شهادة (المدرسة القومية للادارة).. ولم تمنعها الدراسة من الحكم في القضايا.. بدأت عضوا في هيئة محكمة.. ثم أصبحت قاضية أحداث.. ثم تولت المحكمة الابتدائية.. ثم كانت رئيسة الدائرة الاقتصادية والتجارية في محكمة الاستئناف.. ثم وجدت طريقها إلى رئاسة ما يسمى بمحكمة المنافسة.. وهي محكمة جديدة لا نعرف مثلها في مصر تشكلت في تونس في عام 1990 مهمتها الحفاظ على قوانين السوق من مخالفات رجال الأعمال الذين تجرمهم وتعاقبهم لو خالفوا قواعد الائتمان والقروض والاحتكار واستخدام السلطة السياسية في تحقيق مكاسب مالية.. وبعد أن أسست قواعد هذه المحكمة التي بدأت مع الانفتاح الاقتصادي تولت رئاسة مركز الدراسات القضائية.. وأخيرا استقرت في محكمة النقض.. محكمة المحاكم.. وأعلى سلطة قضائية في البلاد. ويبدو أن تجربة (جويدة) كانت مثالية فقد تقبل المجتمع المرأة في القضاء حتى أن ربع عدد القضاة في تونس من النساء .. وقد سألتها عن مدى تقبل الرجل لحكم تصدره امرأة عليه ولو كانت تملك سيف القانون؟.. فقالت: لن تصدق أن معظم الرجال الآن يفضلون النساء على منصات المحاكم.. المرأة أكثر صرامة وهي تفتش عن العدل وتسعى إلى العدالة.. وسألتها: واتهامها بأنها عاطفية يمكن أن تؤثر مشاعرها الرقيقة التي يجرحها النسيم على موضوعيتها وحيادها؟.. قالت: هذا كلام مرسل لا دليل عليه.. فالعواطف ليست حكرا على النساء.. والا كان الرجال مجرد قوالب طوب أو أكوام حجارة.. والجدية والصرامة ليست حكرا على الرجال والا كانت النساء مجرد أثواب من الحرير أو علب شيكولاته.. إن المرأة التي تربى وتدير وتدبر هي في الواقع أكثر رقة بكثير من البسكويت.. ثم أن القاضي يحكم بما يتوافر أمامه من أوراق وأقوال. ولا يحكم بما يشعر به.. وبما يتصوره. وفي اليوم الأول لعملها وجدت نفسها في حالة اختبار ولا تردد فيها.. كانت تنظر قضية أخلاقية فيها عبارات تخدش الحياء ويصعب على سيدة أن تسمعها.. ومن جانبهم شعر المحامون بالحرج أن يقرءوا أوراق القضية بأنفسهم.. فطلبوا منها أن تقرأها بنفسها.. في سرها.. في تلك اللحظة شعرت أن مستقبلها كقاضية يتوقف على سرعة تصرفها وتماسك أعصابها.. قالت في هدوء: (سأقرأ أنا عليكم الملف).. وراحت تقرأ كل كلمة وكل حرف بما في ذلك مايوصف بالقبح دون أن تتوقف عنده ودون أن تشعر بالحرج منه.. وبعد أن انتهت نسى المحامون والمتهمون أنها امرأة.. وتذكروا فقط إنها قاضية في محكمة.. وبعد هذا المشهد بأكثر من 30 سنة قالت لي كان قلبي يكاد يسقط في قدمي.. خشيت أن يحمر وجهي عند النطق بالكلمات البذيئة.. لكنني تذكرت أنني سألت أحد أقاربي وهو دكتور أمراض نساء هل يشعر بأي مشاعر رجولة أحيانا تجاه النساء المرضى في عيادته.. فنفى على الفور.. وقال أن العقل البشري وصل من الرقى والتعليم والثقافة والوعي إلى حد التفرقة بين مواقف تبدو له متشابهة.. وهذه التفرقة هي سر نجاح أي انسان في عمله رجل أو امرأة. ولا جدال أن وضع امرأة في هذا المستوى القضائي الرفيع هو دليل على أن قاعدة النساء في المجتمع التونسي صلبة ومتينة.. وهو ماتشعر به وأنت في هذه البلاد التي تعيش على السياحة والضيافة وابتسامة الناس فيها.. وقد بدأت الحركة الاصلاحية هناك في منتصف القرن العشرين على يد رجل سخر حياته وملكاته العقلية وثروته البشرية للدفاع عن حقوق المستضعفين في المجتمع هو المفكر الشجاع (الطاهر حداد) الذي بدأ بالدفاع عن حقوق العمال وسجل ذلك في كتابه (العمال التونسيون) ثم وصل إلى المرأة التي كتب عنها كتابه (امرأتنا في الشريعة والمجتمع) وقد صدر هذا الكتاب في عام 1930 واثار جدلا واسعا وساخنا حول تدهور