لكل طقس قوانينه الاجتماعية، ولكل كائن بشري جغرافيته في الحركة التي تضمن له قدراً من السعادة، او حيزاً من الحضور اليومي بين الناس. ولأن فصل الصيف له قوانينه الاجتماعية القاسية فإن كائناً بشرياً متزوجاً يمضي صيفه في دبي بعدما سافرت اسرته الى مكان بعيد لقضاء اجازتها، يعتبر شخصاً نموذجياً، تطبق عليه كل قوانين الطقس الاجتماعي، فهو يستقيظ صباحاً بأضلاع مكسرة من هواء التكييف، ويخطو بتثاقل صوب الحمام ثم ينظر الى لحيته النابتة ووجهه المنتفخ ويتحسر على نضارة خدوده الآفلة، فقد تناول طعاماً مليئاً بالبقوليات والمواد الحامضة انعكس مفعولها على ليلة مليئة بالكوابيس، وها هي نتائجها تظهر واضحة في المرآة. لو تناول طعاماً منزلياً صحياً لكان حصاناً يرمح الى عمله نشطاً متفانياً في أداء واجبه، لكن اين ذلك الطعام وزوجته مسافرة وقد نفدت مؤونة الأطعمة التي تركتها في الثلاجة، وهو ليس احسن حالاً من عازب آخر في احد طوابق عمارته حيث بدأت طلائع صراصير ونمل تزحف الى مطبخه بعدما ترك فضلات عشائه قرب الفرن، وبدأت رائحة ثوم معتق تزكم انوف العابرين امام المطبخ وهم عادة اصدقاء يترددون مساء الى منزله يمضون عدة ساعات في مراقبة برامج التلفزيون العظيمة! وخلالها يحرقون أكثر من ثلاث علب تبغ مرسلين سحب الدخان الى الستائر والكنبات وغرف النوم، وعندما ينتابهم احساس بالجوع يتطوع احدهم للاتصال بمطعم قريب حيث اللحوم الجاهزة تتطاير بسرعة الى بيوت العزاب اواخر الليل مع توصية خاصة بالاكثار من الثوم الذي ينساه صاحب البيت قرب الفرن فيتعتق.. ويزكم انوف عابري باب المطبخ. وهؤلاء ايضاً ليسوا احسن حالاً من ثلة عزاب اخرين يتحلقون حول طاولة صغيرة في مقهى صيفي يشيشون حتى ساعة متأخرة من الليل، ولا يتوانون عن طلب «نارة» او «حجر» كلما شعروا ان الشيشة لا تقرقر جيداً وان دخانها قد خفت فيسارع «الواد بليه» الى تعمير الشيشة مجدداً، وعندها يشعرون بالرضا لان الشيشة (OK)، وقطعاً ستفوح رائحة عسيس من ثيابهم التي يكومونها قرب باب الحمام او يضعونها فوق الغسالة بانتظار مجيء شغالة الجيران لتضع الثياب في الغسالة ولتقوم بتنظيف المطبخ من بقايا لحوم الليل وستعمل جاهدة على اكتشاف علبة الثوم التي سقطت خلف الفرن وقد تتكرم مثلاً بتمرير خرقة جافة على طاولة الطعام او تمسح شاشة التلفزيون لتبقى نضارة المذيعة مستمرة، وعندما يقدم لها صاحب البيت عشرين درهماً نظير خدماتها ستقول له اريد ثلاثين درهماً، «بابا هدا بيت في وايد كشره». ولن يجد الحصان الاعزب مفراً من تقديم ثلاثين درهماً نظير ساعتين امضتهما في اعادة الاشياء الى أماكنها. ولأن للصيف قوانينه الاجتماعية فإنه يمكن للمرء ان يصنف هؤلاء في خانة عزاب الصيف الذين سافرت اسرهم لقضاء اجازتها في بلدانها التي اتت منها، وبقي الاعزب وحيداً يعد الليالي ليلة بعد ليلة على شاكلة الشاعر جميل بثينة. ان القاسم المشترك الاعظم بين جميع هؤلاء الذين يتساهرون ليلاً ويتسامرون حتى الفجر هو بقاؤهم دون سفر خلال الصيف، مؤثرين ان تذهب أسرهم للاصطياف بينما ينخرطون هنا في طقس واحد حيث تتشابه الانشطة وتختلف الأسماء، وحيث تتشابه الأحلام وتختلف السعادة، السعادة المؤجلة التي ستكون في قمتها حين يعود الاولاد الى مدارسهم، والزوجة الى مطبخها، والأعزب الى سنة اخرى من الانتظار. E.mail: H-S-D@maktoob.com