يأتي الصيف دائماً في التوقيت ذاته، حاملاً معه أسئلته وعاداته وممارساته، يأتي صيفنا نحن تحديداً وكأنه يبارز البشر على قدرتهم على الاحتمال، يأتي الصيف ـ وفي كل صيف منذ ان يبدأ حتى ينتهي ـ أترحم على أهلنا الذين احتملوا عذابات هذا الطقس، واختناقاته التي لا تطاق، وسط ظروف لا يمكن تخيل مدى صعوبتها. أتأمل أحياناً كثيرة في مكيفات المنزل، أعدها واحداً إثر الآخر، السيارات التي تقف في كراجات المنازل، الثلاجات التي تتوزع في الأنحاء، حتى في غرف النوم صار هناك ثلاجات صغيرة للاحتياجات الصغيرة، المكاتب مكيفة، الممرات باردة، وتنقلنا في المماشي المشمسة يكاد يكون معدوماً، فالسيارة تقف عند بوابة العمل، وعند مدخل بهو المنزل، ومع كل ذلك فنحن غاضبون متبرمون، ألفاظنا تزداد سوءًا كلما ازدادت درجات الحرارة، فإذا تجاوزت الأربعين بخمس أو سبع درجات، صرنا أناساً لا نحتمل أنفسنا، وصارت أعصابنا أسلاكاً مكشوفة قابلة للانفجار في أية لحظة!! يأتي الصيف فيكشف قدرتنا الضعيفة على الاحتمال، تلك القدرة التي لا تتجاوز المشي لمدة خمس دقائق تحت سماء تنصهر وتصهر ما تحتها، ومع ذلك نكذب كثيراً حينما ندعي بأننا أناس نشبه صحراءنا صلابة وعنفوانا، ونكذب أكثر حينما ندعي عشقنا لهذه الصحراء، ذلك ان العاشق لا يمل معشوقه، ولا يصب جام غضبه عليه ولا يقسو عليه لأي سبب.. عندما يأتي الصيف يفضح عشقنا واحتمالنا، وهشاشة .. أعصابنا وعظامنا. أطفالنا يتجمدون أمام التلفاز، يصبح عالمهم فسيفساء سيئة من الرسوم المتحركة وألعاب الأتاري والألعاب التي لا تغادر أصابعهم، أشعر أحياناً وأنا أرقب طفلاً يتابع لعبة الكترونية في يده بأن عينيه سيصيبهما نوع من الحول لشدة انشداده للعبة، فإذا فكر في الخروج من صالة البيت منعته والدته ونهرته الخدامة، وصرخ في وجهه الوالد، خشية عليه من ضربة شمس قاتلة! يا إلهي! هل سيبقى كل هؤلاء الأطفال معلّبون في صالات المنازل والغرف طيلة شهور الصيف؟ كيف نتصور تأثير هواء المكيفات واشعاعات التلفاز وعدم الحركة عليهم؟ وأعود اتذكر ألم يكن أطفال الأمس يلعبون ويمرحون ويقضون طيلة نهارات الصيف على (سيف البحر) وفي عز الصيف؟ أم انه لم يكن الصيف بهذه القسوة في تلك الأيام الماضية؟ أو ربما لم يكن هنالك أطفال!! حينما تهل الأيام الأولى من شهر يونيو يكون الصيف قد هل بقامته المديدة، ووطأته الشديدة، يكون الجلوس خارج المقاهي مستحيلاً وفي أفنية المنازل مستحيلاً، ويكون المشي والتسكع والتريض على جوانب تلك الشوارع التي اعتادت هذا الطقس مستحيلاً أيضاً، تصبح الرياضة داخلية، والجلوس انحباساً بين الجدران، وبالفعل يتحول الانسان إلى كائن معلب يتمنى مرور الصيف سريعاً كي لا يفسده هذا التعليب الطويل الأجل!!