أوضاع المرأة التونسية وكيفية خروجها من نفق التخلف.. وهو ماجعل (الطاهر حداد) يوصف بأنه (قاسم أمين) التونسي. وتقول (جويدة) في المحاضرة التي ألقتها بالقاهرة: (لقد تجرأ هذا الرجل على المناداة بتحرير المرأة من قيود التبعية والوصاية وبفتح الطريق أمامها لتخرج إلى الحياة العامة وتنخرط في معترك الحياة اليومية).. وعندما حصلت (تونس) على استقلالها في عام 1956 منحت المرأة باقة ناضجة من الزهور والحقوق .. إن قانون الأحوال الشخصية في تونس هو أفضل القوانين العربية التي تنظم العلاقة بين الرجل والمرأة.. فقد ألغى القانون التونسى حق الجبر الذي كان يمارسه الولي الشرعي على ابنته في الزواج.. ورفع سن الزواج إلى 17 سنة على الأقل.. ومنع تعدد الزوجات وعاقب على ذلك بالسجن وابطال الزواج الثاني.. منح الجنسية التونسية لكل ابناء المرأة التونسية ولو تزوجت من أجنبي.. والغاء مفهوم رئاسة العائلة التي يتولاها الرجل وتتبعه فيها المرأة.. وجعل الزواج تعاونا ومساواة.. لا حاكما ومحكوما.. أما الطلاق فلا مفر من أن يكون أمام المحكمة وليس غيابيا ولا فوريا وشفهيا.. ومنح المساواة بين الطرفين في طلب الطلاق وفي أسبابه.. وعند الطلاق يكون من حق الزوجة نصف ثروة الزوج التي جمعها أثناء فترة الزواج فهي شريكته في هذه الثورة ولو بتهيئة المناخ المناسب لتكوينها. ولم يعطل النجاح القاضية (جويدة) عن حياتها الخاصة.. إنها سيدة أنيقة.. سريعة البديهة.. تبتسم بين الفكرة والفكرة.. وبين الكلمة والكلمة.. فتشعر بالراحة وأنت تتحدث إليها.. وهي تعشق القاهرة.. ولها فيها صداقات على نفس مستواها العقلي والقانوني.. وهي متزوجة من مهندس ناجح في عمله وأم لأربعة أولاد. وأعترف إنني عندما رأيتها وعرفت سيرتها الذاتية شعرت بأننا عندما نناقش قضية المرأة القاضية في مصر فإننا نضيع وقتنا في قضية وهمية حسمها غيرنا بسهولة ودون كل هذا الصداع الذي حدث.. ويحلو للبعض أن يعيده كلما هدأت الحياة العامة وخلت من القضايا الجذابة المثيرة.. إنها قضية كسبتها المرأة بالشريعة والدستور ولكنها مثل مئات الأحكام في حياتنا اليومية بقيت غير قابلة للتنفيذ. إن هناك ضرورة موضوعية لأن تدخل المرأة المصرية سلك القضاء فورا.. فعالم القانون يمتلئ بمئات المحاميات وأساتذة القانون اللاتي تفوقن على الرجال ونجحن بدرجة أعلى منهم.. وفي هدوء شديد ودون صخب أو جدل أصبحت امرأة رئيسا للنيابة الإدارية.. وتقبلها المجتمع.. ولم يعترض على عملها أحد.. وهو مايعنى أن كل دعاوى الذين يرفضون أن تكون المرأة قاضية هي دعاوى وهمية تتبخر عند ظهور أول ضوء للشمس. ثم أن هناك حاجة لدخول المرأة هذا المجال في كثير من القضايا التي تهم الأسرة والأحداث والأحوال الشخصية.. خاصة وأن عدد القضاة في مصر لا يزيد عن 7000 قاض بما في ذلك أعضاء النيابة العامة بينما يصل عدد القضايا سنويا إلى 16 مليون قضية بخلاف الجنح والشكاوي والمخالفات.. ويسمح قانون السلطة القضائية بتعيين حتى 25% من القضاة من المحامين.. وهذا يسمح ببدء التجربة باختيار الكفاءات التي تثبت نجاحها لتنقل من المحاماة إلى القضاء. ولو كانت الحجة أن المرأة لا تستطيع أن تجري وراء الجرائم من مكان إلى مكان.. ومن الفجر إلى ما بعد منتصف الليل فإن علينا أن نبدأ بالمرأة القاضية في مجلس الدولة.. حيث لا حوادث في سواد الليل.. ولا دماء تخطف قلب المرأة كما يقول الرافضون لأن تكون قاضية.. ثم قبل ذلك كله.. لماذا نتوقع أن تفشل هذه التجربة في مصر وقد نجحت وقويت في ثماني دول عربية؟.. هل نحن أقل من هذه الدول؟.. هل ثقتنا في نسائنا وفي أنفسنا أقل؟ ـ صحفي وكاتب مصري